الناصرة-»القدس العربي»: تبلغ حكومة الاحتلال الجديدة برئاسة نفتالي بينيت اليوم الأحد أسبوعها الأول وسط سؤال يشغل بال الإسرائيليين ويثير جدلهم حول ديمومة هذه الحكومة القائمة على أغلبية صوت واحد وتتكون من أحزاب لا تجمعها رؤية سياسية واحدة وتعيقها رواسب شخصية وحزبية وتهدّدها معارضة شرسة. غير أن المؤكد في كل الأحوال أن هذه حكومة تصريف أعمال لا تبشّر بأي جديد على المستوى السياسي الخارجي من ناحية مستقبل القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وواقع الاحتلال. ربما تحمل تغييرا في التعامل الرسمي مع فلسطينيي الداخل من ناحية تقريبهم أكثر من حقوقهم المدنية وحل مشاكلهم الكثيرة العالقة بدافع من القائمة العربية الموحدة «الحركة الإسلامية-الشق الجنوبي» وهي الحزب العربي الذي يشارك في دعم مباشر لإئتلاف إسرائيلي حاكم للمرة الأولى منذ أن قامت حكومة منتخبة عام 1949. حتى الآن ما زالت هذه وعود مشروطة وردت في اتفاق بين «الموحدة» وبين قادة الإئتلاف الحاكم وهو محط جدل واسع فهناك من يؤيد ما تسميه «الموحدة» المشاركة في اللعبة السياسية الإسرائيلية بعدما تغيرت إسرائيل ولم يعد بها يمين ويسار، وهناك من يعتبر ذلك تفريطا بالثوابت الوطنية وبدون الحصول على ما هو مقنع بل هو نوع من الفتات فقط. ولذا تعارض القائمة المشتركة هذه الحكومة وصوتت ضدها ولا ترى بها أي اختلاف عن حكومة نتنياهو السابقة من كافة الجهات وهذا ما ترفضه القائمة العربية الموحدة التي تتساءل في حملتها المضادة: كيف ترفع المشتركة شعار إسقاط نتنياهو طيلة أربع جولات انتخابية متتالية وفي لحظة الامتحان نجدها تقف لجانب نتنياهو في صف واحد ضمن معارضة لحكومة أسقطته وحلت مكانه؟
ويبدو أن الحكومتين السابقة والحالية متطابقتان من ناحية الموقف من الصراع مع الشعب الفلسطيني، منذ أن اعتلى بنيامين نتنياهو سدة الحكم للمرة الأولى عام 1996 وعودته لها وبقائه فيها على التوالي منذ 2009 لم يبادر نتنياهو فعليا إلى أي خطوة باتجاه تسوية الصراع مستخدما استراتيجية إدارة الصراع لا حله، وكسب الوقت والتهرب وإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني لدواع عقائدية تنطلق من ايمانه بـ «أرض إسرائيل الكبرى» ولدواع سياسية تتعلق برغبته الجامحة بالابتعاد عن قضايا خلافية للبقاء أطول مدة ممكنة في الحكم. وهكذا بالنسبة للحكومة الجديدة، فمن يرأسها هو نفتالي بينيت رئيس حزب «يمينا» رئيس سابق لمجلس المستوطنات وهو الآخر من أتباع ما يعرف بـ «أرض إسرائيل الكاملة» ومعه رئيس حزب «جديد « المنشق عن الليكود وزير القضاء غدعون ساعر ورئيس حزب «يسرائيل بيتنا» وزير المالية أفيغدور ليبرمان ورئيس حزب «أزرق-أبيض» وزير الأمن بيني غانتس وكافتهم يعارضون بأشكال ومستويات مختلفة تسوية الدولتين. في المقابل تشارك أحزاب أقرب للوسط واليسار الصهيوني هي «العمل» و «ميرتس» و «هناك مستقبل» برئاسة يائير لابيد المعد لأن يكون رئيس الوزراء بالتناوب بعد عامين خلفا لبينيت في حال بقيت الحكومة على قيد الحياة، وهؤلاء أقرب لتسوية الدولتين. لكن التناقضات والفجوات الكبيرة بين هذه المكونات السياسية علاوة على عدم وجود حزب كبير مركزي واحد يجعل الدخول في موضوع تسوية الصراع دخولا لحقل ألغام غير وارد أصلا. كان وسيبقى قرار حكومات الاحتلال بإنهاء الاحتلال والرغبة الحقيقية بتسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني رهن مقاومته وجعله الاحتلال مكلفا وغير مجاني وعدم التعويل على مفاوضات بات واضحا أنها ضرب من طحن الماء وكسف الوقت لفرض حقائق على الأرض،استيطانا وتهويدا.
في المقابل وتعبيرا عن قوة أحزاب تريد تغيير المواقف الإسرائيلية الخارجية المتشددة خاصة تصحيح العلاقات مع الولايات المتحدة، أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد محادثة مع نظيره المصري سامح شكري حول أهمية العلاقات الثنائية في المستوى الدبلوماسي والأمني واتفقا على قنال مفتوح دائم على أمل اللقاء قريبا. وقبل ذلك كان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن جدد خلال محادثته يائير لابيد التأكيد على دعم بلاده لـ»أمن إسرائيل» وذلك في مكالمة ثانية خلال أسبوع بينهما تناولت العلاقات الثنائية والملفين الفلسطيني والإيراني. وقال المتحدّث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس في بيان إنّ بلينكن جدّد خلال المكالمة التأكيد على دعم بلاده لـ»أمن إسرائيل».
وأضاف بيان أمريكي أنّ الوزيرين ناقشا كذلك «أهمية» العلاقات الثنائية بين بلديهما و»ضرورة تحسين العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية من الناحية العملية». وأشار البيان إلى أنهما «تبادلا أيضا الآراء حول فرص تعزيز جهود التطبيع وكذلك قضايا الأمن الإقليمي بما في ذلك إيران». ولم يتطرّق بيان الخارجية الأمريكية إلى التطوّرات الميدانية بين إسرائيل وقطاع غزة. من جانبه، قال لابيد في تغريدة له: «تحدثت مع بلينكن حول مجموعة واسعة من القضايا الاستراتيجية بما في ذلك الوضع الأمني والسياسي في المنطقة، وإيران، وإمكانية توسيع عمليات التطبيع» وأضاف أنهما اتفقا على «إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ومنتظمة بينهما» بالإضافة إلى أنهما اتفقا على «اللقاء قريبًا». وعلى خلفية ذلك ربما أعلن في إسرائيل عن نيتها تحويل 1.2 مليون لقاح من شركة فايزر للسلطة الفلسطينية. كما ويتوجه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، إلى الولايات المتحدة اليوم الأحد، حيث سيلتقي رئيس الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، مارك ميلي. وكانت هذه الزيارة مقرر في نيسان/أبريل الماضي، لكنها تأجلت إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، الشهر الماضي. وقال بيان صادر عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إن كوخافي سيلتقي في واشنطن مع مستشار الأمن القومي، جاك سوليفان، ووزير الدفاع، لويد أوستن، ومسؤولين آخرين في وزارة الدفاع والجيش الأمريكي.
قضايا داخلية فقط
هذه الأحزاب التي اجتمعت وهذه الحكومة التي قامت من أجل تحقيق هدف مركزي واحد لا علاقة له بالصراع مع الشعب الفلسطيني بل بهدف داخلي يتمثل في الخلاص من نتنياهو المتهم بتهم فساد خطيرة الذي بات يتصرف كملك زمانه ولذا فإن بقائه في الصورة كرئيس للمعارضة سيساهم في بقاء هذه الحكومة متماسكة أكثر، ولذا هناك من يدعو لأن يرسل قادتها باقة ورد كل نهاية أسبوع لنتنياهو لقراره بالبقاء رئيسا للمعارضة مهددا بالعودة لسدة الحكم بسرعة لأنه هو القاسم المشترك الرابط بين كل أجزاء هذه الحكومة التي أعلنت أنها ستهتم بتعزيز التربية والصحة والرفاه والقيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وغيرها. كما أعلنت على لسان أقطابها أنها ستعنى بمداواة الجراح التي أصيبت بها إسرائيل والإسرائيليون نتيجة خطاب التشظي والكراهية المنتشر في السنوات الأخيرة والذي سبق ووصفه في خطاب شهير قبل خمس سنوات عرف بـ «خطاب الأسباط» رئيس الدولة السابق رؤوفين ريفلين بأن تفشي الكراهية الداخلية أشد خطورة من قنبلة إيران.
تغيير عميق
وكشف أمس النقاب عما يعكس عمق الأزمة الداخلية في إسرائيل التي تنذر بالعودة للانتخابات مجددا وهو قيام عضو الكنيست بنيامين نتنياهو بأمر مساعديه بائتلاف كمية ليست معروفة من الوثائق قبل مغادرة مكتبه في مقر رئاسة الوزراء بخلاف القانون، وخاصة قانون أرشيف الدولة. وقالت صحيفة «هآرتس» إن نتنياهو أمر بالزج بالكثير من الوثائق في ماكنة تقطيع الأوراق، ونقلت عن مصادر في مكتب رئيس الحكومة، تأكيدها أن من أعطى الأوامر كان شخص نتنياهو. ويقضي القانون بعدم اتلاف أي مستند أو ورقة أو حتى قصاصة ورق في أي مكتب حكومي وأولها مكتب رئيس الحكومة والوزارات، على أن يتم نقل كل هذه الوثائق إلى أرشيف الدولة، ويتم تخزيها وفق آلية خاصة. وقال مختصون قضائيون للصحيفة، إن «ما تم في مكتب نتنياهو كان غير عادي بشكل خاص» وأضافوا أنه يجب أن تبقى المستندات الشخصية، على سبيل المثال الجداول الزمنية للبرامج اليومية، في الأرشيف. وتبين، وفقا للصحيفة، أن هذه ليست المرة الأولى التي يبدو فيها أن نتنياهو يتصرف بالوثائق بصورة غير قانونية لدى نهاية ولايته. ففي العام 1999 وقبل أسابيع قليلة من خسارته الانتخابات لصالح إيهود باراك، احتفظ نتنياهو لنفسه بوثائق سرية، وحتى أن قسما منها وُصفت بأنها «سر مفضل» وهو تصنيف أعلى من «سري للغاية» خلافا للقانون. يشار أن نتنياهو رفض إجراء مراسم تبادل مناصب مع بينيت، وعقدا لقاء استمر 30 دقيقة فقط رغم أن نتنياهو تولى رئاسة الحكومة على مدار 12 سنة متواصلة. وقالت مصادر مطلعة إنه خلال اللقاء تم طرح «موضوع أمني واحد وعددا من المواضيع السياسية» ولم يتحدث نتنياهو وبينيت منذئذ بتاتا وكذلك يرفض نتنياهو إخلاء دارة رئاسة الوزراء بحجة أن محتوياتها كثيرة ويحتاج لأسابيع من أجل الانتقال لبيته الخاص في مدينة قيسارية الساحلية. وتذكّر هذه السلوكيات بتصرف دونالد ترامب عقب هزيمته، وربما تظهر أنانية وحماقة نتنياهو الذي حول حلفاء وزملاء الأمس إلى أعداء بعنجهيته لكنها تعكس أزمة أعمق وأشمل تطال السياسة والقيادة الإسرائيلية التي باتت اليوم أكثر فسادا وجشعا واستعدادا لخلط الأوراق وتفضيل المصالح الشخصية والحزبية على مصالح وطنية عليا وأقل تواضعا ونظافة.