فنّ الخسارة ليس صعبا إتقانه

حجم الخط
0

دون أن يُعلَّق ذلك على ذكرى، أو يرتبط بمناسبة، رجع الكاتبان في صحيفة «نيويورك تايمز» دوايت غارنر وبارول سهغار إلى مقطوعة شعرية كانت كتبتها الشاعرة الأمريكية إليزابيث بيشوب في 1976. التحقيق الذي نشره الكاتبان أقرب إلى مبحث نقدي تفصيلي للمقطوعة، أو للقصيدة، تابعا فيه نصّها، كلمة فكلمة، ليقولا إن ما يمكن أن يفترضه القارئ عارضا (مثل إدخال كلمة «أنت» في عودة مفاجئة إلى ضمير المخاطب، أو في إيراد كلمة «too» الدالة هنا على الكثرة) هو حاسم وضروريّ في الوصول إلى الشعر.
وقد لجأ الكاتبان، كما لو أنهما إزاء دراسة لأثر أركيولوجي، في قراءتهما إلى دراسة المسوّدات الأربع عشرة للمقطوعة، وقد نشرت الصحيفة الأمريكية بعضها لمساعدة الكاتبان، ولمساعدة قارئهما أيضا، على تتبّع التغييرات التي حصلت بين مسودّة وأخرى. بدا من هذه المسودات كما لو أن القصيدة كتبت 14 مرّة، وعلى مدى زمني غير قصير، علما أن سطورها لا تتعدى التسعة عشر سطرا، وهو العدد المعتاد لهذا الضرب من الشعر التقليدي المسمّى قصيدة الفيلانيت.
هذا الدأب على الرجوع إلى نص مكتوب، يبدو استثنائيا كما، من ناحية أخرى، يبدو مخالفا لما هو شائع عن الدفق الشعري وسيولته، وعن أن القصيدة تتألّف كاملة في ذهن كاتبها. فكأن الشعر هنا، مع الشاعرة إليزابيث بيشوب، يُصنع صناعة ولا يُنزّل وحيا. كما يخالف ما اعتدنا سماعه، بل وقراءته، على مدار هذه العقود الأخيرة، عن قدسية النص وعدم جواز المساس به أو حتى، في آراء مغالية، محاورته.
ما يستوقف هو نشر هذه القصيدة من دون الاضطرار لإيجاد داعٍ يجيز ذلك، لاسيما وأن المكان الذي نشرت فيه ليس من فئة المنشورات المتخصّصة بالشعر، ما يعطي مبرّرا للعودة إلى التذكير بإحدى القصائد؛ أو من فئة المنشورات القليلة التداول، وهذا ما يبقي «خطأها» إن اعتُبرت تلك المجازفة نوعا من الخطأ، محدودَ النطاق.
القصيدة نشرت في الصحيفة الأكثر شهرة في العالم، والمسلَّم لها بسبقها في الإضاءة على كل جديد، لذلك بدا مفاجئا نشر هذه القصيدة كواحد من موضوعاتها الرئيسية. إذ ليس من غاية لنشرها إلا الشعر، وليس لكون شيء من موضوع القصيدة، الشعري أو السياسي، قد عاد إلى الحدوث. لا شيء من ذلك، فقط القصيدة، منطوية على تجربة كاتبتها وكيف أنها، بالتسلسل بيتا بعد بيت، انتقلت من الكلام على ما هو عام في الخسران، إلى تجربتها الخصوصية مع صديقتها أو معشوقتها. فمن المطلع المتّسم بالحكمة «فنّ الخسارة ليس صعبا إتقانُه» إلى قولها في الخاتمة «حتى فقدي لكِ…» في ذلك الوسط المكون من أربعة مقاطع تُشركنا الشاعرة، نحن قرّاءها، في الكلام المازج بين الحِكمي والمأساوي، العادي والمهدِّد الخطر في الآن نفسه.
أما في ما خصّها، هي الشاعرة، فقد أدى تحليل الكاتبين لنصّها، إلى إخراجه كأقصوصة قصيرة لكن مفجعة النهاية. وقد ساعد في ذلك اتصال حياة الشاعرة بقصيدتها، إضافة إلى الصور الفوتوغرافية التي نُشرت بالترافق مع النص. كما أحسب أن الطريقة التي نشرت فيها القصيدة، جنبا إلى جنب، مع تحليل فقراتها وكلماتها، احتاج إلى رؤية إخراجية لم تبخل الصحيفة في العمل على تأمينها.
كنت، وأنا أقرأ القصيدة، قد بدأت أفكّر إلى أي مدى بات الشعر مبعدا ومتروكا لأمكنة النشر الأضيق. لا أعرف متى توقفّت الصحف العمومية عن نشر القصائد، مبكرة هكذا في جعل هذا الفن شيئا من بقايا الماضي. لقد أزحمت بنا الدنيا، نحن أبناء هذه البلدان، فبتنا لا نعرف ماذا نستقبل، وما هو الجديد الذي علينا انتظاره. لذلك لن تصمد عندنا قصيدة مثل هذه، صغيرة ولا أثر فيها للمزاعم الكبيرة، سواء حيال طموحها المغالي لتجديد مجتمعها أو لتجديد شعره. هنا لن تتيح الأحداث الكبيرة، والمتلاحقة، التي تدفعنا إلى التساؤل أين نحن وماذا يحدث لنا غدا، وهل تبقى هذه البلاد أم تزول؟ كيف سيصمد صوت الشعر الخافت أمام كل هذا؟
وقد فتنتني قصيدة «فنّ واحد» من أول بيت فيها، بل من أوّل جملة، حتى وجدتني موافقا على ما قدّره الكاتبان، أنها من أجمل ما كتب في فنّ الفيلانت، بما في ذلك قصيدتان من النوع نفسه، إحداهما لديلان توماس، والأخرى لسيلفيا بلاث، نشراها ضمن مقالهما هذا. لا أعرف إن كانت الترجمة ستتمكن من نقل بعض فتنتها على الأقل:
فنّ واحد
فنّ الخسارة ليس صعبا إتقانُه
ذاك لأن أشياء كثيرة ممتلئة بقابلية
أن تُفقد لأنها ليست فادحة خسارتنا لها
أنت تفقد شيئا كل يوم.. تتحمّل هفوة
تضييعك لمفتاح بيتك، تتحمّل الساعة التي مرّت سيئة عليك
فنّ الخسارة ليس صعبا إتقانه
ثم اختبر خسارة ما هو أبعد، ما هو أصعب:
الأمكنة، الأسماء، وإلى أين كنت خطّطت
لتسافر. نسيان أيّ من هذه لن يؤدّي إلى حصول كارثة
فقدت ساعة اليد التي لأمي. وأيضا، آخر… وما بعد آخر
ثلاثة بيوت أحببتها رحلت
فنّ الخسارة ليس صعبا إتقانه
فقدت مدينتين رائعتين، والأدهى أني فقدت مطارح
كنت أملكها، نهرين ومحيطا
خسرت كل ذلك، لكنها ليست كارثة
حتى فقدي لكِ (صوتكِ الممازح، إيماءاتكِ الحلوة)
ولست أكذب. من الجليّ أن إتقان فنّ الخسارة ليس صعبا للغاية
رغم أنه يمكن أن يكون (وها إني أكتبها)
أن يكون فادحا.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية