مصر على أعتاب 2015 الأسئلة الغائبة والمسكوت عنه

حجم الخط
3

في جولة طوافي على الصحف المصرية عشية العام الجديد، أقرأ الأخبار وأطالع مقالات الكتاب.. لم ولن أتوقف عند الأفاقين الذين يطـــبلون للرئيــــس والنظام (وكل نظام في حقيقة الأمر) لأن هؤلاء معروفةٌ مواقفهم ومن السهل التنبؤ بها، إذ لا تعدو السخرية من شتى المطالب المشروعة، التي نزل الناس من أجلها إلى الشارع، وتخوين كل من دعا أو شـــارك في موجات الحراك الثوري المصري، ومن ثم المزايدة على النظام في بطشه والمطالبة بالمزيد، منددين ومعرضين بالأيدي المرتعشة.
لكن القلة الغيورة ممن يتسمون برجاحة العقل والدراية والرؤية السياسية، ممن ساهموا بشرف في الثورة، قرأت بتركيز ما كتبوا، وقد تناول بعضهم توقعاته في العام الجديد.
قرأت كثيراً ودققت في ثنايا الكلام ولم أجد ما كنت أبحث عنه، فهم تطرقوا إلى النصائح والرؤى لكيفية هندسة تلاقي النظام بالقوى السياسية، وسبل تحسين الأوضاع الاقتصادية، ولم يضِر أن يحللوا تلك العلاقة التي يرونها ناشئة بين مصر والصين، التي فيما يبدو يعولون عليها لإنقاذنا من الخراب الاقتصادي. للأمانة لقد كتبوا كثيراً إلا أنني لم أستطع الهرب من الشعور بأنهم لم يقولوا ما يريدون، أو ما كان يجب أن يقولوا. وجدت الغياب والمسكوت عنه، وبعد شعورٍ أولي بالخيبة تصالحت بعض الشيء مع ذلك، حيث تذكرت أننا ورثة ثقافة الرواية الرسمية والسردية الواحدة والحزب الواحد محتكر الحقيقة والمذهب الواحد والزعيم الواحد، حيث شتى الفرق الأخرى روافض وخوارج ومبتدعون أصحاب أفكارٍ ضالة، لذا لن تكون المرة الأولى التي يكون التاريخ الحقيقي مسكوتاً عنه.
وراء الكلام المكتوب المنمق قلقٌ وخوفٌ.. وثمة إقرارٌ بالإحباط، إلا أنه بالطبع غير مصرحٍ به. فحين يتحدث أحدهم عن محاولة التلاقي بين السلطة والقوى السياسية التي يصفها بالضعف ويصمها بالتشذرم (وهي كذلك بالفعل) فما ذلك سوى اعترافٍ بأن الميزان مختلٌ بين الدولة، ممثلة في الرئيس والمنظومة الأمنية الاستخبارية والبيروقراطية، وبين تلك القوى السياسية التي يرثى لحالها الكافر، هذا بفرض وجود ذلك الميزان من الأساس.. وإن شئنا الدقة فأقوالٌ وتعليقاتٌ كتلك تعد بمثابةٍ تسول واستعطافٍ مستحٍ من هؤلاء الكتاب ذوي الوزن، بأن لا تطبق الدولة بثقلها كاتمة أنفاس المجال العام، الذي يجاهد للتنفس والبقاء بعدما يقارب الستين سنة من حله، بل وسحقه؛ ولعل ذلك يقودنا إلى ما يتسلط على هؤلاء الكتاب وعلى المهتمين الصادقين بالشأن العام (وعليّ شخصياً) من أسباب القلق والخوف، وفي هذا السياق حدث ولا حرج!
بدايةً، هنالك خشيةٌ عميقة من استمرار حالة العدم السياسي، جراء اعتماد القبضة الأمنية الفظة في التعامل مع شتى القوى السياسية الناشئة، ما قد يعتبرها النظام غير مقبولة، خاصــــةً أنه لا يفوّت فرصةً إلا ويؤكد تكوينه وانحيازاته المحافظة، ولا أبالغ إذ أقول إن كثيرين (إن لم يكن الجميع) باتوا يدركون أن الدولة في طور ترميمها لهياكلها الأمنية بتفـــويضٍ من قطـــاعاتٍ شعبيةٍ واسعة تم إرضاعها سردية «مؤامرة 25 يناير التي جلبت الخراب» لم تتوان عن تضييق مجال الحريات العامة، الأمر الذي قد يمهد الطريق للمزيد من الصدامات والقلاقل.
وفي المقابل فهم مشفقون أيضاً من ردود الفعل التي قد تضعف من وضع «الدولة» التي يؤمن الكثيرون بها إيماناً شبه غيبي، كما يخشون الفشل الاقتصادي… يخشون على تماسك الكيان المصري في ضوء الإرهاب الذي ينتقص من سيطرة الدولة وهيبتها في الداخل والأطراف وسيناء بالاخص، بالإضافة إلى ما نراه جميعاً من تحلل الكيانات القومية المحيطة بمصر، كالعراق وسوريا وليبيا بما لذلك من تأثير على مصر.
يرون اللاعبين الإقليميين يعبثون في مقدرات مصر عن بعد، بأموالهم التي يغدقونها على التنظيمات الإرهابية التي تزعزع الاستقرار، ولا يملكون سوى الشعور بالإهانة على مصر العظيمة بتاريخها وإنجازاتها وقدراتها الكامنة ومكانتها.
الأسئلة الكبيرة والمهمة والوجودية غائبة، مسكوتٌ عنها كما أسلفت… نوعٌ من الخوف من البوح بها لما يمثل ذلك من اعترافٍ بتعثر التغيير الثوري، إذ بم تصف المطالبة بالإصلاحات وتلبية الوعود سوى بالتسول والإقرار الضمني بأن التغيير الثوري الذي يتخطى الواقع بضربةٍ قاضية قد غُدر به، الأكيد، أن هؤلاء الكتاب اليقظين والكثير من المتابعين عن كثب، محبطون على أعتاب العام الجديد، يرون خيط أحلامهم في مجتمعٍ مختلفٍ نوعياً تسوده قيم الحرية وواقعٌ عادل يهرب منهم بعيداً في الأفق كالسراب، يشــــاهدون إعادة ترســـيخ أعمدة دولة مبارك الأمنية بانحيازاتها الاجتماعية والاقتصادية، بكل ما يعني ذلك من تنصلٍ من المسؤوليات تجاه الجمهور، الذي صـــبر طويلاً وضحـــى كثيراً، وقمعٍ وكبتٍ للحريات الديمقراطية، وبغض النظر عما يرونه من «نوايا طيبة» للإصلاح والتحديث في الرئيس السيسي، فهم مدركون أن شعبيته تتآكل في غيبة تحسنٍ ملموسٍ في الأوضاع الاقتصادية مهما استتب الأمن على الأرض.
حصادٌ هزيلٌ لـ2014…أقولها بمنتهى المرارة… المكاسب مؤجلة والقمع حاضر… لكن الأسئلة الوجودية الكبيرة مازالت مطروحة تحدق فينا كوديان العدم السوداء، وتحاشي طرحها لن يلغيها…
ليس لديّ أدنى شك في أن 2015 سيكون عاماً حافلاً…غاية ما هنالك أنني أتمنى لشعوبنا عاماً بلا قمع ولا اعتقال ولا قتل…عاما من التحرر والانطلاق والأمان والعدالة…عاما من تخطي الطائفية وقتلها…عاما لا نموت فيه لتزداد ثروات بضعة أسر متحدرة من عصور التخلف القبلي…عاما نبدأ فيه تاريخنا من جديد..

٭كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية