الصحافيات الفلسطينيات يعشن معاناة ما بعد الصدمة ويواجهن «المُعتدي» فرادا

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

تغيب الثقة بكل المؤسسات الرسمية!

رام الله-»القدس العربي»:  لم تتمالك الصحافية شذا حماد نفسها، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته «مؤسسة الحق» (في مدينة رام الله قبل أيام) حيث أجهشت بالبكاء عندما وقفت أمام الحضور لتستعيد التجربة المرة التي مرت بها أثناء تغطيتها لأحداث احتجاج المواطنين على مقتل المعارض السياسي نزار بنات.

في مؤتمر «مؤسسة الحق» قدمت مجموعة من الصحافيات الفلسطينيات شهادات عن الاعتداء الذي تعرضن له على أيدي قوات من أجهزة الأمن الفلسطينية في مدينة رام الله ومنهن: نجلاء أبو زيتون، وفيحاء خنفر، وبتول كوسا، وسجى العلمي وفاتن علوان.
بدت علامات الاعتداء على الصحافيات ماثلة للعيان، شذا حماد ندبة في الوجه بفعل قنبلة صوتية، فيحاء خنفر جبيرة في الذراع، أما بقية الصحافيات فبدت ملامح وجوههن، وصوتهن مدللا على جحم ما تعرضن له من محاولة «إحراق» لشخصياتهن ولدورهن المهني.
ورغم طبيعة الاعتداء وحالات الابتزاز والتهديد للصحافيات فقد أعتبر ظهورهن على الهواء مباشرة للحديث عما تعرضن له خطوة شجاعة للرد على أهداف وغايات المعتدين.
لم يتوقف الأمر على الاعتداء الذي تعرضت له الصحافيات في مدينة رام الله يومي السبت والأحد الموافق 26-27 حزيران/يونيو بل انعكس لاحقا على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد استغل المعتدون ومن يقف خلفهم صور الصحافيات في الميدان من أجل الابتزاز و»التحفيل» (من حفلة) بهن والإساءة إليهن، فيما اشتكت صحافيات وناشطات من انتشار صورهن الخاصة على صفحات وشبكات اجتماعية تم الحصول عليها من هواتفهن التي سرقت من رجال أمن بلباس مدني.
ويقصد بمصطلح «التحفيل» الذي يستهدف المعارضين والنساء بالفعل المنظم أو غير المنظم الذي يقوم به طرف أو جماعة سياسية بحق طرف منافس بالسخرية الشديدة منه، ويترافق مع هذه السخرية خطاب كراهية وتنمر إلكتروني وإساءة سمعة والتحقير وفي أحيان أخرى تحريض على القتل. وهو ما تعرضت له نشيطات فلسطينيات وصحافيات شابات يعملن في وسائل إعلام محلية وعربية.

بلاغ من 114 مؤسسة للنائب العام

شكل ما حصل مع الصحافيات الفلسطينيات صدمة كبيرة جدا حيث خلق هذا الحدث «الخطير» ارتدادات كثيرة، وهو ما دفع بمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية والمؤسسات التي تدعم حقوق النساء وتناهض العنف الممارس بحقهن إلى التحرك بشكل سريع عبر تنظيم مؤتمرات صحافية أو إصدار بيانات وأخيرا تقديم بلاغ للنائب العام الفلسطيني أكرم الخطيب.
فقد قدمت أكثر من 114 مؤسسة حقوقية ومدنية فلسطينية (مجلس منظمات حقوق الإنسان الذي يضم 14 مؤسسة، وشبكة المنظمات الأهلية الذي يضم 83 مؤسسة، ومنتدى المنظمات الأهلية لمناهضة العنف الذي يضم 17 مؤسسة) بلاغا جزائيا للنائب العام في رام الله للتحقيق بالاعتداءات التي طالت المشاركين في التجمعات السلمية وتحديدا الصحافيات، حيث طالبت المؤسسات الحقوقية بفتح تحقيق جزائي شامل في الاعتداءات التي ارتكبتها جماعات بالزّي المدني أثناء التجمعات السلمية التي عقدت أيام الخميس الموافق 24 والسبت 26 وكذلك يوم الأحد 27 حزيران/يونيو 2021.
شعوان جبارين، المدير العام لـ»مؤسسة حق الفلسطينية» قال في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «ندرك حجم الجريمة التي حدثت، ونريد من مؤسسات الاختصاص أن تقوم بواجباتها ومسؤولياتها، قدمنا البلاغ وكان موثقا بالصور الواضحة التي تظهر المعتدين، ونحن نمتلك الأسماء التي حصلنا عليها من فريق التحقيق الخاص بالمؤسسة، وفي حال طلبت النيابة ذلك فسنقوم بتزويدها به».
وتابع جبارين: «النيابة العامة مطلوب منها أن تحقق وتفحص الوثائق التي قدمناها، كما أننا نشجع برفع الدعاوى الفردية لكل من تعرض للإهانة والضرب والسرقة».
وعن موقف النائب العام أضاف جبارين أنه أكد على أنه لن يهرب من واجبه الذي يمليه عليه القانون، ونحن كمؤسسات حقوقية سنراقب هذه المسألة لخطورتها الشديدة، مؤكدا أننا «نحاسب على النتائج وليس على الوعود».
وكانت الكاميرات الصحافية والتقارير الحقوقية وثقت الاعتداء على المواطنين الذي شمل نساء ورجالا وكبار السن، وتمثل بالضرب بالحجارة والعصي والهراوات والسحل على الأرض وسرقة الهواتف المحمولة وتحديدا من الصحافيات.
وجاء في البيان المرفوع للنائب العام: «اعتداء الأمن شمل مصادرة الهواتف المحمولة، واعتقال عدد من المشاركين/ات في تلك التجمعات، حيث قامت عناصر بالزّي المدني بتسليمهم لأجهزة الأمن المتواجدة في المكان من دون تدخل منها أو حماية المتظاهرين، في انتهاك صريح للقوانين والتشريعات الناظمة لعمل تلك الأجهزة».
وتعتبر الانتهاكات التي تعرض لها المشاركون/ات في التجمعات جرائم دستورية موصوفة بموجب المادة (32) من القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003 وهي جرائم لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم وتضمن بموجبها السلطة الوطنية الفلسطينية بالتعويض العادل لمن وقع عليه الضرر، كما أن هذه الانتهاكات تعد جريمة تشكيل عصابات مسلحة بموجب المادة (158) من قانون العقوبات النافذ رقم (16) لسنة 1960.

استغلال مفاهيم ثقافية واجتماعية

الدكتورة حنان عشراوي، العضو السابق في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والناشطة النسوية، رأت إن ما جرى بحق الصحافيات الفلسطينيات بالأسلوب الرخيص وغير الأخلاقي، معتبرة سرقة جوالات الصحافيات واستخدام صورهن الخاصة للتشهير بهن أمرا يتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق.
ورأت عشراوي أن الاعتداء على النساء الفلسطينيات يعتبر أمرا جديدا على مجتمعنا، حيث تنتهك مساحتها وتحرم من مساحة الأمان ويعتدى عليها بوحشية.
وقالت «الآثار غير المرئية تؤثر كثيرا من ناحية الصدمة، ومن ناحية منع البنات من العمل، ولها أبعاد أكثر من الحدث نفسه ولها دلالات على عقلية وذهنية وطريقة تعامل وهي عقلية تتبلور وتخرج للعلن بالتدريج».
بدورها قالت الدكتورة رندة سنيورة، المديرة العامة لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، أن هناك محاولات استغلال مفاهيم ثقافية واجتماعية واستغلال الدين بطريقة غير صحيحة، وذلك بهدف الإساءة للنساء في محاولة ضبط الفتيات وقمعهن وتحديدا عندما يصبحن ناشطات ويطالبن بالحقوق العامة.
وأكدت أن هناك حالة من ترويج صور لفتيات من على موبايلات لهن تمت سرقتها خلال حالات القمع التي تعرضت لها الصحافيات.
وتابعت: «السرقة موثقة، لكن الموبايلات لم تعد حتى الآن لأصحابها، فيما تستمر محاولة التحريض على العنف ضد الفتيات عبر نشر صورهن بهدف محاولة التضييق عليهن من أهلهن، وهذا أمر نتائجه كبيرة من حيث مشاركة النساء في الفضاء العام».
وطلب مؤخرا من الصحافيات اللواتي تعرضن لسرقة هواتفهن المحمولة مراجعة الأجهزة الأمنية من أجل الحصول على أجهزتهن علما أن الناطق الرسمي باسم الأجهزة الأمنية طلال دويكات نفى في تصريحات سابقة أن يكون أي من رجال الأمن في زي مدني قد مارسوا أعمال سرقة هواتف صحافيات فلسطينيات.
صحافيات مثل: لينا أبو الحلاوة، وهزار الأطرش، ونجلاء أبو زيتون فقدن هواتفهن الخاصة من رجال أمن بلباس مدني أصبح عليهن اليوم متابعة ملف إعادة هواتفهن بأنفسهن عبر التواصل مع أكثر من جهاز أمني مثل: الشرطة، والمباحث، والأمن الوقائي، وحراسات الرئيس في سبيل البحث عن هاتفهن الخاص.

غياب لدور فاعل للنقابة

لكن المشكلة من وجهة نظر ناهد أبو طعيمة، الصحافية المتخصصة في الإعلام والنوع الاجتماعي تتمثل في أن نقابة الصحافيين الفلسطينيين لم تقم بدورها كما يجب، حيث تركت الصحافيات بشكل فردي يواجهن الذهاب إلى الأجهزة الأمنية ليطالبن بأجهزة الهواتف الخاصة بهن، وهذا أمر يضعفهن ولا سيما وأننا أمام حالة من انعدام الثقة لكل الأجهزة الأمنية وتحديدا جهاز الشرطة الذي رأى ما حصل مع الصحافيات ولم يلبي نداء الاستغاثة منهن، بل على العكس طالبهن رجال الشرطة بمغادرة المكان.
وترى أبو طعيمة، في حديث خاص لـ»القدس العربي» أن ما تم من استهداف للصحافيات جاء لكون استهدافهن أسهل في ظل أن الأدوات التي تستخدم من قبلهن بصفتهن صحافيات مستقلات حيث يستخدمن وسائل بسيطة مثل الجوالات، رغم أنهن يلبسن ما يشير إلى هويتهن الصحافية، وتؤكد: «ما جرى يتجاوز اعتداء على صحافيات أثناء تغطية مسيرة احتجاج، فالمعتدون قاموا بملاحقة الصحافيات بشكل شخصي وبحثوا عنهن في الشوارع المجاورة حيث تمت ملاحقتهن في المحلات التجارية وحتى الحمامات العامة».
وتؤكد أن الفتيات اللواتي ظهرن على الإعلام للحديث عن تجاربهن الشخصية المؤلمة كان بعضهن أصحاب أول تجربة في النزول للميدان، وبالتالي كان ما تعرضن له صدمة كبيرة بالنسبة له».
وعن تنوع طرق استهداف الصحافيات تقول طعيمة: «هناك أكثر من شكل، الضرب والسحل والشتم بألفاظ نابية، والسرقة والتنكيل، ولاحقا التحفيل عبر النشر على الشبكات وأخيرا الابتزاز بنشر الصور الشخصية» .
وتضيف: «لأول مرة درع العمل في مهنة الصحافة يعتبر عبئا على الصحافيات حيث يكون سببا لاستهدافهن بشكل شخصي، هذا ما كان يفترض أن يقوم بتوفير حماية لهن».
أما عن الشتائم التي تلقينها فهي كثيرة جدا، بحسب طعيمة، وقبيحة وتشكل صدمة للصحافيات في ظل أن إلقاء الشتيمة كان في مكان عام (الشارع). «لقد كان فعلا صادما للصحافيات».
وتصف أبو طعيمة سلوك تبادل صور خاصة لصحافيات وناشطات بالعمل الخسيس، إنها «صور خاصة بالنساء ويمكن أن تسبب أزمة اجتماعية، حيث من يتشارك هذه الصورة والفيديوهات لا يدركون حقيقة أبعاد نشر هذه الصورة، وهنا تتضاعف المشكلة».
وتطالب أبو طعيمة بإحياء دور نقابة الصحافيين، «يجب استثمار الحدث لتكون نقابة قوية وقادرة على حماية الصحافيين والدفاع عن حقوقهم، يجب أن يكون صوت الصحافة عاليا».
والسؤال المطروح اليوم هو لمن تشتكي الصحافيات؟ وبحسب طعيمة لقد «توزع الدم بين القبائل، حيث هناك أكثر من جهاز أمني قام بالفعل، كما أن الجهاز الذي كان يمتلك الكثير من ثقة النساء خسر كل رصيده في الأحداث الأخيرة، لقد خذل الصحافيات والموطنين عندما كان يتفرج على الاعتداءات صامتا».
وأكدت على أهمية أن تقوم نقابة الصحافيين بالتواصل مع المؤسسة الأمنية لتحصيل الأجهزة المسروقة، «لا يجب أن يترك الأمر بين الصحافي والجهاز الأمني لكون ذلك يتيح مساحة للابتزاز والتلاعب والضغط والابتزاز».

غياب الثقة ومطلب المحاسبة

بدورها تعتبر صباح سلامة، في تصريحات خاصة، من منتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف، أن أي اعتداء حتى لو كان على امرأة واحدة يجب أن ينظر إليه على أنه جريمة، وبالتالي لا يمكن الاستهانة بحجم ما جرى من استهداف وقمع للصحافيات والناشطات خلال الفترة الماضية.
وتضيف سلامة: «ننظر لما جرى على أنه ظاهرة خطيرة تستوجب الوقوف أمامها والمحاسبة سواء لمن أمر أو خطط أو نفذ أو وفر الحماية».
وتؤكد غياب للثقة بالمؤسسات الرسمية لكونها حتى اللحظة لم تقنعنا بأنها تمارس لدورها وهي جزء من استهداف النساء.
وتقول أن المؤسسات الرسمية وتحديدا النيابة العامة لم تقم باختصاصها في مسألة تمس النظام العام، حيث انتظرت النيابة إلى حين تقديم بلاغ من المؤسسات الحقوقية.
وتتابع: «نحن نعيش في بلد صغير، وكلنا يعرف بعضه البعض، وبالتالي لدينا قائمة بأسماء وصور المعتدين، والمحاسبة مطلب جميع المؤسسات الحقوقية».
وأدان بيان صادر عن منتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة حمل عنوان «شعب يسعى للحرية والاستقلال… لن يقبل بإهانة النساء» عملية القمع والتنكيل التي مارستها السلطة التنفيذية بحق المحتجين وطالب كافة الفتيات والنساء اللواتي تعرضن لأي انتهاك أو إساءة للتوجه لمؤسسات المنتدى حيث ستوفر المؤسسات كافة مصادرها القانونية والاجتماعية لحماية الناشطات.
كما حمل الحكومة الفلسطينية ووزارة شؤون المرأة بشكل خاص المسؤولية عن السكوت عن هذه الانتهاكات لا وبل تشجيع هذه الانتهاكات بصمتهن المطبق، وحمل رئيس السلطة المسؤولية عن تدهور الحريات العامة في فلسطين وكافة أحداث العنف التي نتجت من أجهزة الأمن سواء أكانوا بالزي المدني أم العسكري. وطالب بإقالة كل مسؤول أو قائد أصدر الأوامر أو خطط أو شارك في الاعتداء على النساء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية