من يحرك مجددا أفعى الطائفية في العراق؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
2

جاءت الدعوة لهدم مسجد ومرقد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان من مرجع ديني إيراني مقيم في العراق، وسط حملة تجييش طائفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

بغداد-»القدس العربي»: تبرز بقوة هذه الأيام العديد من مواقف وحوادث التجييش الطائفي في العراق، من قوى سياسية ودينية، اعتادت اللعب على الوتر الطائفي كلما حاول البلد لملمة جراحه من نتائج الفتنة التي مزقته منذ سقوطه في براثن القوى الظلامية الفاسدة بعد عام 2003 والتي تريد جر البلد مجددا إلى الفتنة والانقسام لتحقيق أهداف محلية وإقليمية.
ومع تعدد مظاهر التجييش الطائفي وتنوعها وانتشار رقعتها، يبدو واضحا ان جميع خيوطها تحركها أصابع الدولة العميقة، عبر أدواتها المختلفة المهيمنة على الحكومة والبرلمان وشرائح من المجتمع.
فبعد جهود كبيرة دينية وشعبية وأمنية، تم إحباط دعوات القوى الظلامية لهدم مسجد ومرقد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان في منطقة الأعظمية شمال بغداد، وهو أحد الإئمة الأربعة للمسلمين السنة، وله مكانة مقدسة في نفوس المسلمين في العراق والعالم الإسلامي. وقد جاءت الدعوة لهدم المسجد من مرجع ديني إيراني مقيم في العراق، بحجة معاداة أبو حنيفة لإئمة الشيعة، وسط حملة تجييش طائفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع القوات الأمنية إلى تطويق المسجد لمنع الغوغاء من الوصول إليه وتفجير فتنة جديدة.
ورغم محاولات التهدئة عبر زيارات مسؤولين حكوميين إلى مسجد أبو حنيفة وصدور بيانات الاستنكار والرفض لتلك الدعوات من رجال دين سنة وشيعة معتدلين، وقيام وفد من أهالي الكاظمية، بزيارة جامع أبو حنيفة وإقامة صلاة مشتركة فيه، إلا ان القوى الظلامية تأبى ان تتخلى عن أجنداتها الخبيثة.
فقد تصاعدت مطالبات قوى شيعية برفع تمثال الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، أحد الرموز الثقافية والتاريخية البارزة في بغداد، بحجة محاربته لأئمة الشيعة، حيث توجهت جموع من الغوغاء نحو مكان التمثال، رافعين لافتات ومرددين شعارات طائفية ومزودين بفؤوس ومطارق، في محاولة لهدم التمثال، إلا ان القوات الأمنية منعتهم.
ولا شك ان هذه الدعوات التي انتشرت عبر وسائل التواصل، للمساس بمسجد أبو حنيفة وتمثال المنصور، بهاشتاغ: «لا مكان لأعداء أهل البيت» قد أثارت غضب العراقيين لأنها تمس جزءا حيويا من تاريخهم وعقيدتهم الدينية السمحة، دون استبعاد النوايا الخبيثة من وراء طرح هذه الدعوات بمثل هذا التوقيت، مستغلة عجز الحكومة عن لجم الأفكار الطائفية المدمرة التي تطلقها أحزاب وفصائل ولائية بين آونة وأخرى ضمن محاولاتها المتواصلة في نبش التاريخ وتشويه أحداثه، من أجل قطع صلة العراق بمحيطه العربي والإسلامي.
ولم تكن بعيدة عن هذه الحوادث، مراسم إحياء ذكرى «مجزرة سبايكر» التي قام تنظيم «داعش» فيها بقتل نحو 1500 منتسب أمني في قاعدة عسكرية في تكريت، عند سيطرته على محافظة صلاح الدين عام 2014.
ورغم ان هذه المراسم تجري كل عام، ولكن ما ميز الذكرى هذه المرة هو تصاعد لغة الخطاب الطائفي وإلصاق الجريمة بالعشائر السنية في تكريت، حيث عمدت بعض القوى الشيعية، إلى دس عناصرها بين عائلات الضحايا الذين توجهوا إلى المكان وقاموا بترديد شعارات طائفية وإهانات لأهالي المدينة، كما عمدوا إلى قطع الطريق بين بغداد وصلاح الدين والاعتداء على المواطنين ومنع سيارات سكان المحافظة من التوجه إلى بغداد، وسط غياب دور الأجهزة الأمنية عن منع مثيري الفوضى والفتنة الطائفية. وهو ما جعل محافظ صلاح الدين عمار الجبر، يصدر بيانا غاضبا للرد على التجاوزات، محذرا «من محاولات لإعادة سنوات الطائفية من جديد» ومشددا على ان التنظيم الإرهابي «عند دخوله إلى المحافظة في عام 2014 ذبح أغلب شبابها الذين رفضوا هذا الفكر القاتل» ومؤكدا ان «داعش الإرهابي قتلنا جميعا». وأشار إلى ان «تلك العصابات الداعشية لا تنتمي لعشيرة أو لقبيلة أو لعائلة بل هم مجرمون ارتضوا أن يكونوا مطايا للدواعش الذين جاؤوا من خارج البلد».
وجددت ذكرى سبايكر، دعوات لمحاكمة المسؤولين عن الجريمة أمثال زعيم حزب الدعوة ورئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي وقادته العسكريين، الذين أسهموا في تمكين تنظيم «داعش» الإرهابي من السيطرة على ثلث مساحة العراق، من خلال إصدارهم أوامر الانسحاب للقوات المسلحة بدلا من الوقوف بوجه التنظيم، حسب نتائج تحقيق لجنة الأمن النيابية، والتي تم التكتم عليها وحفظها من دون محاسبة المقصرين، بفعل ضغوط القوى السياسية المتنفذة.
وضمن السياق لم تكن مصادفة، إعلان السلطات الأمنية عن كشف مقبرة جماعية جديدة تضم رفات 123 ضحية قرب سجن بادوش في الموصل من ضحايا «داعش» والادعاء بأنهم من الشيعة فقط، رغم ان الضحايا من مكونات مختلفة، كما لم تكن مناطق حزام بغداد (السنية) كالطارمية وأبو غريب، في منأى عن محاولات قوى ولائية، لإحداث التغيير الديموغرافي فيها، عبر الاستيلاء على أراضيهم الزراعية، بحجة «استثمار أراضي مطار بغداد» وفق تصريحات السياسيين السنة.
وإذا كان متفقا عليه، ان دعاة التجييش الطائفي، ومنذ 2003 لم يتوقفوا عن سيناريو تخريب المجتمع العراقي عبر إثارة الفتنة الطائفية بين أبنائه، وان الدولة العميقة مستعدة لحرق العراق بأكمله من أجل إبقاء سيطرتها على الدولة ونهب مواردها، فإن بعض القوى لها أهداف أخرى، منها محاولة استعادة الشارع الشيعي الذي رفضها بعد ان كشف حقيقتها، أو محاولة خلق الأزمات لتأجيل الانتخابات المقبلة، ومنع أي محاولة للتغيير والإصلاح في البلد، وسط تساؤلات عن مبررات زيارة قائد فيلق القدس الإيراني اسماعيل قاآني بغداد مرتين خلال أيام، وعلاقتها بإثارة المواقف المثيرة للفتنة الطائفية مجددا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية