رغم أنني أزور مصر هذه المرة في إجازة مستحقة إلا أنني، وبحكم عادة جرت لسنوات، لا أستطيع إلا أن اكتب من وحي واقع معقد مختلط حابله بنابله، ولاعلاقة له بالصورة المخلة في سطحيتها، التي يحاول البعض ترويجها، سواء عبر الإعلام المحلي الموالي للنظام، أو الخارجي المناهض له.
وكعهدي منذ زمن المخلوع مبارك، أجدني أميل إلى الحدة والغضب في انتقاد النظام عندما أكتب من داخل مصر، ربما في رد غريزي على محاولات لم تتوقف لتكميم الأفواه، وتضامنا مع أولئك الذين يدفعون ثمن رفضهم أن يغردوا في السرب.
وهذه قراءة واقعية أرجو ألا يغيب عنها الإنصاف والموضوعية لهذا المشهد الملتبس والقائم على فلسفة من تداخل المتناقضات وتعايشها:
أولا – ثمة احساس عام يمكن أن تلمسه عند كثير من المصريين بتحسن الحالة الأمنية، خاصة من ناحية مواجهة الهجمات الإرهابية في الفترة الأخيرة، ما استتبع نوعا من الاسترخاء المجتمعي، بعد حالة من الاستنفارعاشتها البلاد منذ 2011. إلا ان الكثيرين مازالوا يشكون تقصيرا فادحا في أداء الشرطة بسبب انحيازها الى «الأمن السياسي» على حساب «الأمن المجتمعي». ويشير فحوى القصص التي يتداولها المصريون إلى أن الشرطة تحضر متأخرة، أو لا تحضر اصلا الى موقع جريمة تخص الأمن العام، بل يتعين على الضحية أن يذهب بنفسه إلى قسم الشرطة ليسجل الجريمة في محضر رسمي، إذا تمكن من ذلك، ثم قد يطلب منه أن يجد بنفسه خبير بصمات في حوادث السرقة على سبيل المثال، ثم يصطحبه الى موقع الحادث (..) ليقوم برفعها. أما في حال مجرد الشك في إمكانية حصول هجوم إرهابي او تجمع لعناصر من الإخوان، فإن بلاغا عبر الهاتف يكفي لتتحرك قوة مشتركة من الشرطة والقوات الخاصة وخبراء المفرقعات إلى الموقع خلال دقائق معدودة. ومن القصص المتداولة ان الأهالي ألقوا القبض على سائق باص حكومي دهس فتاة في إحدى ضواحي القاهرة، واتصلوا بالشرطة لتستلمه منهم، إلا انها لم تحضر لساعات، وفي النهاية قام أحدهم بالابلاغ عن وجود تجمع إخواني في الموقع نفسه، فاذا بسيارات الشرطة والقوات الخاصة تصل خلال دقائق، وعندما اكتشفوا الخدعة كانوا حريصين على معرفة هوية صاحب البلاغ الكاذب أكثر من اهتمامهم بالقبض على السائق، ثم غادروا بعد ان اتصلوا بقسم الشرطة المحلي ليتولى القضية.
ويكرس هذا التقصير الأمني، فشلا سياسيا، يتحمل مسؤوليته الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا، واحتياجا متفاقما إلى إعادة هيكلة جهاز الشرطة مع إعادة تأهيل أفرادها، بما يحقق التوازن بين مواجهة ضرورية للإرهاب، وحماية حقوق الإنسان، والوفاء بالواجبات الأساسية في حماية أمن المجتمع وليس أمن النظام فقط.
ثانيا- إن تعامل النظام مع قضية التسريبات المزعومة يشكل إهانة لحق الشعب في معرفة الحقيقة، وتهديدا للأساس الشرعي الذي بنى عليه تدخله لإطاحة حكم الإخوان، بما يكشفه من تغول سياسي للمؤسسة العسكرية، في تقويض مباشر لمصداقية مبدأ الفصل بين السلطات. وثمة أسباب عديدة يمكن أن تفسر عدم استفادة مناهضي النظام من التسريبات رغم خطورتها، بينها عدم وجود بديل متماسك للحكم الحالي بعد الانتهاء العملي للإخوان وتيار الإسلام السياسي كخيار ممكن في ظل حالة من الثأر والتربص، بل والغضب الشعبي قلصت من مظاهرات الجماعة واحتجاجاتها.
ومن شأن عدم تحرك النظام للدفاع عن مصداقيته في هذه القضية، تقويض الثقة في أي أحكام قضائية تصدر بخصوص جماعة الإخوان، أو قضايا الارهاب بشكل عام، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. أما الأسوأ فهو أن الكثير من المصريين الذي شاركوا في ثورتي يناير ويونيو، اكتشفوا بما لا يدع مجالا للشك، أن النظام الحالي عازم على اتباع النهج السياسي نفسه الذي اعتمده حكم المخلوع مبارك لسنوات عديدة، في انتكاسة خطيرة لمبادئ الثورة وخيانة لأرواح الشهداء.
ثالثا- تحت عنوان السعي إلى منع «تسلل الإخوان إلى البرلمان المقبل» تبدو جلية رغبة النظام في الهيمنة على اختيار المرشحين في الانتخابات المرتقب اجراؤها في شهر مارس المقبل. ومن أجل تحقيق هذا الهدف قرر النظام ان يستعين بعدد كبير من اعضاء الحزب الوطني المنحل، الذين يملكون خبرة كبيرة في الاقصاء والتزييف، عبر شراء الأصوات و»تقفيل الدوائر»، مراهنا على أن اولئك مستعدون دائما لتحويل انتمائهم من عهد الى اخر، تبعا لمصالحهم، إلا انه رهان لا يخلو من مخاطرة، بتقوية معسكر الفلول سياسيا وإعلاميا، ما قد يؤدي الى استفزاز شعبي واسع يكلف النظام ثمنا باهظا. وللاسف فان كثيرين يتوقعون من الان ان البرلمان المقبل الذي يفترض ان يعبر عن روح الثورة، ويلتزم مبادئها، قد يكون اقرب ما يكون الى برلمان 2010 الاخير في عهد مبارك، وهو الذي أسهم في اشعال ثورة يناير. وتعكس حالة الفوضى والتشرذم والسيولة التي تميز الساحة السياسية الغياب الفادح للرؤية السياسية للنظام، غير القادر او غير الراغب في وجود حراك سياسي حقيقي او احزاب قوية، وهو ما يخدم اجندته في الاستمرار بالتفرد في الهيمنة على السلطة بعد انتخاب البرلمان.
رابعا: يكشف صمت النخبة الإعلامية والسياسية عما سبق عن حالة مزرية من التواطؤ لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، عبر الحصول على «مكافآت» تتمثل في برامج تلفزيونية او «اجتماعات رئاسية»، أو دعم يضمن الحصول على مقاعد برلمانية، في خيانة لروح الثورة التي يفترض ان بعضهم كان من المدافعين عنها. والنتيجة صورة قبيحة من التكالب على الغنائم، والتعتيم والافتئات على الحق المقدس للجمهور في المعرفة، والافتقار الى أي رأي أو رؤية مخالفة او منتقدة لحالة من هيمنة الفوضى والشمولية السياسية والاعلامية وغياب الرؤية وعودة ملامح الدولة الامنية.
وأخيرا فقد حان الوقت للقيادة السياسية ان تتحرك لإنهاء هذا الارتباك في إدارة الدفة، تفاديا لتعاظم شعور عام بعجز الدولة عن إثبات وجودها او استعادة هيبتها، وهو ما يفقد النظام أسباب وجوده وشرعيته بالنسبة للكثيرين. اما استمرار العمل بأسلوب الحملات الانتخابية والإعلامية بدلا من الحكم الفعلي فيفتح المجال أمام خيارات صعبة، حتى في ظل صعوبة اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، لاسباب عديدة يضيق المجال عن شرحها.
٭ كاتب مصري
خالد الشامي