بغداد-»القدس العربي»: يتابع العراقيون بحيرة وقلق، الأخبار اليومية عن وقوع المزيد من العمليات الإرهابية التي يواصل تنظيم «داعش» تنفيذها كل يوم في أنحاء متفرقة من الأراضي العراقية، وذلك رغم كل الإجراءات والإعلانات الحكومية، عن حملات الملاحقة لعناصره سواء بحملات تفتيش المناطق أو شن الغارات أو إلقاء القبض على المزيد من الخلايا النائمة. وتتنوع الأعمال الإرهابية لعناصر تنظيم «داعش» حاليا وتمتد على مساحات واسعة من المحافظات التي كانت تحت سيطرته، مثل الموصل والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك.
وتعتمد عناصر التنظيم، على تكتيك الكر والفر في التحرك، وخاصة ليلا، في المناطق النائية والبعيدة عن القوات الأمنية الحكومية، من أجل قيام مجاميع متحركة من عناصره، بشن هجمات على النقاط الأمنية المتفرقة على الطرق الخارجية، أو القرى في الجبال والوديان البعيدة.
وفي محافظة ديالى شرق العراق، التي لا يمر فيها يوم واحد، من دون عمليات تنظيم «داعش» تقع خروقات أمنية كبيرة، كان آخرها عملية الهجوم الواسع في منطقة البو بكر قبل أيام والتي أسفرت عن مقتل وإصابة 7عناصر أغلبهم من الحشد العشائري في معركة كبيرة اضطر الحشد الشعبي فيها إلى إرسال تعزيزات لصد هجوم «داعش» وانقاذ القوة المحاصرة.
وأكد لواء 30 في الحشد الشعبي في محافظة ديالى، إن الخروقات الأمنية تحدث في المحافظة منذ ست سنوات باستمرار، بين فترة وأخرى وهدفها زعزعة الأمن، مدعيا ان «زعزعة الأمن هي خطط سياسية أمريكية، تكثر كلما اقترب موعد الانتخابات».
ويعد المثلث بين كركوك وديالى وصلاح الدين، مناطق تحرك تنظيم «داعش» الحيوية، وتضم الكثير من أوكاره، التي يستخدمها عناصره للتحرك فيها وما حولها، رغم عشرات حملات المطاردة والتفتيش لتلك المناطق التي تتميز بالاتساع والوعورة.
أما مناطق صلاح الدين، فإنها تشهد أعمالا إرهابية وهجمات مستمرة للتنظيم على النقاط الأمنية ودوريات القوات الأمنية والمواطنين، وخاصة في المناطق النائية والمعزولة قرب تكريت وسامراء.
وهو الأسلوب نفسه الذي تتبعه عناصره في هجماتها على مناطق حزام بغداد مثل الطارمية والمشاهدة، وكذلك في مناطق نينوى.
أسلوب الاغتيالات
إضافة إلى اعتماد التنظيم على القناصين ضد عناصر القوات الأمنية، فهو يلجأ لأجل زرع الخوف لدى سكان المناطق النائية، ولإحراج السلطات، إلى خطف وقتل بعض المواطنين الذين يرفضون التعاون معه أو لا يدفعون الأموال له أو يتعاونون مع السلطات الأمنية.
وذكرت المصادر الأمنية، بأن كمال شفيق معجون الجبوري، أحد أبرز مشايخ مناطق جنوب بغداد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة من قبل مجاميع إرهابية مسلحة في ساعة متأخرة من الليل في منطقة البيجية جنوبي بغداد ألحقت به إصابات خطيرة نقل على إثرها إلى إحدى المستشفيات. ويُعد الشيخ كمال واحدا من أبرز القادة القبليين السنة المناهضين لتنظيم «داعش» حيث خاض ضد التنظيم المتشدد معارك عديدة ضمن منطقته.
كما أفادت المصادر الأمنية في ديالى، بقيام عناصر «داعش» بقتل مزارع وابنه بعد ساعات من اختطافهما في قضاء المقدادية 45 كم شمال شرق بعقوبة مركز ديالى، حيث أقدمت عناصر التنظيم على اختطاف المزارع وابنه في قرية شوك الريم، وإعدامهما قرب أحد المبازل الزراعية في أطراف نائية، وذلك لرفضهما التعاون مع عناصر التنظيم ورفض تواجدهم واختباءهم في المناطق الزراعية.
حرب الكهرباء أسلوب جديد لداعش
ومع استمرار قيام تنظيم «داعش» باستهداف البنية التحتية في العديد من المحافظات، من أجل تحدي السلطات وإلحاق الأضرار بمصالح المواطنين، فقد تزايدت هذه الأيام عمليات تفجير أبراج نقل الطاقة الكهربائية بالتزامن مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة.
رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، أكد في اجتماع المجلس الوزاري الأمني، إنّ «هناك استهدافات متكررة ومقصودة لأبراج الطاقة الكهربائية في عدد من المحافظات، تؤثر في ساعات تزويد المناطق بالطاقة وتفاقم من معاناة المواطنين». ووجه قيادات العمليات والأجهزة الاستخبارية لـ»معالجة استهدافات أبراج الطاقة وحمايتها، وملاحقة الجماعات الإجرامية» التي تنفذها.
وضمن إجراءات الحكومة، كشفت وزارة الداخلية العراقية، عن خطط لاستخدام طائرات مسيرة لحماية خطوط نقل الطاقة الكهربائية، مشيرة إلى أن «هناك تفاوضا مع شركات صينية بهذا الصدد». وأشارت إلى أنه «سيتم توقيع عقد لجلب طائرات مسيرة لحماية الحدود وحماية خطوط الكهرباء والمنتجات النفطية».
وبعد تصاعد تركيز الهجمات الإرهابية على خطوط نقل الطاقة الكهربائية بين المحافظات، مؤخرا، وما تسببه من تعطيل للحياة والمشاريع، دعت المحافظات الحكومة إلى حماية خطوط نقل الكهرباء.
وفي هذا السياق وجهت محافظة صلاح الدين عدة نداءات استغاثة لوزارة الكهرباء والحكومة بسبب الانعدام شبه التام لإمدادات الكهرباء في جميع الوحدات الإدارية، مؤكدةً ان نسبة التجهيز لا تتجاوز 10 في المئة، فيما دعا النائب عن محافظة صلاح الدين، جاسم الجبارة، إلى تنسيق أمني بين وزارة الكهرباء والوزارات الأمنية لمواجهة «حرب» تفجير أبراج نقل الطاقة، التي أصبحت حديث الشارع في المحافظات المحررة. وتساءل الجبارة، وهو عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، عن «أسباب واحتمالات استهداف أبراج الطاقة التي تثير استغراب الشارع المحلي فيما إذا كانت عملاً إرهابياً أم تخريبياً تقف وراءه جهات مستفيدة» واصفا حرب الكهرباء، بـ»انها مأساة مزمنة في صلاح الدين من دون حلول منذ 15 عاما على الرغم من المطالب والمناشدات».
فعاليات القوات الأمنية
وتستمر القوات المسلحة العراقية بمختلف صنوفها (جيش، وشرطة، ومكافحة الإرهاب، والحشد الشعبي) في الإعلان يوميا عن نتائج فعالياتها في ملاحقة عناصر تنظيم «داعش» في كافة المحافظات العراقية. مع تركيز الحكومة على إتباع المبدأ الاستباقي والعمل الاستخباري لكشف ومواجهة عمليات التنظيم.
ففي العاصمة العراقية بغداد، أصدرت محكمة جنايات الكرخ، حكما بالإعدام بحق ثلاثة عشر مدانا بجريمة انتماءهم إلى تنظيم «داعش» حيث اعترفوا بعزمهم على القيام بعمليات إرهابية في شهر رمضان من عام 2019. كما تمكنت قوة من الشرطة الاتحادية وبناءً على معلومات استخبارية من إلقاء القبض على متهم (وفق المادة 4/1 إرهاب) في منطقة حي الجامعة، إضافة إلى إلقاء القبض على ثلاثة آخرين متورطين بالإرهاب في مناطق مختلفة.
وفي محافظة صلاح الدين شمال بغداد، أعلنت الشرطة الاتحادية، القبض على اثنين من الإرهابيين، من المطلوبين قضائياً وفق أحكام المادة 4 (إرهاب) في منطقة النهرين بناحية الضلوعية بمحافظة صلاح الدين، حيث تمت العملية بعد توفر معلومات حولهما، وهما شقيقان منتميان للجماعات الإرهابية ومن المنفذين لعدد من العمليات التي استهدفت القوات الأمنية. كما اعلنت خلية الإعلام الأمني، القبض على أحد الإرهابيين في قضاء بلد بصلاح الدين. فيما أعلنت مديرية مكافحة المتفجرات في المحافظة، عن معالجة مخلفات حربية تركتها المجاميع الإرهابية، بعد العثور عليها.
وفي نينوى تواصل السلطات الأمنية، الإعلان عن القبض على مزيد من عناصر تنظيم «داعش» في المحافظة ممن يتخفون ضمن السكان، وآخرها إلقاء القبض على عنصرين من التنظيم في حي الانتصار بمدينة الموصل، كانا يعملان بصفة مقاتلين فيما يسمى «ديوان الجند» خلال فترة سيطرة «داعش» على مدينة الموصل، كما ألقت القبض على شخص آخر متورط في العمل مع «داعش».
أما في الأنبار، فقد أعلنت خلية الإعلام الأمني الحكومية، العثور على وكرين أحدهما تابع إلى ما يسمى ولاية شمالي بغداد في صحراء النباعي، والآخر تابع إلى ولاية الفلوجة ضمن صحراء الكرمة، حيث كانت عناصر عصابات «داعش» الإرهابية تتخذهما مكاناً للاختباء، ولانطلاق عملياتهم. وقد عثرت مفارز الاستخبارات، في داخل الوكرين على عبوات ناسفة وعتاد سلاح (بي كي سي) ومواد أخرى من أغذية ومعدات، مشيرة إلى أنه تم هدم الوكرين بالتنسيق مع الجهد الهندسي. كما أعلنت خلية الإعلام الأمني، ضبط عبوات وأدوات تفجير في ناحية الريحانة بقضاء عنه في الأنبار، إضافة إلى مداهمة قوة من الاستخبارات العسكرية، مخبأ يضم محطة لاسلكية للتنظيم جنوب قضاء الرطبة في محافظة الأنبار.
وفي كركوك ذكرت خلية الإعلام الأمني، أن قوات الأمن هناك ألقت القبض على 7 مطلوبين وفق المادة 4 /1 إرهاب، بينهم مطلوبان خطران عملا فيما يسمى المفارز الأمنية للتنظيم، فيما تمكنت من تدمير وكرين وضبط مجموعة من الأعتدة المختلفة، كما انفجرت عبوة ناسفة عند أحد جسور المدينة من دون وقوع خسائر بشرية.
القلق الدولي
والحقيقة ان تنامي فعاليات تنظيم «داعش» في العراق واتساعها وعجز كل الجهود الأمنية للحد منها، يسبب قلقا دوليا ومخاوف من تداعيات أمنية خطيرة على الأوضاع في العراق والمنطقة. وقد انعكس ذلك القلق من خلال زيادة التنسيق بين التحالف الدولي لمحاربة «داعش» والقوات الأمنية العراقية، عبر زيادة التعاون الأمني وتبادل المعلومات عن تحركات التنظيم وتقديم الأسلحة والمعدات للجيش وقوات مكافحة الإرهاب.
ويلاحظ وجود توجه أمريكي وأوروبي، لتعاون مميز مع حكومة الإقليم وتقديم الدعم للقوات الكردية (البيشمركه) حيث قامت الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، بتقديم مساعدات مالية وعسكرية وخبراء ومستشارين، لدعم قدرات البيشمركه في مواجهة تنامي عمليات «داعش» وخاصة في المناطق المتنازع عليها بين حكومتي بغداد وأربيل، والتي تعد مسرحا نشطا لتحركات عناصر التنظيم والإرهابيين.
ومن غير المستبعد، ان القلق الدولي حول أوضاع العراق، كان أحد أسباب تريث واشنطن في إنهاء «تفويض استخدام القوة في العراق» بسبب استمرار مخاطر «داعش» والفصائل، حيث أرجأت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي تصويتا كان مفترضا إجراءه على إلغاء تفويض ممنوح للرئيس منذ نحو 20 سنة باستخدام القوة العسكرية، والذي سمح بالحرب على العراق، وذلك بعد دعوات من الجمهوريين للتأجيل لحين إجراء مزيد من المشاورات مع مسؤولين دبلوماسيين ومسؤولي الأمن القومي لدراسة أثر تلك الخطوة.
كما قامت بريطانيا مؤخرا بارسال حاملة الطائرات «إليزابيث» التي تقود أكبر قوة بحرية وجوية تحت القيادة البريطانية، إلى المنطقة ضمن عملية عسكرية مباشرة لها ضد تنظيم «داعش» حسب المصادر البريطانية، حيث شاركت الطائرات البريطانية المنطلقة من حاملة الطائرات إلى جانب الطائرات الأمريكية في الهجمات على مواقع مسلحي تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق.
وبالنسبة لدور حلف الناتو في دعم حكومة بغداد عسكريا، أكدت حكومتا بغداد وأربيل، حرصهما على التعاون المشترك مع الحلف، وتأكيد أهمية «استمرار العلاقة الجيدة والاستراتيجية» معه.
ولا ريب ان استمرار فعاليات تنظيم «داعش» في العراق واتساعها على رقعة واسعة من البلد، وفشل كل الإجراءات الحكومية في إنهاء هذه الظاهرة رغم توفر الدعم الدولي، يدعو إلى القلق من تنامي قدرات التنظيم واستمرار المخاطر الناتجة عنها، وتأثيرها على استقرار الأوضاع الأمنية والأحداث المهمة في البلد ومنها الانتخابات النيابية القريبة.