عندما تكون الهجرة هي الحل من يرحل أولا صناع الأزمة في لبنان أم ضحاياها؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

يعيش اللبنانيون منذ سنوات أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخهم منذ تأسس لبنان الحديث كدولة مستقلة، وهي أزمة يصنفها البنك الدولي ضمن أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. ولولا إغلاق المطارات والقيود المفروضة على السفر عبر الحدود، لغادر عشرات الآلاف من الشباب الباحثين عن مستقبل فقدوه في وطنهم، بعد أن فشلت محاولات الإصلاح والتغيير. ومن المرجح أن نشهد صعودا في أعداد المغادرين لأغراض العمل والإقامة في الخارج، مع تخفيف القيود على حركة السفر بالترافق مع زيادة القدرة على وضع فيروس كورونا تحت السيطرة. آخر إحصاءات السكان الرسمية المتاحة تشير إلى أن عدد اللبنانيين المقيمين في الخارج يبلغ 2.2 مليون شخص مقابل 3.8 مليون في الداخل. ويتناقص عدد اللبنانيين المقيمين في وطنهم عاما بعد آخر. ففي خلال الفترة من 1975 إلى 2011 بلغ عدد اللبنانيين الذين غادروا لغراض الهجرة أو الإقامة في الخارج أكثر من 1.5 مليون شخص، في حين بلغ عدد الوافدين حوالي مليون شخص، معظمهم من فلسطين وسوريا والعراق. كما تظهر الإحصاءات أيضا انخفاض معدل الزيادة الطبيعية بين اللبنانيين، وهو ما أدى إلى انخفاض متوسط عدد أفراد الأسرة طبقا لإحصاء 2019 إلى 3.8 فرد مقابل 4.3 فرد في إحصاء عام 2004 بنسبة انخفاض تقترب من 12 في المئة.
هذا يعني عمليا أن لبنان يتحول تدريجيا إلى دولة «أوفشور» بكل ما يعنيه ذلك من دلالات سياسية واقتصادية. أهم هذه الدلالات أن النسبة الأعظم من الدخل القومي يتم توليدها في الخارج، وتحويلها إلى الداخل لإعالة الأسر المقيمة، وأن الطبقة السياسية التي تحكم لبنان تعبر عن نفسها ومصالحها الضيقة فقط، وهي طبقة تحب لبنان بمقدار ما تتربح منه وتنهب من ثروته. وتمثل السياسة النقدية للبنك المركزي في مواجهة الأزمة، التي هي من صناعة السياسيين بامتياز، عنوانا رئيسيا من عناوين التربح والفساد السياسي، فالبنك هو اللاعب الرئيسي في سوق الصرف الأجنبي، أحد أهم مجالات المأساة الاقتصادية في لبنان.
الإحصاءات الرسمية الصادرة عن البنك الدولي لعام 2020 تحدد نسبة تحويلات من غير المقيمين العاملين في الخارج بما يعادل 36.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المرجح أن هذه النسبة الآن تتجاوز 50 في المئة لسببين الأول هو أن التحويلات التي تمر عبر النظام المصرفي، ولا تشمل تلك التي تصل إلى لبنان مباشرة عبر شركات الصرافة وتحويل الأموال، التي يتسلمها المستفيدون مباشرة، وأهمها شركة «أو ام تي» وكيل شركة ويسترن يونيون في لبنان، وبسبب القيود التي فرضها البنك المركزي على السحب من الودائع لدى البنوك، فإن نسبة التحويلات عبر شركات تحويل الأموال زادت كثيرا خلال السنوات الأخيرة. والسبب الثاني هو أن التحويلات من الخارج تزيد بينما الاقتصاد الداخلي ينكمش ويواصل الهبوط بلا قاع يستقر عنده.
وطبقا للإجراءات المعمول بها منذ شهر نيسان/أبريل من العام الماضي، فإن أصحاب التحويلات المرسلة عبر المصارف يحصلون على مستحقاتهم بالليرة اللبنانية وليس بعملة الإيداع. ويبلغ السعر الرسمي لدى البنك المركزي 1507.5 ليرة للدولار، في حين يبلغ السعر المحدد من البنك المركزي أيضا من خلال المنصة الإلكترونية 12 الف ليرة للدولار. كما حدد البنك سعر التحويل لأصحاب الودائع الدولارية بـ 3900 ليرة للدولار. ويتعامل البنك بسعر مختلف مع منظمات الإغاثة العالمية وبرنامج المساعدات النقدية للفقراء الذي يديره البنك الدولي يبلغ حوالي 6 آلاف ليرة للدولار. وهكذا فإن البنك المركزي اللبناني قد أنشأ غابة عشوائية من تعدد الأسعار في سوق الصرف الأجنبي، وهو ما يسهم في زيادة حدة الأزمة الاقتصادية، ويؤدي إلى تبخر قيمة المدخرات بالعملات الأجنبية والتحويلات المرسلة من الخارج. الأكثر من ذلك، أن البنك المركزي يفرض أيضا قيودا على السحب من البنوك بواسطة أصحاب الودائع أنفسهم، وحدد الحد الأقصى للسحب بما لا يزيد عن 400 دولار فقط كل شهر، على أن يحصل المودع على المبلغ المسحوب بالعملة المحلية، بالسعر المحدد من البنك المركزي لأصحاب الودائع وهو 3900 ليرة للدولار.

الفساد المالي

وبسبب الفساد المالي داخل البنك المركزي، والسياسات العشوائية التي يسير عليها، فإن احتياطي النقد الأجنبي القابل للتصرف انخفض إلى ما دون المليار دولار في بداية العام الحالي، بعد أن كان حوالي 2.4 مليار دولار في العام الماضي. وقد انخفضت قيمة الاحتياطي خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي إلى 16.3 مليار دولار، مقابل 19 مليارا في كانون الأول/ديسمبر و 36.8 مليار دولار في نهاية عام 2017. ويتضمن الاحتياطي حوالي 16.7 مليار دولار مستحقات للبنوك التجارية على البنك المركزي، وهي تمثل نسبة الـ 15 في المئة الإجبارية من ودائع الأفراد والشركات لدى البنوك التجارية. ويقوم البنك المركزي باستخدام الاحتياطي في تمويل احتياجات لبنان من القمح والوقود والأدوية، وهي قطاعات تسيطر عليها احتكارات قوية متشابكة مع الطبقة السياسية. ويحصل المستوردون على احتياجاتهم من العملة الأجنبية عن طريق البنك المركزي بسعر الصرف الرسمي، في حين يقومون ببيع السلع المستوردة بأسعار السوق السوداء، ويحصلون بذلك على أرباح فاحشة بمساعدة البنك المركزي اللبناني. وتعتبر تحويلات المغتربين أكبر وأهم مصادر السيولة بالنقد الأجنبي في لبنان.
ونظرا لتدهور التصنيف الائتماني السيادي، فإن لبنان لا يستطيع عمليا الحصول على قروض من الخارج، إلا إذا تمكنت البنوك من ترتيب قروض بأسعار فائدة فلكية. كما أن موارد البنك المركزي تأثرت سلبا بوقف صادرات لبنان من الخضروات والفواكه إلى السعودية، بسبب الكشف عن استخدام الشحنات الواردة من لبنان أو عن طريقه كوسيلة لتهريب المخدرات. ولذلك فإن البنك المركزي لا يملك حاليا أموالا لتمويل استيراد القمح والوقود، بعد أن كان قد أعلن التخلي عن التزامه بدعم استيراد الأدوية. هذا يفسر ظاهرة إغلاق ما يقرب من أربعة أخماس محطات الوقود في لبنان، وارتفاع أسعاره بأكثر من الثلث خلال الأيام الأخيرة. وتقاوم الطبقة السياسية اللبنانية حتى الآن فكرة اللجوء إلى صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على حزمة تمويل لإعادة بناء الاقتصاد، لأن الصندوق يشترط تطبيق معايير الإفصاح والشفافية والمسؤولية، وهي معايير لا تحبها الطبقة السياسية، واقرار برنامج شامل للإصلاح تقوم على تنفيذه حكومة مسؤولة.

نظرة عامة سلبية

وتبدو الصورة العامة للاقتصاد اللبناني في وضع شديد السوء، كما أن مؤسسات التمويل والتصنيف الائتماني تضع تقديراتها للمستقبل على أساس نظرة عامة سلبية، وهو ما يصطدم مع كل أحلام اللبنانيين في تحسن الأوضاع في وقت قريب. وطبقا للتقديرات الأخيرة للبنك الدولي في بداية الشهر الماضي، فإن الاقتصاد سينكمش في العام الحالي بنسبة 9.5 في المئة، ليهبط تحت 30 مليار دولار، وهو ثالث انكماش على التوالي، بعد أن سجل انكماشا بنسبة 20.3 في المئة في العام الماضي، وبنسبة 6.7 في المئة في العام 2019. وكان البنك قد قدر قيمة الناتج المحلي للعام الماضي بحوالي 33 مليار دولار، مقارنة بنحو 55 مليار دولار في العام 2018 وهو ما يعني انخفاض نصيب الفرد الناتج المحلي بحوالي 40 في المئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وقال البنك الدولي أن سعر الليرة تدهور بنسبة 120 في المئة في العام الماضي، وأن التضخم العام أكل 84.3 في المئة من قيمتها، وترتفع هذه النسبة بأكثر من الضعف في حال السلع الغذائية. ولذلك فإن البنك يرى أهمية كبيرة في استمرار برنامجه لتقديم مساعدات نقدية طارئة لما يقرب من مليون شخص في لبنان يعيشون تحت خط الفقر، أكثر من نصفهم تقريبا يعانون من الفقر المدقع. وتبلغ قيمة برنامج التحويلات النقدية العاجلة للفقراء الذي أقره البنك الدولي في أول العام الحالي 246 مليون دولار، يتم تقديمها في صورة مساعدات نقدية إلى حوالي 800 ألف مستفيد بواقع 100 ألف ليرة شهريا للفرد إضافة إلى 200 ألف ليرة شهريا لكل أسرة. ومن المقرر أن يستمر هذا البرنامج حتى نهاية العام 2023. وكان البنك المركزي اللبناني يشترط على البنك الدولي تحويل هذه الأموال عن طريقه، ثم يقوم بتسديدها إلى المستفيدين عبر الجهاز المصرفي بالسعر الرسمي 1507 ليرة للدولار، وهو ما يعتبر سرقة مفضوحة لأموال المساعدات الفردية التي تذهب للمواطنين من موارد البنك الدولي. وبسبب تدهور سعر الليرة، فإن منظمات الإغاثة والبنك الدولي دخلوا في مفاوضات مع البنك المركزي لسداد قيمة المساعدات إلى المستفيدين مباشرة بالدولار الأمريكي، لكن البنك رفض، ثم وافق في النهاية على تحويل أموال المساعدات إلى الأفراد بسعر يبلغ 6240 ليرة للدولار، وهو ما يعادل 50 في المئة أو أقل من سعر السوق السوداء، كما يقل عن السعر الذي حدده البنك المركزي عبر المنصة الإلكترونية وهو 12 ألف ليرة للدولار.

حالة الدولة الفاشلة

ويمكن القول بأن دور البنك المركزي اللبناني في دورة الدخل والانفاق على الاحتياجات هو دور يرسخ حالة الدولة الفاشلة، ويتربح من سرقة أموال المودعين وأصحاب التحويلات ومنظمات الإغاثة الدولية والبنك الدولي، لأنه يحتكر تجارة العملة عبر المؤسسات المصرفية الرسمية، وهو الذي يحدد قواعد تداولها، سواء من حيث تحديد أسعار صرف المختلفة التي تقل كلها عن سعر السوق، أو من خلال التحكم في قيمة السحب من الودائع الخاصة، وفرض أن يكون السحب هو بالعملة المحلية فقط وليس بعملة الإيداع الأصلية.
وتعتبر التحويلات الخاصة، والتحويلات الرسمية بدون مقابل، وتحويلات المنظمات وهيئات الإغاثة الدولية هي المصادر الرئيسية للسيولة بالنقد الأجنبي في لبنان في الوقت الحاضر. وتبلغ قيمة الدخل الكلي من هذه المصادر حوالي 9 مليارات دولار في العام الحالي. ويتحكم البنك المركزي في إدارة السيولة بالنقد الأجنبي، في الوقت الذي يخضع فيه رياض سلامة رئيسه، الجالس في منصبه منذ 28 عاما، لتحريات بشأن انتهاكات مالية في سويسرا وفرنسا وبريطانيا، تتعلق بتضارب في المصالح بين الثروة الخاصة لمحافظ البنك وبعض أفراد عائلته وبين وظيفته في إدارة البنك المركزي اللبناني، تقدر قيمتها بنحو 330 مليون دولار. وفي الوقت الذي تقوم فيه جهات التحقيق الدولية بتتبع تلك الانتهاكات فإن رياض سلامة يمارس وظيفته آمنا مطمئنا، وينام مستريح البال، بينما يواصل ملايين اللبنانيين المغتربين إرسال تحويلاتهم لذويهم لأنهم وان كانوا قد فقدوا الثقة في الطبقة السياسية، فإنهم لم يفقدوا الأمل في أن يعود لبنان يوما كما كان ساحة للازدهار والتسامح والتحضر في العالم العربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية