المؤرخ الأمريكي الشهير هوارد زين يتحدث عن الحدود القصوي للإمبراطورية:
هتلر وموسوليني رحلا وبقيت العسكرة والعنصرية.. والحرب حل سريع مثل المخدر الذي يخفي الألم9/11 بداية انهيار الامبراطورية الامريكية.. والانسحاب من العراق سيكون خطوة اولي لتقزيم امريكاالمؤرخ الأمريكي الشهير هوارد زين يتحدث عن الحدود القصوي للإمبراطورية:ترجمة: حمد العيسيہيعتبر هوارد زين أهم مؤرخ يساري أمريكي علي الإطلاق. كما يُعد مع نعوم تشومسكي من أبرز مفكري اليسار ونشطاء حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية. ولد زين عام 1922 في بروكلين، نيويورك، لأبوين مهاجرين يهوديين من الطبقة الكادحة. عمل في شبابه في حوض لتصليح السفن، ثم شارك في الحرب العالمية الثانية. شكّلت مشاركته في الحرب بداية وعيه السياسي الذي عُرف عنه فيما بعد. حصل علي الدكتواره في التاريخ من جامعة كولومبيا عام 1958، وعمل في التدريس منذ ذلك الحين. أصدر عام 1980 كتابه الكلاسيكي غير المسبوق تاريخ شعب الولايات المتحدة: 1492 ـ الآن الذي روي فيه تاريخ أمريكا ـ لأول مرة ـ من وجهة نظر المحرومين والمستضعفين. نجح الكتاب الضخم ـ الذي يقع في 768 صفحة ـ نجاحاً ساحقاً، وأصبح من أكثر الكتب مبيعاً. قال ملحق مراجعة الكتب في جريدة النيويورك تايمز عن الكتاب المؤرخون سيعتبرونه ـ بحق ـ خطوة في اتجاه نسخة معدّلة ومتماسكة من التاريخ الأمريكي . أعيد طبع الكتاب مرات عديدة، وفي ربيع عام 2003، أقيم احتفال خاص بمناسبة بيع النسخة رقم مليون منه. يقول زين عن الحياد في كتابة التاريخ في عالم يمضي في طرق محددة سابقاً، حيث الثروة والقوة محددة سلفاً، الحياد يعني قبول الأشياء كما هي عليه الآن. إنه عالم من المصالح المتضاربة ـ حرب ضد سلام، وطنيّة ضد عالميّة، عدالة ضد جشع، وديمقراطيّة ضد نخبويّة ـ ويبدو لي الأمر أنه من المستحيل وأيضاً غير المرغوب فيه أن تكون محايداً في هذه النزاعات. أنا لا أدعي أنني محايد.. ولا أريد أن أكون كذلك. أنا أحاول أن أكون عادلاً بطرح الأفكار المتضادة وعرضها بدقة .ألّف زين أكثر من 20 كتاباً منها ثلاث مسرحيات، كما أُنتج عنه فيلم وثائقي بعنوان لا يمكن أن تكون محايداً في قطار منطلق . يعمل حالياً أستاذاً فخرياً في جامعة بوسطن.التقي به الصحافي توم ديسباتش في 8 ايلول (سبتمبر) 2005 وحاوره في مواضيع سياسيّة وتاريخيّة عديدة نعتقد أنها تهم القارئ العربي كثيراً. نُشر الحوار في موقع www.tomdispatch.com الذي يصفه توم بأنه يقدم مادة صحفية مضادة لـ سِم الإعلام الأمريكي السائد!الحوار:إنه طويل ونحيل وشعره أبيض كثيف. عمل كقاذف قنابل في الحرب العالمية ضد الفاشية. مناهض محنك ضد حروب أمريكا منذ ذلك الحين. اشتهر كمؤلف للكتاب غير المسبوق تاريخ شعب الولايات المتحدة ، وكخبير لأصوات المقاومة غير المتوقعة التي جعلت نفسها مسموعة عبر التاريخ. في الثالثة والثمانين، رغم أنه يبدو أصغر بعقد من الزمن، هو من نتاج قرن عاصف ولكن ليس هناك شيء من الماضي فيه. صوته هادئ، يضحك بخفوت أحياناً ساخراً من ملاحظاته. من وقت إلي آخر، إذا أعجبته فكرة، يضيء وجهه المجعد بابتسامة سعيدة.. يبدو كطفل. جلسنا إلي طاولة خلفية في مدخل مقهي صغير صباح يوم عطلة. كان أمامه كرواسان وقهوة. اقترحت عليه أن نبدأ بعد الفطور، لكنه أكد لي أنه لا يوجد تعارض بين الأكل والكلام. ولذلك، بدأت بتجهيز جهاز التسجيل. وفي هذه الأثناء، قام بإبعاد الكرواسان (التي أكل نصفها) ولم يعد إليها مطلقاً.. ثم بدأنا الحوار: توم: أنت وأنتوني أرنو، أصدرتما للتو كتاباً جديداً أصوات تاريخ شعب الولايات المتحدة” مبرزين أصوات مقاومة أمريكية منذ لحظاتنا الأولي إلي ليلة أمس. الآن، لدينا صوت مقاومة جديد ومدهش.. سيندي شيهان(1). أنا أتساءل عن رأيك فيها؟ زين: دائماً حركة الاحتجاج التي تكون قائمة ـ والحركة الحالية المناهضة للحرب بدأت قبل حرب العراق ـ تحصل علي زخم خاص.. شرارة معينة.. من عصيان شخص مفرد. أنا أفكر ـ مثلاً ـ بـ روزا باركس (2) ومعني ما فعلته. توم: هل تتذكر أشخاصا مثل سيندي شيهان من تاريخنا قادوا حركات مشابهة؟ زين: لم يكن هناك شخص واحد فقط في حركة مناهضة حرب فيتنام. ولكن عندما أفكر في الماضي البعيد.. في حركة مناهضة الرق.. فريدريك دوغلاس (3) كان شخصاً هاماً في هذا الخصوص. عندما أتي إلي الشمال، هارباً من الرق، وتكلم للمرة الأولي لمجموعة من مناهضي العبودية، بدأت حركة ضد العبودية. وليام لويد غاريسون(4) كان قد بدأ قبله، ولكن فريدريك خدم القضية بطريقة أفضل.. مظهره الدرامي.. بلاغته.. لقد كان بمثابة الشرارة في حركة تحرير العبيد. توم: أنا أعتقد أن سيندي شيهان أيضاً تمثل شيئاً لا يستطيع أي شخص آخر تمثيله، تقريباً، في الحقيقة، لا يمكن تمثيله! الجندي المقتول.. ابنها! زين: إنه شيء مثير. هناك أمهات أخريات تكلمن، لكن سيندي قررت الفعل الذي له رنين، وهو ببساطة معرفة مكان ذهاب بوش للعطلة (يضحك علي نفسه) وعمل مواجهة بين قطبي هذه الحرب: صانعها ومعارضته. لقد أوقفت سيارتها قرب مزرعة بوش وأصبحت مركز اهتمام الأمة.. مركز الثقل الذي التف حوله الناس.. مئات ومئات من الناس. توم: إدارة بوش لديها استراتيجيّة بعيدة المدي تقوم علي عدم المغامرة بوضع الرئيس بوش في أي مكان يمكن تحديه فيه.. لكن الآن، إذا لم يكن المكان في قاعدة عسكرية، أنا أشك أن يكون في مأمن من تحدي أي شخص له.. وحتي في القاعدة… زين: هل قرأت عن عمدة سالت ليك سيتي الذي تكلم أمام 2000 شخص منتقداً الرئيس هناك؟ هذا بالضبط ما بدأ يحدث في حرب فيتنام. بعد بعض الوقت، (الرئيس ليندون) جونسون و(نائب الرئيس هبرت) همفري لم يستطيعا الذهاب إلي أي مكان باستثناء القواعد العسكرية. وأري أن سيندي شيهان ليست صوتاً معتدلاً أيضاً. أقصد أنها تقول إننا يجب أن ننسحب من العراق بجرأة وقوة إلي درجة أن شخصا مناهضا للحرب مثل (كاتب النيويورك تايمز) فرانك ريتش يصف موقفها بالمتشنج! وهذا شيء فظيع، لأنه بخصوص الانسحاب، سيندي تعبر ـ كما أظن ـ عن الرغبة غير المعلنة لعدد ضخم من الناس، وهي تجرأت وقالت ما لم يتجرأ الكثير من السياسيين والصحافيين علي قوله. توم: كشخص كتب عام 1967 فيتنام: منطق الانسحاب ، كيف تقارن نقاشات منطق الانسحاب في هذه اللحظة مع تلك الأيام؟ زين: في وقت مبكر من حرب فيتنام، كان هنالك وضع لم يوجد فيه شخص واحد ناقد للحرب.. لم يكن هناك شخص مهم يدعو للانسحاب الفوري. كان الجميع يقولون كلاماً مطاطاً.. يجب أن نتفاوض.. يجب أن نتوصل إلي تسوية.. يجب أن نوقف القصف عند خط طول كذا. أعتقد أننا في موقف مشابه الآن بعد أكثر من سنتين علي غزو العراق. عندما صدر كتابي عام 1967، كان قد مضي سنتان علي التصعيد الذي حدث في بداية 1965 حيث أرسل جونسون الدفعة الأولي من قواتنا العسكرية إلي فيتنام بصورة ضخمة. وجه الشبه ـ كما أظن ـ هو النقاشات سابقاً والآن. حتي اللغة متشابهة: يجب ألا نَفِر دون إنجاز المهمة.. يجب ألا نهديهم نصراً.. يجب ألا نفقد سمعتنا في العالم. توم: المصداقية كانت هي الكلمة السحرية إذن؟ زين: نعم، بالضبط، المصداقية. سيكون هناك فوضي وحرب أهلية إذا غادرنا… توم: وحمام دماء. زين: نعم، وحمام دماء لأن الطريقة الوحيدة لتبرير كارثة هو التهديد بحدوث كارثة أعظم إذا لم تستمر الكارثة الحالية. لقد رأينا هذه الخدعة السيكولوجية مرات ومرات عديدة. لقد رأيناها ـ مثلاً ـ في حالة هيروشيما. لقد قتلنا مئات الآلاف من اليابانيين لنتجنب كارثة أعظم: قتل مليون شخص أثناء غزو اليابان!من المثير أنه عندما غادرنا اليابان فيتنام أخيراً، لم يتحقق شيء من هذه التحذيرات الرهيبة. هذا لا يعني أن الأمور كانت جيدة بعد مغادرتنا. الصينيون طردوا. وكان هناك مشكلة الفيتناميين الهاربين من الشيوعيين بواسطة القوارب، ومعسكرات إعادة التعليم، ولكن كل هذا لا يقارن بالمذابح التي ارتكبتها القوات الأمريكية عندما كانت هناك. ولذلك، أعتقد إنه من المهم أن أقول إنه بينما لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما سيحدث عندما تقوم الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق، فنحن أمام خيارين: (1) كارثة مستمرة ومؤكدة بالفوضي والعنف اللذين يحدثان في العراق اليوم، أو (2): احتمال لا نستطيع توقعه ومن الممكن أن يكون سيئاً. ولكن ما قد يكون سيئاً هو غير مؤكد. والسيء في احتلالنا هو مؤكد! الأمر يبدو لي كالتالي: إذا كنت سأختار بين الاثنين، يجب أن تخاطر بخصوص ما قد يحدث إذا أنهيت الاحتلال. في نفس الوقت، بالطبع، يجب أن تفعل كل ما تستطيع لتخفيف الآثار السيئة الناتجة عن مغادرتك. توم: أريد أن أعود قليلاً إلي سيندي شيهان، خلال سنوات حرب فيتنام الأخيرة، كان الجيش الأمريكي غير قادر ـ تقريباً ـ علي القتال. وبالرغم من وجود عائلات عسكرية مناهضة للحرب، فان المقاومة الرئيسة للحرب أتت من المجندين الجدد أنفسهم. الآن لدينا جيش يتكون بالكامل من متطوعين. نحن نعرف أن الروح المعنوية في الحضيض، وأن هناك حالات عديدة من المقاومة ـ رفض العودة إلي العراق مثلاً ـ داخل الجيش، ولكن أغلب المقاومة هذه المرة يبدو أنها تأتي من عائلات الجنود. أنا أتساءل إذا كانت هنالك سابقة تاريخية مثل هذه؟ زين: أنا لا أعرف أي حرب سابقة حدث فيها مثل هذا الشيء في الولايات المتحدة. الأقرب لهذا ـ بما ـ هو ما حدث في الحرب الأهلية، عندما تمردت زوجات الجنود لأن أزواجهن كانوا يموتون وأصحاب المزارع يربحون من بيع القطن، رافضين زراعة القمح ليأكله المدنيون. لكن في حالة الاتحاد السوفييتي، ربما يكون هناك مقارنة أقرب. الأمهات الروسيات احتججن علي الحرب في أفغانستان.. أو فيتنامهم! أنا لا أعلم مدي تأثير ذلك في قرار الانسحاب السوفييتي، ولكن من المؤكد أنه كان أمراً دراماتيكياً.كان لدينا أمهات رائعات مناهضات لحرب فيتنام، ولكنهن لسن مثل سيندي شيهان. ولأن جيشنا في العراق يتكون في الغالب من متطوعين، فإن الاحتجاج تُرك للعائلات بطريقة غير مسبوقة. أولادهم وبناتهم ليسوا تماماً في موقف يسمح لهم بالاحتجاج بسهولة، ولهذا أنا أعتقد أنه سيكون هناك المزيد من احتجاج الجنود طالما استمرت الحرب. هذا أمر حتمي. أنا أعتقد ـ وهذا أمر لا يمكن إثباته ـ أنه يوجد بالفعل في الجيش احتجاج واستياء تحت السطح أكثر مما تم الإعلان عنه.. ربما أكثر بكثير مما يمكن الإعلان عنه.عندما أحاول التفكير فيما يمكن حقًّا أن يجبر إدارة بوش علي الخروج من العراق، الشيء الوحيد الذي أفكر فيه هو عصيان في الجيش. ديفيد كورتريت (مؤلف جنود في ثورة: مقاومة المجندين خلال حرب فيتنام ) يعتقد أن بوادر تمرد بعض المجندين في فيتنام كانت عاملاً حاسماً في إخراج الولايات المتحدة أخيراً من فيتنام. توم: وماذا عن مقاومة الجيش في القمة بدلاً من القاعدة؟ إذا عدنا إلي الحرب الكورية، كان هنالك شعور بين الضباط وهو كونهم موجودين في الحرب الخطأ والمكان الخطأ والوقت الخطأ، وهذا تكرر في فيتنام. من الواضح أن قادة الجيش في العراق يعرفون منذ زمن طويل أنهم متورطون في كارثة. إنهم نفس الأشخاص الذين بدؤوا يتكلمون مؤخراً عن تقليص القوات والانسحاب بدون إذن إدارة بوش. زين: إنه تطور هام جدًّا، لأنه عندما تحدث التصدعات في القمة التي كان يُعتقد سابقاً أنها صلبة، يصبح من الصعوبة الشديدة الاستمرار في نفس الطريق. هناك مثل يمكن طرحه ـ رغم كونه ليس حربياً ـ وهو المكارثية. عندما بدأ (السناتور المناهض للشيوعية جوزف) مكارثي يطارد شخصيات هامة في إدارة (الرئيس دوايت) إيزنهاور.. عندما تعقب الجنرال جورج مارشال.. واستمر في الصعود نحو القمة في مطارداته.. انفض عنه الناس.. وهذا كان أمراً حاسماً في سقوطه. هناك سخط واضح في الرتب العليا في الجيش منذ بعض الوقت. علي سبيل المثال، الجنرال (المتقاعد أنتوني) زيني بدأ ينتقد بجرأة ووضوح منذ البداية. لبعض الوقت، كنت أشعر بالقلق للتشابه بين اسمينا (يضحك)، لكنني أشعر بالرضا الآن بعد أن تكلم بهذه الطريقة. توم: والجنرالات المتقاعدون مثله يتكلمون دائماً نيابة عن زملائهم داخل الجيش. زين: هذا صحيح. إنهم في وضع يسمح لهم بقول ما لا يستطيع الآخرون قوله. كان هناك مقاومة في الجيش في الكثير من حروبنا، ولكن حتي حرب فيتنام، لم تصل ـ بالفعل ـ إلي درجة تغيير السياسة. كان هنالك الكثير من حركات التمرد ضد واشنطن في الجيش الثوري. في الحرب المكسيكية، هرب الكثيرون من الجيش ولكن الحرب لم تتوقف. لا أستطيع أن أتذكر أي مقاومة في الجيش في الحرب العالمية الأولي. بالطبع، الولايات المتحدة دخلت الحرب لفترة قصيرة.. لسنة ونصف تقريباً. بالتأكيد الحرب العالمية الثانية كانت حالة مختلفة. هذا ما يجعل فيتنام ظاهرة تاريخية بالفعل. لقد كانت أول تجربة نشاهد فيها حركة في الجيش كان لها دور هام في تغيير سياسة الحكومة. ومن المثير للانتباه أننا خضنا حروباً قصيرة فقط منذ ذلك الحين ـ باستثناء العراق ـ وتلك الحروب صممت عن قصد لتكون قصيرة حتي لا يكون هناك وقت لقيام حركة مناهضة للحرب. في حالة العراق، أخطأوا الحسابات. الآن، أنا لا أعتقد أن السؤال هو إذا” بل متي”. متي وكيف. أنا لا أعتقد أن هناك أي مجال للشك في كون الولايات المتحدة سوف تُجبر علي الانسحاب من العراق. الأسئلة هي: كم سيستغرق ذلك؟ كم من الناس سيموتون؟ وكيف سيتم ذلك؟ توم: دعني أتحول إلي قضية أخري كتبتَ عنها في الستينيات.. جرائم الحرب. لقد كانت جرائم الحرب آخر تهمة تصل إلي الإعلام السائد في هذه السنوات.. وأول من غادرها! نحن عاصرنا جرائم عديدة بكل تأكيد في السنوات الأخيرة، من أبو غريب وغوانتانامو إلي أفغانستان. أنا أتساءل: لماذا ـ كفكرة ـ لا تعلق بذاكرة الأمريكان؟ زين: إنها تبدو عسيرة كفكرة.. جرائم حرب.. جرائم حرب.. صعبة الإمساك! هناك استعداد للقول إن القيادة مخطئة، ولكن الأمر يحتاج إلي قفزة هائلة للقول إن القيادة شريرة. للأسف، ما يزال في الثقافة الأمريكية نوع من الفكرة الملكيّة، وهي أن الرئيس وأعوانه هم أناس من فئة خاصة، وبينما يمكن أن يعملوا أخطاءً، لا يمكن أن يكونوا مجرمين! حتي بعد تحول الناس ضد حرب فيتنام، لم يكن هناك كلام بكثرة عن كون جونسون و (وزير الدفاع روبرت) مكنمارا والبقية مجرمي حرب! وأنا أعتقد أن هذا يعود إلي ثقافة أمريكية تقوم علي تقديس الرئيس ورجاله.. ويرفض الناس مجرد التفكير بما وراء هذه الثقافة! توم: كيف يمكن لما يسمي بـ الاستثنائية الحضارية الأمريكية أن يؤثر في هذا الأمر؟ زين: أنا أعتقد أن أغلبية الأمريكان الذين ناهضوا الحرب في فيتنام كانوا ـ مع ذلك ـ يعتقدون أن جوهر هذا البلد هو الصلاح. لقد بدت لهم حرب فيتنام كانحراف فردي شاذ عن الطريق السويّ. القلة فقط في حركة مناهضة الحرب استطاعوا أن يتوصلوا إلي الحقيقة ويروا الأمر كجزء من سياسة مستمرة من الإمبريالية والتوسع. أعتقد أن هذا الوضع صحيح اليوم أيضاً. إنه أمر في غاية الصعوبة أن يتخلي الأمريكان عن فكرة كونهم أمة طيبة. إنهم يرتاحون عندما يفكرون بهذه الطريقة.. يعترفون بالأخطاء لكن يعتبرونها فردية وشاذة. أنا أعتقد أننا نحتاج إلي قدر عظيم من الوعي السياسي لكي نربط نقد سياسة ما أو حرب ما إلي تقييم عام سلبي للبلد وتاريخها. إذا تحقق هذا، فإنه سيجعل الكثير من الأمريكان يعيدون النظر في نبل المقاصد الأمريكية. بالطبع، هناك أمر هام وصحيح في نفس الوقت، وهو وجود مبادئ جيدة تؤيدها الولايات المتحدة.. أو هكذا هو المفترض. ولكن المشكلة أن الناس يخلطون بين المبادئ والسياسات، وطالما استطاعوا أن يحتفظوا بهذه المبادئ في رؤوسهم، العدالة والمساواة وغيرها، فإنهم مترددون جدًّا في قبول حقيقة أنه تم انتهاك حقوقهم باتساق تام. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنني أن أشرح بها الخدعة العقلية التي تمنع الشعب الأمريكي من اعتبار الرئيس ورجاله مجرمي حرب. توم: إذا تركنا كارثة العراق جانباً، ما رأيك في بصمات إدارة بوش علي المشروع الإمبريالي الأمريكي؟ زين: أعتقد أن الإمبراطورية الأمريكية وصلت إلي حدودها القصوي في الشرق الأوسط. ولا أعتقد أن لها مستقبلا في أمريكا اللاتينية. أعتقد أنها استهلكت ما تملك من قوة هناك ونحن نري صعود حكومات لا ترغب في أن تكون عميلة للولايات المتحدة الأمريكية. قد يكون هذا واحدا من الأسباب التي تجعل من حرب العراق درساً مهماً لهذه الإدارة. فيما عدا العراق، لا يوجد مكان آخر يمكنهم الذهاب إليه. لذلك دعني أوضح الأمر كما يلي، أنا أري أن الانسحاب من العراق عندما يحدث ـ وهذا مزيج من الاعتقاد والتمني يضحك علي نفسه ـ سيكون الخطوة الأولي في تقزيم الإمبراطورية الأمريكية وعودتها إلي التخندق داخل حدودها. علي كل حال، نحن لسنا أول دولة في التاريخ تُجبر علي فعل ذلك.أود أن أقول ان ذلك سيكون بسبب المعارضة الداخلية الأمريكية، ولكن أشك جدًّا أن يكون بسبب معارضة بقية العالم لغزوات أمريكية جديدة في أماكن أخري. في المستقبل، أنا أعتقد أن 11 ايلول/ سبتمبر قد يمثل بداية انحلال الإمبراطورية الأمريكية. وهذا يعني أن ذات الحدث الذي بلور المساندة الشعبية للحرب فوريًّا، في المدي الطويل ـ وأنا لا أدري كم سيستغرق ذلك ـ قد يمثل بداية إنهاك وتفتت الإمبراطورية الأمريكية. توم: سيكون هناك مفارقة في هذا الأمر. زين: نعم، بالطبع. توم: أريد أن أتحول إلي موضوع الحرب. لقد كتبتَ أن احتمال إنهاء الحرب ليس أمراً طوباويًّا تماماً. هل تعتقد حقًّا أن الحرب يمكن أن تنتهي أم هل هي مغروسة في جيناتنا؟ زين: بالرغم من أن هناك الكثير من الأشياء غير الواضحة لي، إلا أن هناك شيئا واحدا واضحا: إنها ليست جيناتنا. كلما قرأت روايات، حتي لأشخاص ذهبوا للحرب، تقترح أن هناك شيئاً ما في العقل الذكوري يحتاج مثل هذا العنف والعسكرة، لا أصدقها. أنا أقول هذا بناءً علي تجربة تاريخية، أي إذا قارنت الحالات التي قام فيها أناس ـ رجال غالباً ـ بارتكاب جرائم عنف مدنيّة وذهبوا إلي الحرب مع أناس ارتكبوا جرائم عنف ولكن لم يذهبوا إلي الحرب، رفضوا الحرب، ستجد أن أكثرية الناس لا يريدون الحرب بطبيعتهم.قد يريدون أشياء كثيرة مرتبطة بالحرب.. القيادة.. الإثارة المتأتية من الإمساك بالسلاح وغيرها. أعتقد أن هذا يشوش علي الناس. الإثارة والقيادة يمكن أن تأتي بطرق أخري مختلفة، ولكنها تأتي من الحرب ـ بالرغم من ذلك ـ فقط إذا تم التلاعب بعقول الناس. بالنسبة لي، الحجة القوية ضد أي اندفاع نحو الحرب هو المدي الذي تضطر الحكومات أن تلجأ له لحث الشعوب للذهاب للحرب: الدعاية والتضليل الضخمان اللذان شاهدنا أمثلة لهما مؤخراً. ولا أنسي القَسر. ولذلك، أنا لا أؤيد إطلاقاً فكرة الميل الطبيعي للحرب. توم: أنت نفسك ذهبت للحرب. زين: كنت في العشرين. عملت قاذف قنابل في الفرقة الجوية الثامنة ضمن طاقم طائرة Bـ17 الذي قام ببعض العمليات الأخيرة منطلقاً من بريطانيا. لقد ذهبت كشاب راديكالي، معادٍ للفاشية، ومؤمن بهذه الحرب، ومؤمن بفكرة الحرب العادلة ضد الظلم. في نهاية الحرب، بدأت أشك في كيفية تبرير الخراب الذي فعلناه: تدمير المدن، هيروشيما وناغازاكي، القصف الذي اشتركت فيه. وبالتالي بدأت أشك في دوافع قادة الحلفاء: هل كانوا فعلاً مهتمين بخطر الفاشية؟ هل كانوا فعلا مهتمين بمصير اليهود؟ أم هل كانت حرباً من أجل إمبراطورية جديدة؟ في القوات الجوية، قابلت شاباً متأثراً بتروتسكي وقال لي: هذه حرب إمبريالية . صدمني. قلت له حسناً، أنت تحارب! لماذا أنت هنا؟ . أجاب أنا هنا لكي أتحدث مع أناس مثلك . لم يحولني إلي مذهبه، ولكنه هزني قليلاً. بعد الحرب، وبعد مرور السنوات، لم أتوقف عن تأمل الوعود التي قيل لنا أن تلك الحرب ستحققها. الجنرال جورج مارشال أرسل لي ـ وستة عشر مليون جندي آخر ـ رسالة يهنئني فيها بكسب الحرب ويخبرني كيف سيصبح العالم أفضل الآن لهذا السبب. خمسون مليون شخص قتلوا والعالم ـ حقًّا ـ لم يختلف. أنا أقصد أن هتلر وموسوليني اختفوا، وكذلك الجيش الياباني، ولكن الفاشية والعسكرة والعنصرية بقيت في كل أنحاء العالم، وبقيت كذلك الحروب. ولذلك، توصلت إلي استنتاج أن الحرب، مهما كان الحل السريع الذي تقدمه ـ هزمنا هتلر أو صدام حسين الآن ـ ومهما كان الحماس المتدفق، فإن النتيجة تكون مثل المخدرات: تشعر أولاً بالابتهاج، ومن ثم تعود إلي الخلف نحو شيء رهيب. ولذلك بدأت أعتقد أن كل الحروب، حتي الحروب ضد الشر، ببساطة لا يمكن أن تنجز أي شيء. في المدي الطويل، إنها ـ ببساطة ـ لا تحل المشكلة. وفي أثنائها تموت أعداد ضخمة من البشر.كما استنتجت أيضاً أنه إذا أخذنا في الاعتبار التقدم التكنولوجي المذهل للحرب الحديثة، فإن الحرب تكون حتماً ضد الأطفال وضد المدنيين. عندما تنظر إلي نسبة القتلي من المدنيين إلي العسكريين، إنها تتغير من 50 ـ 50 في الحرب العالمية الثانية إلي 80 ـ 20 في فيتنام، والآن ربما تصل إلي 90 ـ 10 في العراق. هل تعرف جرّاح الحرب الإيطالي جينو سترادا؟ لقد كتب الببغاءات الخضر: يوميات جرّاح حربي . لقد كان يقوم بعمليات جراحة في أفغانستان والعراق وأماكن أخري. تسعون في المائة من الناس الذين أجري لهم عمليات كانوا من المدنيين. عندما تواجه هذه الحقيقة، يجب أن تعرف أن الحرب الآن دائماً ضد المدنيين.. ولذلك ضد الأطفال. لا يوجد هدف سياسي يمكن أن يبرر ذلك، ولذلك، فإن التحدي الأعظم أمام الجنس البشري في عصرنا هو حل مشاكل الاستبداد والعدوان بدون اللجوء للحرب. (يضحك بخفوت) إنه عمل صعب ومعقد، ولكن لا بد من مواجهته، وهذا ما فعلته عندما أصبحت ناشطاً في حركات منــاهضة الحروب منذ الحرب العالمية الثانية. هوامش:(1) سيندي شيهان امرأة أمريكية بيضاء قُتل ابنها المجند في حرب العراق. (2) روزا باركس (1913 ـ 2005) امرأة سوداء من ولاية ألاباما. أمَرَها سائق باص في 1955 أن تترك مقعدها لرجل أبيض ولكنها رفضت. قُبض عليها وُحوكمت. كانت هذه الحادثة هي الشرارة التي أججت حركة الحقوق المدنية بقيادة الدكتور مارتن لوثر كينغ حتي كُتب لها النجاح بعد سنوات. نالت قبل وفاتها أرفع الأوسمة وأصبحت أسطورة في التاريخ والثقافة الأمريكية.(3) فريدريك دوغلاس (1818 ـ 1895) رجل أسود ولد في ولاية ميرلاند كعبد ولكنه هرب في العشرين إلي نيويورك وأصبح حراً. عمل كصحافي في جريدة المُحرر التي يملكها وليام لويد غاريسون وتعاونا في مناهضة العبودية. برع في الصحافة واكتسب شهرة كبيرة كخطيب بليغ ضد العبودية. تعرف علي ابراهام لينكولن وساعد في إقناعه بإصدار إعلان تحرير العبيد. يوصف بأنه مؤسس حركة الحقوق المدنية الأمريكية.(4) وليام لويد غاريسون (1805 ـ 1879) رجل أبيض ولد في ولاية ماساتشوستس واشتهر بمناهضة العبودية. أنشأ جريدة المُحرر المناهضة للرق واهتم بالإصلاح الاجتماعي. 7