الاغتراب والتشظي في «شوارع» المغربي محمد الشايب

يعد العمل الإبداعي وعيا جماليا يبرز للوجود مدى تفرُّد الإنسان وتميُّزه عن غيره، إذ يتعامل المبدع مع الكون تعاملا متميزا، وينظر إليه نظرة سامية تختلف عن نظرة الإنسان العادي. فليس الكون، في العملية الإبداعية، هو ذلك الفضاء الرَّحب الذي تتحرك فيه الأجسام الآدمية، وتتحقق المآرب والأغراض المادية، بل هو تجلّ لسمو الكائنات وعظمة الخالق. فكيف يتداخل الواقع والحلم في المجموعة القصصية الموسومة بـ»الشوارع» للقاص محمد الشايب؟ للإجابة عن هذا السؤال نفترض أن لغة الحلم تتميز بالقدرة على تمثيل الأشياء وتصويرها، في الفن القصصي، تصويرا خياليا عن طريق التمازج بين التجربة الداخلية والتجارب الخارجية للإنسان عامة. الأمر الذي يجعل القصة المغربية المعاصرة توحي بعوالم إيحائية ورمزية، تتألَّف من عناصر مستخلصة من تجربة المبدع للعالم الواقعي.

ملامح التقاطع بين الواقع والحلم

تنتظم قصص محمد الشايب في عتبة العنوان «الشوارع» الذي يدل على الطريق والسياحة والسفر والرحلة. ولعل أهمَّ مفتاح لكل هذه الموضوعات هو مفتاحُ الذات، الذات التي تبحث عن المجهول والمفقود، من خلال رصدِ حركة الجسد والروح؛ أي التجوال. وما يعزز هذا الطرح هو عناوين القصص التي اختارها القاص لمجموعته القصصية، شارع الحرية وشارع الغريب ثم شوارع الليل. يقول السارد في أول قصة «شارع الحرية»: «لا أيتها البعيدة، البعيدة بكل المعاني، والمعاجم، واللغات.. لا أتزود بزاد، ولا يقاسمني وحشةَ الطريق رفيق.. الشارع شوارع، وأنا تائهٌ في أمواجه المتلاطِمة». تفصح ذات المبدع عن نفسها من خلال الواقع الذي يئن من ألم العبودية، رغبة منها في طلب البعيد (الحرية) إغراءٌ خفي تمارسه سلسلةُ احتمالات تَعِدُ بها الأمكنةُ والأحداثُ التي تُعَدُّ مغامرةً للذات، إذ نجد القاص يحلم بترسيخ الحرية في السوق، وفي الملعب، وفي محطات الأسفار، وقرب المساجد والأضرحة، ما يدل على التقاطع بين الواقع والحلم، وهذا ما يميز شوارع محمد الشايب، إذ تتضح بجلاء هذه الواقعية، من خلال توظيف الشخصيات التي تمتح من فضاء البادية وواقعها الحرفي، مثل: قدور بائع الحلزون، وعلال بائع الإسفنج، وصفية بائعة الرغيف والحرشة، وميمي بائعة الهوى، وخدوج أم العروس طامو، والعريس عبد القادر العامل في ضيعة العنب. فضلا عن المنظومة المعجمية التالية: شارع عابس لا يبتسم، شارع مريض، شوارع الليل، شوارع الجنون، شارع مجنون. فالإنسان حينما يحب واقعا ما، فهذا يعني أن ذلك الواقع يشكل روحا أو مبدأ حيويا، يعود به إلى ماض سحيق وقديم جدا، حيث الواقع يشكل، في الآن ذاته، ذكرى من الذكريات. بيد أن الذات لا تسافر في عالم الأحلام عارية متجرِّدة، بل تصحب معها مرجعياتِها التي تبحث بواسطتها عن القيم. يقول السارد: «سافرت مزودا بزاد الدهشة في طرقات البدء والمنتهى، أطللت على فصولي الأولى، وظللت أقرأ سطور أيامي».

تشي لغة المقطع السردي بالتداخل بين الواقع والحلم؛ أي الحلم بديلا لليقظة، ولعل هذا الأمر يكشف بجلاء الرغبة الجامحة في استشراف غد مشرق يقطع مع الشعور بالاغتراب والتشظي، الذي تستشعره الذات في ظل الواقع الذي يجسّد واقعا تسوده ظلمة حالكة سادت جميع الحقول والميادين.

تشي لغة المقطع السردي بالتداخل بين الواقع والحلم؛ أي الحلم بديلا لليقظة، ولعل هذا الأمر يكشف بجلاء الرغبة الجامحة في استشراف غد مشرق يقطع مع الشعور بالاغتراب والتشظي، الذي تستشعره الذات في ظل الواقع الذي يجسّد واقعا تسوده ظلمة حالكة سادت جميع الحقول والميادين.
وما دمنا تحدثنا عن الذات منظورا إليها من حيث مخزونُها التراثي من القيم، خليق بنا أن نشير في سياق آخر إلى ما تشكله معايشة الواقع. يقول السّارد أثناء تجواله في ساحة المسافرين في مدينة القنيطرة، حين شاهد أحد المتخاصمين ينزع ثيابه ويصرخ: «هاذ القنيطرة، خواوها مريكان والفرنسيس وعمرها لعروبية وجبالة». يتضح أن المبدع يُفْصِحُ بجلاء عن قبح الواقع ودمامته، مسلطا الضوء على حياة المشرَّدين والمجرمين. «بعدوا لهيه اشماكرية». نستشف أن القاص يكتب عن قاع المدينة الاجتماعي، مركزا على حيوات الهامشيين والمهمَّشين في الحياة، وهذا ما يظهر في قول السارد: «أشياء كثيرة تجري في الخفاء، أمواج هادرة لا تراها الأعين، ولا تسمعها الآذان، ما خفي في الساحة أعظم، هي ساحة المسافرين، هي ساحة المجانين، هي ساحة العشاق، هي ساحة المشرَّدين، هي ساحة كلِّ ألوانِ الفقر، هي ساحة كلِّ شوارع الَّتيه».
ورد عند غاستون باشلار أن هناك أغنية عميقة تشدُّ الإنسان إلى الطبيعة، ولهذا نجد القاص محمد الشايب يتخطى الواقع المزري ليحلم بعالم رحب تشع فيه القيم الجمالية الإيجابية، التي يصبو إلى تحقيقها. لنقرأ في القصة الأخيرة الموسومة بعنوان «محاولة هروب» المقطع الآتي: «ابتسمتْ، فأطل هلال خصب، وجرى شبق مجنون، وتدفقت ينابيعُ مغرية، وقصفت طبول، وهبت أنغام، وهطلت أمطار، ابتلعتني عواصف اللذة، وجرفتني سيول المتعة». ولعل هذا السمو بمرادفاته وبمستوياته المتعددة، أسهم في تعميق النزعة الفوقية، التي يستشعرها المتلقي في هذا المنجز السردي المتميز. من هنا يبدو أن هروب القاص من الواقع وحلمَه بتنزيل القيم النبيلة، يتقاطع مع رؤية العالم عند الفلاسفة، إذ منّى الإنسان النَّفْسَ منذ القدم بمدينة فاضلة تُنْهِي التاريخ، وتُتَوِّج نهايتَه بانتصار عادل، يجعل من العالم المرغوب نقيضا كليا لعوالم الإنسان المثقلة بألوان الحيف والاضطهاد التي لا تنقضي. وهنا نستحضر حلم أفلاطون بمدينة مثالية يقودها الفلاسفةُ في القرن الرابع قبل الميلاد. ومن ثمة، فإن الإبداع ذريعةٌ جماليةٌ لمنح تأشيرةِ البوح والتعبير، بوساطة الحلم دون خوفٍ ورهبة، إذ الرحلة في شوارع الإبداع توتر وجودي، يخرج الذات من رحم ما تألفه إلى فضاء الاحتمالات اللامتناهية. وتبعا لهذا كله نجد المبدعَ «يشتاق إلى حِضْنٍ دافئ يلوذ إليه هربا من التعاسة، وإلى استراحة ينعم فيها بنوم عميق».
إن التجوال في هذه الشوارع، التي نسج خيوطها القاص محمد الشايب، يعد رحلةً في المكان من خلال المقروء ورحلةً في المكان من خلال المشاهدة التي تمثل ثنائيةً تعيها الذات وتعيشها، إما لذةً أو حسرةً أو سؤالا. ومن هنا يتضح التقاطع والتعالق بين الواقع والحلم، إذ أن الذات تَفْحَصُ شكل التطابق بين صورةٍ جميلة في الحلم، وصورةٍ قاتمة يجسدها الواقع المعيش، حتى أن الذات تخشى على بريق الصورة المُشَكَّلَة في الحلم. ومن هنا نستشف أن شوارع محمد الشايب هي بحث مُضْنٍ عن ماهية الذات، وأن حركةَ النص لا تسير إلا في الذات.. الذات التي تصبح مجالا يكتشفه القارئ ويسافر فيه. تُفْصِحُ الذات عن نفسها من خلال لغتها وعبر الوجه البلاغي الذي تحكي به علاقتها بالعالم والأشياء والقيم. وأثناء بحثه عن القيم المفقودة يجابه القاص جملةً من العراقيل التي توضحها الصورة التالية: «عبس الشارع في وجهه، وابتسمت أشجاره، صفعته صفحات، وشَمِله عطف كتب».
إذا، يتضح بجلاء أن حركية المجموعة القصصية «الشوارع» تتوزع على عالمين اثنين: أولهما عالم الواقع وما فيه من وحدة واغتراب، والثاني عالم الحلم وما تضمنه من حرية وانطلاق. ومن ثمة، نستطيع القول إن المجموعة القصصية «الشوارع» مكون إبداعي/ تخييلي غير محدود، وزمانه أيضا لانهائي، تنتفي فيه كل الأبعاد، وتتجسد فيه الرؤية الممتدة إلى ما لا نهاية. وإجمالا نجد لغة «الشوارع» طاقةً حافلةً بالحياة والحركة والإيقاع والإيحاء، تستمد قوتها من كونها تتجاوز العادي المألوف، لتستبق الزمن المباشر بكثافتها الرؤيوية وأبعادها الجديدة.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية