في رسالة لحكومة بينيت الجديدة
الناصرة-»القدس العربي»: يعتبر مراقبون إسرائيليون كثر أن امتحانات صعبة وخطيرة تنتظر حكومة الاحتلال الجديدة بقيادة نفتالي بينيت منها التصويت على قانون منع لم شمل العائلات الفلسطينية الذي سيطرح غدا الإثنين للمصادقة عليه مجددا. لكن مستقبل العلاقات مع القطاع أشد خطورة في ظل تجدد التوتر وتبادل النار والاعتداءات على القدس وعلى غزة. وحتى يحين موعد هذه التحديات والاختبارات يواصل محللون محليون التحذير من أن حركة حماس ربما خسرت المعركة الأخيرة لكنها ربحت الحرب على الوعي علاوة على مراقبين آخرين سبق وقالوا إن إسرائيل نجحت تكتيكيا وفشلت استراتيجيا لعدة أسباب. ويقول نوعام أمير، محلل عسكري، في صحيفة «معاريف» إنه عندما أطلق يحيى السنوار صواريخ على القدس في يوم القدس هو فعلاً لم يبدأ حرباً ضد الجيش الإسرائيلي، بل معركة أُخرى موجهة نحو الساحة الداخلية-الفلسطينية. معتبرا أنه في استطاعة إسرائيل الاستمرار في الادّعاء أن المواجهة التي أتت في أعقاب إطلاق الصواريخ كانت انتصاراً عسكرياً كبيراً، وفي هذا شيء من الحقيقة، لكن هذا لا يهم تنظيم السنوار، لأن الأخير حقق انتصاراً كبيراً في المعركة لكسب قلوب الفلسطينيين.
وبهذا المضمار يشير أمير إلى ما أظهره استطلاع للرأي نُشر قبل أيام صورة انتصار واضحة، بحسب نتائج الاستطلاع حدث ارتفاع دراماتيكي في تأييد الفلسطينيين لـ»حماس» بعد عملية «حارس الأسوار» ورأى ثلاثة أرباع الذين شملهم الاستطلاع أن «حماس» خرجت منتصرة من المواجهة الأخيرة مع إسرائيل.
قلق عباس بعد صعود حماس
وبذلك يشير المحلل الإسرائيلي لاستطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي يقوم باستطلاعات للرأي العام الفلسطيني منذ أكثر من عقدين على الأقل ومركزه في رام الله . زاعما أيضا أن مَن يجب أن يشعر بالقلق من نتائجه هو أبو مازن، لأنه يدل على تراجُع مكانته. وبحسب الاستطلاع، 53 في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن «حماس» هي التي يجب أن تمثل الشعب الفلسطيني، و 14 في المئة فقط يفضلون أبو مازن. وبخلاف محللين آخرين انتقدوا حكومة نتنياهو لتعاونها غير المباشر مع حماس وتجاهل الرئيس عباس يقول نوعام أمير إنه في إسرائيل اتُّخذ القرار بإخراج «حماس» من المعادلة وتعزيز مكانة أبو مازن والآن يتعين على المؤسسة الأمنية أن تفحص ما إذا كان هذا الأمر ممكناً، لأن التراجع في مكانة أبو مازن يبدو أمراً لا عودة عنه. ويكشف الاستطلاع التغيّر الكبير الذي مرت به «حماس» مقارنة بفترة ما قبل عملية «حارس الأسوار» حين تراجعت شعبية السنوار إلى أدنى درجاتها منذ وصوله إلى السلطة بعد إطلاق سراحه من السجن الإسرائيلي. زاعما أن هذا هو سبب مفاجأته لإسرائيل وتخلّيه عن التسوية ورهانه على التصعيد، والآن يبدو أن هذا الرهان قد أتى ثماره في المدى القصير. وبرأيه فإنه في المقابل وعلى المدى البعيد، ستدفع «حماس» ثمناً باهظاً، بحسب قول رئيس الموساد المنتهية ولايته يوسي كوهين. ويتابع «إذا ذهبت إسرائيل حتى النهاية بالتشدد في الشروط على غزة، فسيؤدي هذا إلى انشقاق داخل حماس ويتسبب بالعديد من المشكلات لالسنوار، لكنه أيضاً سيؤدي إلى تصعيد إضافي وجولات في مواجهة حماس كل بضعة أسابيع أو أشهر».
ويعود نوعام أمير إلى الاستطلاع موضحا أن 77 في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن «حماس» هي التي انتصرت في المواجهة، ونسبة موازية تعتقد أنها قاتلت للدفاع عن القدس والأماكن المقدسة – وليس كجزء من المواجهات الداخلية مع «فتح». ويضيف «لست متاكداً على الإطلاق من أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يشاهدون ما يجري في غزة ويتمنونه لأنفسهم. في النهاية حياة الرفاه في الضفة الغربية لا تشبه كابوس غزة. ولن أسارع إلى تصديق أنهم يريدون حماس وليس فتح». وحسب رؤيته فإن تأثير عملية «حارس الأسوار» سيبقى ظاهراً على الأرض لوقت طويل: «صحيح أنها أرسلت ناشطين لإطلاق بالونات مشتعلة في الأيام الأخيرة لكنها بذلت جهداً كبيراً لمنع تنظيمات مارقة من إطلاق الصواريخ. هذه هي نتيجة الردع، وأيضاً نتيجة قدرة حماس على فهم الوعي في إسرائيل، فهي ردّت على الرغم من كل شيء، لكنها حافظت على درجة مواجهة منخفضة».
ويعتبر زميله المحلل العسكري رون بن يشاي أن الرد الإسرائيلي الضعيف على «استفزازات حماس» في الأيام الأخيرة لا يتطابق مع وعود رؤساء المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي بعد عملية «حارس الأسوار». ويقول في تحليل نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه فور التوصل إلى وقف إطلاق النار، تعهد وزير الأمن بيني غانتس ورئيس الحكومة حينها بنيامين نتنياهو أن «ما حدث لن يحدث» لكن الهجوم الجوي المدروس على معسكرات تدريب فارغة تابعة لـ»حماس» في خان يونس في غزة، رداً على إطلاق بالونات مشتعلة أمس الاول كان من الردود التي لا تؤثر في الغزّيين منذ وقت طويل. ويتابع بن يشاي «صحيح أن الحكومة والجيش انتهجا ضبط النفس قبل العملية الأخيرة حيال إطلاق البالونات المشتعلة على حقول غلاف غزة، وإزاء أعمال الشغب على السياج الحدودي، بحجة أن الأضرار التي تسببت البالونات المشتعلة بها كانت ضئيلة ويجب عدم المجازفة بتصعيد بسبب الضجيج الذي يقوم به شبان من غزة خلال الليل، لكن ضبط النفس هذا فسّرته حماس بأنه علامة ضعف، وإظهار الضعف يؤدي إلى تآكل الردع كما هو معروف في منطقتنا. لقد كان هذا أحد الأسباب الأساسية التي تجرأت حماس والجهاد الإسلامي بسببها على توجيه إنذار بشأن القدس في الشهر الماضي، وهكذا تدهورنا إلى العملية الأخيرة».
معتبرا أن الرد الإسرائيلي على إطلاق البالونات الحارقة من غزة كان سريعاً نسبياً، لكنه غير كاف، وتأثيره أيضاً كان محدوداً وان الهجوم الجوي الذي قرره رئيس الحكومة نفتالي بينيت وغانتس لا يرسخ الردع الذي وعد غانتس ونتنياهو بالمحافظة عليه بعد عملية «حارس الأسوار» لا بل أسوأ من ذلك. ويتابع «لقد أكد هذا الرد الإسرائيلي معادلة الردع الجديدة التي تريد حماس فرضها، معادلة مفادها إذا لم تخضع إسرائيل لمطالب حماس في القدس، فسيدفع الإسرائيليون من سكان غلاف غزة ثمناً بالأملاك والأرواح. وسبق ووجهت حماس إنذاراً إضافياً إلى حكومة إسرائيل، وفي رأيها، هذا ما دفعها إلى تغيير مسار مسيرة الأعلام. حسناً فعل وزير الأمن الداخلي والقائد العام للشرطة عندما غيّرا مخطط المسيرة لمنع حدوث استفزازات ضد الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية من جانب متطرفين يهود. لكن كعادتها، حماس سارعت إلى تسجيل ربح على الوعي واعتبرت الخطوة الإسرائيلية العاقلة خضوعاً لمطالبها».
ووفقا لرون بن يشاي المقرب من المؤسسة الأمنية وهو بنفسه ضابط في جيش الاحتياط فإنه يشير، «من أجل الإنصاف» إلى ثلاثة أسباب محتملة لهذا الرد الإسرائيلي المضبوط والضعيف. الأول، ليس لحكومة إسرائيل الجديدة الآن مصلحة في الدخول في جولة تبادُل إطلاق نار حتى ولو كانت قصيرة. مثل هذه الجولة يمكن أن تعرقل الحياة الاقتصادية في إسرائيل، ويؤدي إلى تضاؤل مخزون السلاح الدقيق والغالي الثمن- وسيثير انتقادات دولية أيضاً من طرف واشنطن.
إدارة بايدن
السبب الثاني، بالإضافة إلى النقد الدولي حقيقة أن إدارة بايدن تسعى الآن للتهدئة في الشرق الأوسط كي تتفرغ لمواجهات أُخرى مع الصين وروسيا وهي اليوم تطلب من إسرائيل مساعدتها في هذا الشأن. والسبب الثالث للرد الضعيف والمضبوط برأي المحلل بن يشاي هو الرغبة في إعطاء فرصة للوساطة المصرية: رئيس الاستخبارات المصرية عباس كامل ورجاله يعملون بجدية للتوصل إلى تسوية طويلة الأجل في غزة يمكن أن تتضمن تهدئة أمنية وإعادة إعمار القطاع، وأيضاً تخفف من الضائقة الحياتية لسكانه. ويتابع «يجب أن يُضاف إلى ذلك منع تعاظُم القوة العسكرية للتنظيمات في غزة وصفقة تبادُل الأسرى».
الاختبار الأهم
وينوه أيضا أن مصر طلبت من إسرائيل إظهار ضبط النفس، فاستجابت لطلبها، من بين أمور أُخرى، لأن الحكومة الجديدة لم تبدأ عملها والمجلس الوزاري المصغر لم يجتمع بعد لتحديد سياسته بشأن مسألة غزة. لكن بن يشاي يدعو للتذكر أيضاً أن مصر لم تنجح بعد عملية «الجرف الصامد» في سنة 2014 في بلورة اتفاق بين الفصائل المختلفة على شروط وقف إطلاق النار، واستمرت المفاوضات وقتاً أكثر مما هو مبرّر له من الناحية العسكرية والموضوعية، الأمر الذي سمح لحماس بأن تُلحق بنا خسائر وأضراراً غير ضرورية. ويعتقد أن هذه المرة، بعد «حارس الأسوار» يجب أن تكون إسرائيل حذرة وتمنع تكرار ذلك مرجحا ألا يطول الانتظار كي يتم التثبت ما إذا كانت حكومة بينيت تكرر أخطاء الماضي، وإذا كانت ستنجح في كسر معادلة الردع المتبادَل التي تحاول «حماس» فرضها مثلما فعل حزب الله.
وبرأي بن يشاي فإن الاختبار المقبل للحكومة الجديدة في إسرائيل فيما يتعلق بموضوع غزة سيأتي في وقت قريب جداً بعد بضعة أيام ويقول إنه إذا أصرت إسرائيل على عدم تحويل المال القطري إلى «حماس» وإذا لم تتراجع عن مطلبها بمنع تعاظُم قوة «حماس» وربط موضوع الأسرى والمفقودين بالموافقة على إعادة إعمار غزة، فيمكن أن تحاول «حماس» والجهاد الإسلامي فرض مطالبهما علينا بواسطة إطلاق صواريخ وبالونات مشتعلة، وعندها ستحين الفرصة المقبلة لحكومة بينيت كي تحاول تطبيق قواعد لعبة جديدة في مواجهة الغزّيين. ويخلص للقول «هذا ضروري حتى لو تطلب الأمر جولة قتال أُخرى وأدى إلى انتقادات في الساحة الدولية».