في ظلال أزواجهن

حجم الخط
6

عاش الشاعر أمل دنقل حياة جسدية قصيرة، في ما تبلغ روحه اليوم ثلاثا وثمانين سنة، وهي لم تغادرنا أبدا، ممتطية أجنحة شعره، محلّقة بين الفضاءات العربية، المتعطّشة دوما لشعر يخترق فؤادها لتبقى على قيد الحياة.
تحل ذكرى غيابه، فيتذكر الناس قصّته الجميلة والحزينة في الوقت نفسه، التي رغم جمالها واستثنائيتها لم تترجم دراميا بعد، رغم وجود زوجته الإعلامية عبلة الرويني أطال الله عمرها، هي التي اجتهدت لتكون الحبيبة والزوجة والرفيقة والشاهدة على حياة دنقل التي لا يعرفها العامّة. عبلة الرويني بالنسبة لي لا تختلف عن زوجات عظماء الأدب، مثل صوفي تولستوي، وآنّا دوستويفسكي، وفيرا نابوكوف، وغيرهن. للمبتسمين الآن سخريةً من هذه المقارنة، أؤكّد أنهم يجهلون دور الزوجة في حياة الشاعر أو الكاتب، وكيف تتنازل بسبب الحب عن كثير من أحلامها لإسعاد زوجها، غير نادمة ولا متحسرة على ما فات، إلا في حالات نادرة.
تذكرت اليوم أمل دنقل، لأنه شاعر تأثرت به أجيال، ولا يزال أيقونة شعرية في العالم العربي، وتساءلت لماذا كلما توجّه صحافي لمحاورة الرويني يسألها فقط عن دنقل، وكأنّها لم تكن طرفا مهما في حياته، ولولاها لتغير وجه نتاجه الشعري كله.
نعرف جيدا كم لعب الحب دورا مهما في رسم مصير دنقل الشاعر، وتحكُّمه في مسار قصيدته، لهذا أعتقد أن ما كشفته عبلة الرويني في حوارات أجريت معها بعد وفاته، قليل من كثير نجهله عن قصة حبهما، ورحلته المتخمة بالحزن والألم والحب، مادة لحكاية عظيمة لم تكتب بعد.
حول هذا الموضوع تساءلت، هل يمكن لدور المرأة أن يغير من قدر رجل كما يفعل الرجال بأقدار نسائهم؟ وما السر في دعم المرأة في الغالب لرجلها وهو النّادر الذي يذكر في حياة المبدعات؟
في تاريخ الزوجات العظيمات لمشاهير الأدب، يُذكر أن صوفي بيرس عاشت ثمانية وأربعين عاما مع تولستوي، وقد شهد زواجهما منذ بدايته ولادة روايتيه العظيمتين، «الحرب والسلام» و»آنا كارنينا». قبل زواجهما قطع تولستوي عهدا لصوفي أنه سيتخلى عن طبائعه السيئة ورذائله كلها، فقد كان سكيرا، يعشق القمار وإغواء النساء. رضيت، لكنها صدمت ببيت فارغ من الأثاث، لا يصلح لاستقبال عروس، فحتى السرير كان دون بطانيات، ومع هذا تدبّرت الأمر، بفطنتها وذكائها وتفانيها في حبه، عرفت كيف تؤثث البيت، وتحوله إلى فضاء ملهم له، احتضنه حتى آخر أيامه. نتحدث هنا عن الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي ابن عائلة من نبلاء روسيا، والده الكونت نيكولاس تولستوي، ووالدته الأميرة فولكونسكي، ومع هذا نستنتج أن الرّجل كان مقامرا حقيقيا، ليخفق في الحفاظ على مستوى عيشه، وأن منقذته هي زوجته. المذكرات التي نشرتها صوفي توليستانا وترجمت للغة العربية والصادرة عن دار المدى، تحمل الكثير من الاعترافات الصادمة، هي ليست موضوعنا اليوم، ما دام ما أرمي إليه هو موضوعنا نحن، أبناء هذا العالم العربي الذي يعج بالشعراء والأدباء والقوّالين، وكثير من الصمت أيضا، وهو سيد المواقف كلها.
في كتابها «الجنوبي» تروي عبلة الرويني سيرة شاعرها، سيرة حب لا يمكن أن تنطفئ ألسنته طالما الكتاب لا يزال يُقرأ، ولا يزال الشاعر يغوي بشعره عشاق الشعر وهواته. على مدى مئتي صفحة وأكثر، لا نتوقف عن ارتشاف عشق عبلة لأمل، وكأنّها نبض قلب، فراشة من المشاعر المضيئة، وروح بهية عرفت كيف تصقل الكلمات لتصنع نسخة ثانية لدنقل، لكن أين هي عبلة؟ لسنا أمام قصة الفتاة الفقيرة التي ضلّت الطريق أو تاهت ثم خرج أمير من قلب الغابة وأنقذها، نحن أمام قصة حدثت كل فصولها بشكل مغاير، نحن أمام الأميرة التي تركت خلفها القصر، وركضت إلى الغابة وبحثت عن رجلها الفقير، الذي كان «يترفّع حين كان طفلا عن أكل الحلوى، لأنها في نظره لا ترتبط الرجولة». قصة لم تدخل تراثنا السردي إلا من باب أن زواج أميرة من رجل فقير ليس سوى عقاب لجحودها، وهذا مخزن خاطئ لكل موروثاتنا الثقافية.
دنقل كان كسولا، لا قلق لديه تجاه المستقبل، لا شعور بالمسؤولية تجاه بيته وتجاه عبلة، لكنه أحبّها كثيرا، الحب سلاحه الوحيد أمام عجزه في أن يكون رجلا أكثر حزما، قليل السفر في أحلامه وخيالاته، فاعلا بالمعنى البراغماتي للكلمة، ربما في تصوري أراه عبئا حملته عبلة في قلبها وتحمّلته لإنقاذه. لنتخيل معا ما كان مصيره مع مرضه لو أنه كان وحيدا؟ أو أنه تزوج امرأة أخرى غير عبلة المفتونة به؟
تحضر الأسئلة، ولا أجوبة لها سوى ما تكشفه قراءتنا للكتاب، في السطور وما بينها، إذ يبدو جليا أن الحياة مع دنقل لم تكن سهلة، وأعتقد أن عبلة بعد مرور ثمان وثلاثين سنة على وفاته لا تزال تُحسب عليه، وتغطي ظلاله عليها مع أنها، كما من ذكرناهن سابقا، كنّ سببا في نمو مواهب أزواجهن، وتألقهم.

صعب مقاومة إغواءات الأضواء، فهل يمكن قراءة ظهور الزوجات بعد وفاة أزواجهن تعويضا لغيابهن القسري في حضور أزواجهن؟ لماذا فضلن الصمت؟ لماذا تكلّمن متأخرات؟

زوجة تولستوي كانت تتقن الكتابة وتتقن ثلاث لغات والعزف على بيانو، زوجة دوستويفسكي آنا كتبت في مذكراتها «كنت أشعر بالشفقة على دوستويفسكي، الذي نجا من جحيم المنفى. حلمت بالمجيء لمساعدة الرجل الذي أحببت رواياته كثيرا» ورغم صغر سنها فقد كانت في العشرين وكان في الخامسة والأربعين، إلا أنها عرفت كيف تجمع شتاته، وتزيح غمامة أوهامه من بين عينيه وتكرس نفسها لخدمته حتى لا يلتهمه الضياع مرة أخرى.
ماذا نعرف عن جحيم البيوت المغلقة؟ عن حجم الطاقة التي تخصصها الزوجات لأزواجهن ليبقوا شامخين في الفضاءات العامة؟ إن الأمر لا يعدو أن يكون من المسلّمات، لكنّه في طقوسنا الاجتماعية يأخذ منحى قاسيا، حين تصبح قداسة الزوج أهم من كيان الزوجة.
في قراءتي المتواضعة لكتاب عبلة الرويني، ومتابعتي لبعض مقابلاتها التلفزيونية خاصة، شعرت بأن «عبلة الكاتبة» يتناساها المحاورون، مع أن كتابها «الجنوبي» يكشف عن روعة قلمها وقدرته على جمع أطراف حكايتها مع دنقل، وتقديمها في أبهى حللها. لقد وجد الشاعر الحزين الفرح مجسّدا في عبلة. لم تكن نصفه الثاني، كانت «كلّه» لأنّها استطاعت أن تحقق له الثبات والاستقرار، ويمكن العودة لحكايات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي عن صديقه دنقل، لنعرف كم كان رجلا صعبا، رغم رقته، غير ليّن، غير قادر حتى على الاعتراف بالحب لرفيقة عمره، وهي نفسها لا تتذكر إن حدث ذلك، فكم كانت معطاءة، وكم تميزت في ذلك. دور عبلة الرويني يذكرنا بأدوار مهمة لنساء عشن لأجل أزواجهن، مثل المغربية ثريا اليعقوبي أرملة المفكر الإسلامي محمد أركون، وسنية صالح زوجة الشاعر محمد الماغوط، وآني هوفمن زوجة غسان كنفاني وأخريات ذكرن في مواضع كثيرة، ورغم أن بعضهن لسن أقل موهبة من أزواجهن، مثل خالدة سعيد زوجة أدونيس، أو نهال كمال زوجة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، إلا أن شهرة أزواجهن غطت عليهن، ومنهن من بقين في الظل بمحض إرادتهن، ومنهن من خرجن من الباب الخلفي للحياة بصمت، أو توفاهن الله. عبلة والأخريات قصة متكررة لنساء جعلن النجاح ممكنا لأزواجهن بتفانيهن الذي غالبا ما يتجاهله الجميع، العمل اليومي، إدارة شؤون البيت، قراءة نصوصهم، إدارة مواعيدهم، تسخير علاقاتهن لبناء شبكة إعلامية لهم، إن أي نجاح يتطلب نظاما صارما يلتزم به أحد الطرفين في العلاقة الزوجية، ليتفرغ الطرف الآخر لإبداعه، بإمكاننا تسمية ذلك بالرعاية الكاملة، التي حظي بها البعض، ومن سوء حظ البعض الآخر أنهم لم يحظوا بها، فصعب عليهم تسلق السلم إلى القمة.
في الغرب ألقي الضوء على عدد كبير من زوجات المبدعين والمفكرين والسياسيين والعلماء، وأكتشف أن دور المرأة كان يكبر شيئا فشيئا متجاوزا «شغل البيت» إلى إدارة كل أمور الزوج، منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، على مدى قرنين تقريبا ظلّ هذا التناغم في العلاقات الزوجية بين الحياة الفكرية والمنزلية، لكن لا شيء يظل على حاله، باقتراب نهاية القرن العشرين، لم تعد المرأة تتحمّل هذا الدور، كون الحياة نفسها تغيرت، وأصبح من الضروري أن تهتم بكيانها وتبرز قدراتها وتسعى لتألقها رافضة أن تعيش في الظل.
صعب مقاومة إغواءات الأضواء، فهل يمكن قراءة ظهور الزوجات بعد وفاة أزواجهن تعويضا لغيابهن القسري في حضور أزواجهن؟ لماذا فضلن الصمت؟ لماذا تكلّمن متأخرات؟

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية