تتفاعل فنانة الكاريكاتير منى بن هيبة مع مجموعة من المواضيع ذات المنحى الإشكالي، والبعد التعبيري. فهي بأعمالها الإبداعية الراقية، تؤكد فنيا قدرتها الفائقة في توظيف الصورة الكاريكاتيرية التعبيرية بانعكاسات مختلفة، إذ تستهدف التكوين والأداء التعبيري، بما يحمله فن الكاريكاتير من تحريف للمعالم لتمرير المفاهيم والأفكار والرؤى شكلا ومضمونا.
تتجه بن هيبة بهذا الفن البصري نحو بعث القيم الفنية والجمالية، من خلال مشاهد تعبيرية تروم صياغة المفهوم التعبيري، وفق أشكال خارجة عن المألوف، لتبلور الفكرة بقدر ما توظفه من تقنيات تخترق بها النطاقين الحسي والبصري، لتجسد كل مقومات الفن الكاريكاتيري بمختلف المضامين، التي تنفذ إلى الأعماق، والتي تتضمن القيم الفنية والإنسانية، حيث تتبدى أعمالها بؤرة موضوعية محكمة البناء ومتواصلة التعبير في تسلسل منطقي، ونمو مطرد يقود إلى فهم ماهية العمل الذي يتم نقله إلى شكل غير عادي، يجهز على عناصر الواقع ذاته، فيؤدي إلى إخضاع المادة إلى التصورات الدقيقة، التي تكشف عما تضمره الملامح والأشكال المحرفة، وما تدخره من محمولات تعبيرية ومضامين متنوعة وأشكال جمالية، تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة، وفقا لما يتم تحريفه بدقة عميقة، وعناية فائقة في مساحات مختلفة.

فالمبدعة توظف عالما من الإشارات والتماثليات والمؤشرات التي تنسج جملة من العلائق بين الدوال والمدلولات، فتقارب بين المبنى والمعنى، وترصد في أدائها الفني التعبيري الوشائج القويمة بين الإشارة والمواضيع، وفق المرجعيات المنبثقة من الواقع، فكل المفردات الواقعية حاضرة في أشكال محرفة ذات أدوات قوية وصريحة في التعبير، لتكتسي أعمالها الطابع الرمزي والدلالي، الذي يمكّنها من تمثيل مفردات المضامين التي تشتغل عليها، وفق لمسة فنية تحريفية تُحدث تأثيرا وإثارة، مع إبراز الجانب الجمالي من خلال الخروج عن منطق الرسم، في ارتباط وثيق بالمكونات المعرفية التي تؤطر هذا الفن من كل جوانبه، وحيثما تظهر خصوصية الوعي في فكرة العمل، التي تحضُر في أعمالها الإبداعية؛ إذ تؤسسها على البعد التقني والجمالي، عن طريق الإنجاز والمعالجة بطرق تعبيرية ذات مبالغات مفتعلة، لتأدية المعنى وتحريك الأفكار المبطنة تضمينا، فتعمل المبدعة بوعي تام بالمؤثرات الفنية، وبدرجات لونية تتناسب والمظهرية المختلفة التي ترغب في تمريرها. إنه أسلوب متأسس على قاعدة حيادية لها دور كبير في تثبيت المنحى التعبيري وترشيد المنحى الجمالي، الذي يرصد عدة سمات في أعمالها الكاريكاتيرية، التي تنطوي على الجدية والجرأة الكافية في الطرح وإيجاد الإيحائية المناسبة، التي تنبني على التوازن وعلى الخصوصيات الفنية المرتبطة بالكاريكاتير.
وهي تسخر لذلك مختلف الإمكانات التي تفي بالغرض الفني البصري الكاريكاتيري من اعتماد البساطة في التعبير، والتوظيف المحكم، لتحرف المادة الفنية إلى إبداع بلاغي، يخدم الرؤية المرتبطة بالمضامين، لتطرح عددا من الأسئلة عبر عمليات التأثير من خلال الأشكال والرسومات المحرفة، والرمزية التي تندرج في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية، وفي علاقة ترسخ جانبا من التداخل بين العناصر المنفصلة كافة، بكل ما تحمله الإشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب الكاريكاتيري، بأسلوب مؤطَّر فنيا وتقنيا، يفسح المجال لتوظيف تضاريس فنية غير عادية، حيث تتبدى الموهبة بارزة، ما يخدم الأهداف ذات الدلالات العميقة.
إن تشكيل أعمال كاريكاتيرية بكل ما تحتويه من ما ورائيات وإشارات وإيحاءات لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية، حيث تعمد المبدعة إلى تحريف الأشكال، وصياغة محتوى الرسوم في حلة فنية مغايرة، تحتوي جهازا تعبيريا، محملا بدلالات جديدة، تجعله منفصما عن الواقع، لكنه يوجه إليه رسائل متعددة الأشكال والألوان والمضامين، لأن خصوصية المادة تتمثل في قوة اختراق الواقع عبر تقنيات تغيير الملامح، وتحريف الأشكال وإعطاء المادة الفنية خصوصية رمزية مباشرة تنبلج من كل العناصر والمفردات التي تحيط بالكاريكاتير، لينزاح عن المعتاد ويغوص في التعبير، وفق طقوس مليئة بالانزياحات والتحريفات الشكلية. وبذلك، فإن المبدعة ترسي مقومات العمل الكاريكاتيري المبني على خصائص فنية وجمالية وتعبيرية، وعلى طقوس رمزية تفاعلية، تؤشر إلى أن الفنانة منى بن هيبة تتوفر على مقدرة عالية ومهارات كبيرة للتفاعل بوعي واحترافية مع العمل الفني الكاريكاتيري الراقي في شكله المعاصر.
كاتب مغربي