ذاك الرجل العصامي… ماذا هو في حقيقته؟

حجم الخط
0

لا يحتاج ذلك الرجل إلى أن يكون له اسم. أولاً لأنه هو من يتكلّم ويروي، على الدوام ومن دون أن يقاطعه أحد. وإذ يتعرّض للمساءلة، أو للمحاكمة، فإنه هو مَن يحاسِب نفسه ويسائلها، ثم إنه لا يحتاج إلى اسم يتحدّد به، لأنه شخص عادي، أيُّ شخص عادي، أي أنه واحد من البشر لا يتميّز عنهم بشيء. إن كان له أن يصرّ على فرادته فلن يقول أكثر من أنه واحد من الموظفين الجادّين والعصاميين. وهو بدأ يعدّ نفسه لهذا الدور منذ طفولته، من أيام ما كان مُجِدّا في المدرسة. وحين توظّف حارسا مؤقتا في سكّة الحديد، لم يكن هناك نصب عينيه إلا أن يتدرّج ليبلغ الوظائف الأعلى، هناك في سكة الحديد لا في منشأة سواها. ولم يطل به الوقت عاملا في محطة القطار حتى نُقل إلى محطّة أكبر. وهناك تعرّف على من ستصير امرأته: ابنة مدير المحطّة. كان ذلك غراما عاديا، مشوبا بـ«المصلحة». لكن الرجل العادي لم يكن يعلم ذلك إلا حين ترّقّيه بالوظيفة، حيث صار مدير محطةّ هي أكبر من تلك التي يديرها الشخص الطيّب، والد زوجته. فقط عندها صار يتساءل عن ذلك القيد الذي أُحكم حول يديه والتفّ على عنقه، بعد أن ملّ السعادة التي حظي بها من زواجه بدأ يعي أن زوجته المحبّة تتحكّم به من خلال النظام الذي صنعته، حتى لو تأكّد له أن كل شيء يدور حول شخصه؛ حتى إن كان هو الآمر الذي يرفع حاجبيه، ساخطا ومتعجّبا إن وجد حذاءه مركونا في غير مكانه المخصّص.

كارِل شابِك

كانت زوجته مرتبة النظام الذي شاءه لحياته، مع أنه يعلم أنه شذّ عما شاءه لحياته مرّات، لكن من دون أن يصل بذلك إلى ارتكاب المعصية. من ذلك مثلا أنه داعب فتاة لا تليق بمستواه، وكان ينفرد بها في حظيرة للكلاب وسخة تطلع منها روائح بشعة.. ومن ذلك أيضا أنه استُدرج لكتابة الشعر، إلخ. ولم يكن يفكّر في ما يفعل ولماذا، مثله مثل أيّ فتى أو شاب عادي يتوزّع مجرّبا ممكنات يظن أنها متاحة له. ثم إنه، مع انزلاقه إلى تلك الاستثناءات، ظلّ محتفظا بعصاميته. وها هو الآن، بعد بلوغه عمر السبعين، وصار قريبا من الموت، يفاجأ بأن هناك من يشكّك في طمأنينته حيال ماضيه. أما مُسائله ودافعه إلى ذاك الشكّ فلا أحد آخر إلا هو نفسه، أو ذاته الأخرى، وقد داهمه فجأة ذلك الوعي المتأخّر لكونه لم يكن ذلك العصامي المنضبط في حياته كما كان يظن نفسه.
استغرق ذلك الحوار الذاتي صفحات النصف الثاني من الكتاب، تراوح فيه رجلنا العادي بين استنكاره لما يُوجّه له من دلائل على أنه لم يكن الشخص الذي عمل كل حياته ليكونه. نصف الكتاب الثاني هو تعليق على نصفه الأوّل. فيه تُستعاد الأحداث العابرة، التي مرّت عرَضا في الحياة، مؤوَّلة هذه المرّة ومردودة إلى نوازع حقيقية وعميقة في داخله. يقول له مُسائله إنه كان يمكن لحياته أن تذهب في أيّ من الميول أو الانحرافات التي جنحت به رغبته نحوها، أو يحاول إقناعه بأنه يمكن أن تكون كل تلك الرغبات مجتمعة فيه، فيكون هو الوصولي والشاعر والرومانسي والجبان، إضافة إلى الرجل المستقيم الذي يظنه لنفسه.
كل الأحداث التي جرت في نصف الرواية الأوّل تُستعاد مؤوَّلةً مقلَّبة على كل وجوهها. النصف الثاني هو النصّ النقدي أو الفلسفي، وإن كانت فكرته عن ازدحام النوازع في الشخصية الواحدة، قد سبقت إلى التداول والشيوع (كتبت الرواية في الثلاثينيات من القرن العشرين). ربما كان قصد الكاتب من روايته هو مناهضة الاتجاه الروائي نحو جعل الشخصيات سائرة في اتجاه متسلسل ومنطقي، وهذا ما يحكم جميع الأعمال الروائية.. أما سقوط أبطال هذه الروايا فإنما يأتي غالبا من تغيّر واحد في شخصيات أبطالها، من نزوع كان كامنا فبزَغ، أو مخبّأ ثم حان وقت ظهوره.
بطل التشيكي كارِل شابك يحمل كل التغيّرات الممكنة، بسبب كثرتها، لا تأخذه إلى مصير تراجيدي. سيموت في عمر الموت، مسلّما أمره لحتمية ما سيأتي به الروتين والعادة، وليس القدر، لذلك لا نهاية للرواية، أعني لا نهاية روائية لها ما دام «بطلها» مسلّما بذلك الحتم وقابلا به.

ـ رواية «حياة شخص عادي» للتشيكي كارِل شابِك نقلها إلى العربية عصام نور الدين وصدرت عن دار نلسون في 247 صفحة

روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية