فصل من رواية «الهروب من الذاكرة» لإبراهيم عبد المجيد

حجم الخط
2

وقف أمام تلاميذ الفصل مذهولاً. كانو ثمانين تلميذاً. حين تمَّ القبض عليه كان بالفصل الدراسي ستُّون تلميذاً، ما الذي جرى في هذه السنوات الخمس حتَّى يزداد العدد هكذا؟! تذكَّر كيف كانوا يتحدَّثون عن فصول في مدارس أخرى بها مئة تلميذ ومئة وعشرون. إذنْ، ثمانون تلميذاً أمر طيِّب. وقف أمام السَّبُّورَة، وكتب عليها تاريخ اليوم، ثمَّ راح ينظر إلى التلاميذ الصغار، ويتحدَّث:
– عددكم ثمانون، وهذا ليس بالقليل، لذلك لا تُضيِّعوا وقتكم في الضجيج، ووقتي في إسكاتكم. تمام، يا أولاد؟
هتف أكثرهم «تمام، يا مِستر». وإذا بطالب يضرب آخر كفَّاً على وجهه، ويقول:
– شايف، يا أستاذ، عَمَّال يزغزغني.
أوقفهما إلى جانب الحائط، وكلٌّ منهما يرفع يدَيْه عالياً، لكنَّ طالباً آخر وقف وهتف قائلاً مشيراً إلى مَنْ يجلس جواره في التختة:
– بِيْوَرِّيني إنه معاه سجاير. خلِّيكْ شاهد، يا مِستر.
تقدَّم إلى مَنْ معه السجائر، وطلب منه أن يقف ويُخرِج ما في جيوبه. أخرج التلميذ علبة سجائر كليوباترا صغيرة، وجد مجدي بها سيجارتَيْن. مزَّق السيجارتَيْن والعلبة، ثمَّ وضعها في سلَّة مهملات جوار باب الفصل من الخارج. سأل التلميذ عن اسمه كاملاً، وكتبه في كرَّاس معه، وأعلنه أنه سيستدعي والده غداً، ليعرف أنه يُدخِّن.
ضحك التلميذ، وقال:
– يا أستاذ، بابا مش بيبطَّل يشرب حشيش في البيت.
ضحك التلاميذ، وأحسَّ هو بالضحك يكاد ينفجر منه.
وجد نفسه يفكِّر في منطقة إمبابة كلِّها، وكيف تبدو وكأنها وكر للمخدِّرات والبانجو وغير ذلك من الموادِّ المخدِّرة، وأن بعض الصيدليات تبيع الحبوب التي لا تُصرف إلَّا بأمر الطبيب، يستخدمها الشباب كمخدِّرات. إمبابة التي شهدت إمارة إسلامية عام 1992، زعيمها الشيخ جابر، والتي حاصرتْها قوَّات بوليس بالآلاف، وانتهت الإمارة الإسلامية، وانتهى الشيخ جابر، لكنْ، ظلَّت الجماعات السلفية بها في الشوراع كلِّها. إمبابة التي شهدت أبشع حالات الهجوم على الكنائس عام 2011، وبعد التخلُّص من حُكْم الاخوان عام 2013، فأحرقت الجماعات الإسلامية كنيسة العذراء في شارع الوحدة، وكنيسة مارمينا في شارع الأقصر، وغيرها في الورَّاق.
راح يهزُّ رأسه، ينفض عنها ذلك، وصار الجميع هادئين، فقال لهم:
– في الحصَّة القادمة بعد يومَيْن، سأسألكم كأنه امتحان، لكنْ، دون درجات، والضعيف فيكم يدخل إحدى مجموعات التقوية بعد إجازة نصف العام. لا داعي للدروس خارج المدرسة. لا داعي تكلّفوا أهلكم أموالاً كثيرة. أكثركم فقراء.
قالت فتاة جميلة:
– كلُّنا في مجموعات تقوية، يا مستر.
انتبه إلى أنه في الفصل فتيات. كيف لم يدرك ذلك حقَّاً؟
راح يعدُّ الفتيات، فوجدهم عشرين فتاة. إذنْ، يوجد ستُّون ولداً. لكثرة الأولاد وضجيجهم لم ينتبه إلى الفتيات، لكنْ، كيف ينسى حقَّاً أن المرحلة الابتدائية مرحلة مختلطة؟!
قال:
– اليوم سنقضيه تسلية مع بعض. سأُضحككم وتُضحكونني. ليت كلّ واحد يقول لي ما هي الأكلة التي يحبُّها. خلُّونا نتسلَّى اليوم.
أكثر الأولاد والفتيات تبادلوا النظر مبتسمين. رفع الكثيرون منهم أيديهم وأصابعهم ليختار منهم. أشار لواحد، فقال:
– الطعمية.
أشار إلى الثاني، فقال:
– الطعمية المحشية. الإسكندراني، يا مِستر.
أشار إلى الثالث، فقال:
– الجبنة النستو.
انتبه إلى أن فتاة واحدة رفعت يدها. أشار إليها، فقالت:
– البيض المقلي.
تساءل:
– لماذا لا توجد بنات رافعة يدها غير واحدة.
هتف تلميذ قائلاً:
– مش لاقيين ياكلوا، يا مِستر.
ضحك التلاميذ جميعاً تقريباً، وهو كتم ضحكه، وابتسم، ثمَّ تقدَّم بين المقاعد إلى التلميذ الذي قال ذلك، وسأله:
– ماذا يعمل باباك؟
وقف التلميذ، وقال:
– باب ميت، وأنا أعيش مع أُمِّي وزوجها. زوجها جزمجي.
ربَّت على كتفه، فقال التلميذ:
– زوجها يكسب، ودائماً يأتي لنا بأكل جميل. فراخ وحَمَام.
أشار إليه أن يجلس وهو يربِّت على كتفه، ثمَّ قال:
– طيِّب، سؤال بعيد عن الأكل. هل فيكم مَنْ يحبُّ أن يقرأ كُتُباً مثل القصص والروايات؟ الخاصَّة بالأطفال أقصد.
رفع تلميذ واحد يده. سمح له بالحديث فقال:
– أنا بابا يحبُّ قصص الرعب، وأنا أقرؤها بعده. يشتريها من الأزبكية رخيصة، وينصحني أقرؤها. بصراحة لا أُكملها، لكنْ، فقط أُريحه.
ضحك الأطفال، وتساءل هو في نفسه ما الذي جعله يسألهم حقَّاً هذا السؤال؟! تذكَّر يوم وصل إلى السجن، ووجد أكثر مَنْ معه مثقَّفين قرؤوا كثيراً من كُتُب التاريخ والاقتصاد والروايات والشِّعْر. لا بدَّ أنه يريد أن ينصح التلاميذ بالقراءة التي تفيد يوماً في ملء الفراغ. وربَّما ليتعلَّموا كيف يحلمون، فالحالم ولو في ضوء القمر يضيء له الفجر الدنيا كلّها. قال:
– ليتكم كلّكم تقرؤون كُتُب الأطفال. قصص الأطفال حلوة. ستتعوَّدون القراءة، وتحبُّونها، ويوماً بعد يوم ستقرؤون كُتُباً هامَّة في نواحي الحياة كلِّها. القراءة ستساعدكم على الفهم، وستكون المذاكرة سهلة جدَّاً. هذه نصيحتي.
وقف تلميذ، وقال:
– لكنْ، أنا، يا مِستر، أخرج من المدرسة أشتغل عند المكوجي.
وقال تلميذ آخر:
– وأنا كمان.
وقال ثالث «وأنا كمان»، فأشار للجميع بالسكوت، لأنه تخيَّل أن الفصل كلَّه سيقول ذلك. دقَّ أكثر من موبايل فجأة مع بعض التلاميذ، فقال:
– لا تردُّوا على أحد. أغلقوا الموبايلات. لن أسمح برنينها بعد ذلك.
قالت فتاة:
– لكنْ، أنا لا أحمل موبايل.
وقالت أخرى:
– ولا أنا.
وكادت الثالثة تقول ذلك، فأشار للجميع بالصمت، وسألهم:
– مَنْ معه موبايل يرفع يده؟
رفع عشرة من التلاميذ أيديهم، فقال:
– الحمد لله ليس كثيراً. أَغلِقُوها أو اجعلوها سايلنت في الفصل. مَنْ سيدقُّ موبايله سأُصادرُهُ منه.
انفجر تلميذ في البكاء فجأة، فأشار إليه زميله قائلاً:
– قبضوا على باباه منذ شهر، وإلى الآن لا يعرفون مكانه، أيضاً البوليس أخذ الموبايلات التي في البيت.
أغمض عينَيْه لحظات. تقدَّم من التلميذ الذي يبكي، وربَّت على كتفه، ثمَّ قال:
– أَلَا تعرف ماذا فعل؟
– لا شيء. اشترى «لاب توب» قبل القبض عليه بأسبوع، وكان فرحاناً جدَّاً به. أتوا في منتصف الليل، أخذوا اللاب توب، وأخذوا بابا وموبايله وموبايل ماما وموبايلي. أُمِّي تقول إن بابا عُمره ما اشتغل في السياسة. لَفِّتْ عليه أقسام البوليس كلّها، والمحامون فعلوا ذلك أيضاً، ولم يجدوه.
– مَن المحامون؟
– لا أعرف. ماما تقول إنهم متطوِّعون من جماعة حقوق الإنسان.
– ما هو عمل بابا؟
– في مكتب كومبيوتر. يكتب يعني كُتُباً للناس. اشترى اللاب توب حتَّى يكتب لهم في البيت، ويأخد فلوس أكثر. كان يقول إن المكتب يأخد نصف المكسب.
عاد يربِّت على كتفه، ويقول:
– لا تحزنْ. إن شاء الله بابا سيظهر.
وفُوجِئ بتلميذ يسأله:
– هل صحيح، يا مِستر، أن حضرتك كنت مسجون سياسي؟
ارتبك واندهش. سادت لحظة من الصمت، ثمَّ قال:
– لا داعي للحديث في هذه الأشياء. أيُّ أحد منكم له قريب مسجون لا يحكي عنه هنا. أنتم صغار على مثل هذه الأحاديث، وأنا كنت مسجون بالغلط. بس خلاص.
لكنَّ فتاة قالت:
– يقولون إن حضرتك قعدت خمس سنين في السجن.
ارتفع صوته يقول:
– خلاص. خلُّونا في الضحك. مَنْ يحبُّ يأكل السمك؟
ارتفعت أيادٍ كثيرة، لكنْ، دخل فجأة أنورالغرباوي ناظر المدرسة، فقال لهم مجدي بصوت عالٍ «قِيام». وقفوا تحية للناظر الذي اقترب منه، وقال باسماً:
– واضح أن حضرتك كنت تهزَّر معهم. سمعتَكْ تسألهم مَنْ يحبُّ يأكل السمك.
ارتبك للحظة، ثمَّ قال:
– أوَّل حصَّة أردتُها تعارف وضحك، أُطمئِنُهم أني أُحبُّهم فقط.
لكنَّ الناظر كان ينظر إلى السَّبُّورَة مندهشاً. أشار إلى التاريخ الذي كتبه عليها مجدي من قبل، وقال بصوت خفيض:
– حضرتك كاتب التاريخ الأحد 1 ديسمبر 2013 واليوم هو الثلاثاء 1 يناير 2019، يا مستر.
سكت مجدي في ذهول مدرِكاً أنه كتب تاريخ القبض عليه. مسح التاريخ بالـ «بشاورة» وابتسم مرتبكاً. كتب التاريخ الحقيقي، لكنَّ الناظر نظر في ساعته، وقال:
– الحصَّة انتهت. هيَّا بنا.
ما كان يشغل مجدي ليس ما سيقوله له الناظر، لكنْ، كيف لم ينتبه أحد من التلاميذ لهذا الخطأ!

ثلاثية «الهروب من الذاكرة» للروائي المصري ابراهيم عبد المجيد/تصدر قريبًا عن دار المتوسط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية