الخيار النووي ليس للبيع ورفع العقوبات يخدم مصالح إيران والمستثمرين الأجانب

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

خلال ثلاث سنوات من الوقوع تحت طائلة العقوبات الاقتصادية وسياسة «الضغوط القصوى» لم تمت إيران جوعا، ولم تتعرض لأضرار شديدة بسببها كما حدث في فنزويلا. الأكثر من ذلك أن البرنامج النووي الإيراني الذي كان هدف تلك العقوبات والضغوط لم يتوقف، بل ان نسبة تخصيب اليورانيوم تضاعفت 12 مرة، كما تضاعفت مرات كمية اليورانيوم المخصب، وأعداد أجهزة الطرد المركزي، ومكونات البنية الأساسية المادية والبشرية العاملة في خدمة البرنامج النووي كافة. هذا التقدم الذي أحرزته إيران جاء على حساب الفائض الاقتصادي والتنمية في القطاعات غير العسكرية وغير النووية، وعلى حساب الفقراء وذوي الدخل المحدود، حيث نجحت الدولة والمؤسسات الاقتصادية القابضة فيما يمكن أن نطلق عليه «نقل عبء العقوبات» إلى «المستضعفين».
وعلى الرغم من العقوبات وتداعيات انتشار فيروس كورونا، فإن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن إيران ستحقق هذا العام معدلا للنمو يزيد عن 3 في المئة، بعد انكماش كبير خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بسبب العقوبات وجائحة كورونا، وأن قيمة الناتج المحلي ستصل إلى حوالي 683 مليار دولار، أي ما يعادل ضعف قيمة الناتج المحلي لمصر تقريبا، في حين سيرتفع نصيب الفرد من الناتج إلى أكثر من 8 آلاف دولار سنويا، أي ما يعادل ضعف نصيب الفرد في الأردن. ولهذا فإن فتح السوق الإيرانية للاستثمار الأجنبي، ودمجها في السوق العالمية يعتبر واحدا من طموحات قيادات البنوك وشركات الاستثمار العالمية، باعتبارها سوقا واعدة في كل المجالات، من تجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية، إلى بناء المرافق الضخمة في قطاعات المياه والكهرباء والسكك الحديد والموانئ والمطارات.
ويمثل رفع العقوبات الاقتصادية البوابة الرئيسية التي يمكن من خلالها فتح السوق الإيرانية على العالم، وإصلاح ما تعرضت له من أضرار ظهرت في بعض المتغيرات الكلية مثل توزيع الدخل، حيث تضاعفت نسبة المواطنين تحت خط الفقر ثلاث مرات تقريبا من 7 إلى 20 في المئة، وارتفع التضخم بنسبة 48 في المئة، وخسر الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته الشرائية، وهي أمور أدت جميعا إلى تدهور مستويات المعيشة للطبقات الاجتماعية الأفقر، ولفئات المستضعفين البعيدين عن مؤسسات السلطة الفعلية وأصحاب الدخل الثابت، كما تعرضت الأسواق لارتفاع في أسعار السلع الغذائية يفوق غيرها من السلع. ومن ثم فإن رفع العقوبات أصبح يمثل مصلحة مشتركة لصناع السياسة في إيران وللشركات والمستثمرين الأجانب.

الدور الاقتصادي للحرس الثوري

ولا شك في أن الضربة الكبرى التي تعرضت لها قطاعات النفط والغاز والتمويل والنقل الجوي والبحري والتجارة، بسبب العقوبات تركت أثرها على الاقتصاد ككل. لكن إيران استطاعت مواجهة ذلك بسلسلة من الإجراءات لتقليل أثر الضربة، بإنشاء شبكة مضادة للعقوبات بالتعاون مع الدول الصديقة والمجاورة، يتم من خلالها التحايل على تسوية المعاملات بالدولار، والعودة إلى أساليب تقليدية مثل تجارة المقايضة، وإدارة عمليات النقل الخارجي من خلال أطراف ثالثة، بما يساعد على إدارة الاقتصاد بأقل قدر ممكن من الإضرار. وقد ساعد على نجاح ذلك بنية الاقتصاد الإيراني التي تخضع لهيمنة مؤسسات الحرس الثوري، والبيوت المالية للمرجعيات الدينية التي يتم تمويلها بواسطة «الأخماس» وهي النسبة من الدخل التي تذهب إلى «المُقَلدين» بما في ذلك المرشد الأعلى نفسه، وسيطرة مؤسسات الدولة على قطاعي النفط والغاز، ووجود شبكة واسعة من رجال الأعمال والشركات الصغيرة وجدت أن بقاءها يرتبط بتوثيق علاقتها مع مؤسسات النظام القائم.
ويلعب الحرس الثوري الإيراني حاليا دور المؤسسة الأقوى عسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ويمثل عمليا العمود الفقري للنظام القائم ومصدر السلطة الحقيقية. ونظرا لأن الحرس الثوري نجح في نقل عبء العقوبات إلى المواطنين، من خلال ما يسمى بـ «اقتصاد المقاومة» وتعظيم القيمة المعنوية والايديولوجية للتضحيات المادية، فإنه استفاد كثيرا خلال السنوات الأخيرة من التوسع تحت مبررات الصمود والمقاومة، حيث استحوذ على النسبة الأعظم من عقود المقاولات والتجارة وإقامة المرافق الأساسية بما فيها المطارات والموانئ وإدارتها، من خلال مجموعات الأعمال المتنوعة النشاط المرتبطة به، وأهمها مؤسسة «خاتم الأنبياء» التي تشكل اخطبوطا اقتصاديا، وتسيطر مع غيرها من المؤسسات الشقيقة على ما يقرب من ثلث الاقتصاد الإيراني.

مرونة الخطاب السياسي

في أول مؤتمر صحافي عقده الرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي بعد إعلان فوزه بالرئاسة، حاول بكل الطرق التقليل من أهمية الاتفاق النووي، بالتأكيد على أن إيران لم تهدف أبدا إلى امتلاك سلاح نووي، كما قلل من شأن الخلافات الإقليمية مع السعودية، مرددا ما قاله جواد ظريف بشأن إمكان استئناف العلاقات الدبلوماسية معها بين يوم وليلة. وهو في ذلك يعرف أن الكلمة في أمور المفاوضات بشأن شروط الالتزام بالاتفاق النووي هي للمرشد الأعلى وليست لغيره.
لكن رئيسي لا يستطيع أن يتجاهل الاعتراف بأن تحقيق أولويات سياسته الداخلية، من حيث بناء الاقتصاد، وتحسين ظروف المعيشة، يرتبط ارتباطا مباشرا بإلغاء العقوبات الاقتصادية تماما أو تعليقها. ويتم في طهران حاليا إعادة تقييم جولات المفاوضات الست التي جرت بطريق غير مباشر مع الولايات المتحدة في فيينا، من أجل اتخاذ قرار، ربما يجعل الجولة السابعة هي المحطة الأخيرة للمفاوضات، يتم بعدها توقيع اتفاق يحقق لكل من إيران والولايات المتحدة ما تسعى إليها كل منهما، بضمان عدم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق مرة ثانية، والالتزام الكامل ببنوده من جانب إيران. لكن كلا من الطرفين يعرف ان عودة العمل بالاتفاق ما هو إلا خطوة على طريق إعادة صياغته، لضمان ألا تمتلك إيران سلاحا نوويا في الأجل المنظور، وهو ما لا تختلف عليه دول الاتفاق ومعها إسرائيل والسعودية من الخارج.

الخيار النووي ليس للبيع

لكن إيران التي استطاعت الصمود خلال السنوات الماضية، تعرف أن المفاوضات الجارية في فيينا تضع خيارها النووي في مفترق طرق، بين أن يستمر رغم الثمن الذي يتحمله الاقتصاد، أو أن يتوقف ويتبخر، كما حدث للعراق وسوريا وليبيا ومصر. ويعتقد كثيرون في إيران، ومنهم قيادات الحرس الثوري، أن الخيار النووي ليس للبيع، وأن الأمة قادرة على التضحية. ومع ذلك فإن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية لا يمانع في استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة، بحثا عن مخرج من المأزق الذي وقعت فيه واشنطن بسبب قرار دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق في ايار/مايو 2018.
جوزيف بايدن الذي يتولى قيادة الولايات المتحدة من البيت الأبيض، ومعه عدد كبير من السياسيين والخبراء، يعتقد أن سياسة ترامب في مواجهة إيران فشلت، وتسببت في زيادة قدراتها النووية، بدون أن يؤدي ذلك إلى تغيير سياسي في إيران. ومن ثم فإن هناك اتفاقا غير مكتوب بين صانعي القرار في كل من واشنطن وطهران على إنجاح مفاوضات فيينا، وهو ما يتطلب من كل منهما إبداء قدر من المرونة، وتحمل مقدار من الثمن. وفي مقابل تأجيل أو ابطاء البرنامج النووي الإيراني فإن طهران تطلب ثمنا كاملا، بينما واشنطن تعرض جزءا من الثمن، على أن يتم تقسيط الباقي تدريجيا وبالترابط مع خطوات محددة تتخذها إيران لإثبات التزامها بالاتفاق.

الأرصدة واليورانيوم عالي التخصيب

وهناك أمثلة عملية تبين صعوبة التوصل إلى حلول لبعض المشاكل على أساس معيار واحد، مثل معيار الربط الزمني بين رفع العقوبات وبين التزام إيران الكامل ببنود الاتفاق. من ذلك على سبيل المثال قضية فك تجميد الأرصدة المالية الإيرانية المستحقة لها فعلا في بنوك دول مثل العراق والولايات المتحدة وكوريا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، والتي تقدر بأكثر من 20 مليار دولار. وقد عرضت الولايات المتحدة السماح بالإفراج عن عدة مليارات أولا، على أن يتم التدرج بعد ذلك في الإفراج عن دفعات أخرى. لكن إيران تطالب بإعلان إنهاء تجميد الأرصدة كمبدأ، والسماح لها فورا بالسحب منها كما تشاء، على غرار الاتفاق الذي وقعته مع كوريا الجنوبية. ولم يتم الاتفاق حتى الآن على كيفية التعامل مع الأرصدة المجمدة، وهي واحدة من المسائل الشائكة في المفاوضات.
مثال آخر على صعوبة حل بعض المسائل التفاوضية العالقة، هو كيفية التصرف في الكميات الزائدة في المخزون الحالي لدى إيران من اليورانيوم المخصب فوق النسبة التي يسمح بها الاتفاق النووي الأصلي. وكانت روسيا قد لعبت دورا مهما في تسوية هذه الجزئية في الاتفاق الاصلي عام 2015 وتولت مسؤولية مراقبة المخزون مع الوكالة العالمية للطاقة الذرية، وتصريف جزء منه للاستخدام المحلي في محطة بوشهر للطاقة النووية، والمساعدة على تصريف الفائض غير القانوني في أماكن مختلفة. الآن لدى إيران كمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة تقرب من 7 كيلوغرامات، وكمية أخرى من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة تقترب من 110 كيلوغرامات، وليس في الإمكان تصريف هذا الكمية إضافة إلى بقية المخزون من اليورانيوم المخصب فوق نسبة 5 في المئة بين يوم وليلة، وربما يحتاج الأمر إلى سنوات للتخلص من المخزون غير القانوني من اليورانيوم المخصب، وهو ما يجعل إيران رهينة لاستمرار العقوبات، حتى يتم بيع أو تصريف اليورانيوم غير القانوني في السوق العالمية، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا ومعهد اليورانيوم في لندن. ولم يتوصل الطرفان بعد إلى حل حتى نهاية الجولة السادسة من المفاوضات.
ويبدو حتى الآن أن الرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي لا يرغب في أن يلقي بنفسه في أتون المفاوضات الجارية، ويفضل أن تنجزها حكومة حسن روحاني، حتى إذا تعقدت الأمور بعد ذلك، جعل من روحاني الشماعة التي يعلق عليها النتائج السلبية للاتفاق، وبرر بها عجزه عن إدارة الاقتصاد. وقد أعدت الأجهزة الاقتصادية الرئيسية في إيران خططا طموحة للانطلاق الاقتصادي بعد إلغاء العقوبات الأمريكية. ومن أهم مكونات هذه الخطط رفع إنتاج النفط إلى ما يتجاوز 6 ملايين برميل يوميا، وتطوير حقل فارس الجنوبي للغاز أكبر حقول الغاز في العالم، والتخلص من أزمة السيولة بالسحب من الأرصدة الخارجية بعد فك تجميدها، والتوسع في تطوير الجهاز الإنتاجي الصناعي، بما في ذلك برنامج إنتاج الأدوية واللقاحات، وتوسيع شبكات المرافق الأساسية، وتطوير المطارات وخطوط الطيران والنقل البحري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية