استئناف فرنسا لتدخلها في مالي يوصف بالتخبط وبالتردد بين الخروج والبقاء

عبد الله مولود
حجم الخط
1

نواكشوط- “القدس العربي”: أثار قرار فرنسا الذي اتخذته قبل يومين والمتعلق باستئناف عملياتها العسكرية وتعاونها العسكري مع مالي، استغرابا واسعا في الأوساط السياسية والأمنية بمنطقة الساحل، واعتبره الخبراء العسكريون وخبراء شؤون الساحل “تخبطا فرنسيا محيرا”.

وكانت حكومة باريس قد أعلنت قبل أسابيع عن تعليق تعاونها العسكري مع مالي بجميع أشكاله: سواء تعلق الأمر بالعمليات المشتركة مع الجيش المالي، أو تعلق بتقديم الدعم التقني، مؤكدة أن “قرارها كان استنكارا ورفضا للانقلاب العسكري الأخير في مالي”، وتعبيرا ضمنيا عن عدم قبولها للموقف المتقبل للانقلاب الذي تبنته المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.

وجاء القرار الفرنسي أسابيع قليلة بعد مباركة فرنسا العلنية للانقلاب على الدستور الذي وقع في تشاد فور موت رئيسها إدريس دبي، عندما تولى ابنه الجنرال محمد كاكا رئاسة الدولة عوضا عن رئيس الجمعية الوطنية، الذي ينص الدستور على أنه هو من يخلف الرئيس في حالة وقوع عائق يمنع هذا الأخير من مزاولة مهامه.

فرنسا والمكيالين

وأكد العقيد الموريتاني المتقاعد محمد بخاري محمد مؤمل وهو خبير عسكري في قضايا الساحل الإفريقي أن “التفاوت الصارخ في الموقف الفرنسي من الوضعين في تشاد وفي مالي يظهر أنها تنتهج تكتيكات الكيل بمكيالين في سياستها الخارجية مما ينم عن عدم ثبوت في الرؤية الجيوستراتيجية”.

وقال “يشكل رفض فرنسا للحوار بين السلطات في مالي والجهاديين، أحد ملامح هذا الضعف والكيل بمكيالين، فهي تدعم ما جرى بين الحكومة الأمريكية وحركة الطالبان في أفغانستان، بل عملت بمقتضى الاتفاق بين الطرفين، لأنها سحبت قواتها التي كانت ترابط وتقاتل إلى جانب الأمريكيين هنالك”.

خبير عسكري موريتاني يؤكد أن قراري التعليق والاستئناف محيران

وأضاف العقيد مؤمل “من أهم الثوابت الاستراتيجية العسكرية الفرنسية الموجهة إلى إفريقيا ومنطقة الساحل، أنها غير ثابتة على حال، لأنها تتغذى على ماض ولَّى وتراث استراتيجي في تقهقر مستمر”، مضيفا أنه “من آخر مؤشرات ذلك بيان وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي الذي جاء فيه أن فرنسا تأخذ في الحسبان وبعين الرضى “التزامات السلطات المالية الانتقالية” التي أقرتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا”، وأنها “قررت استئناف العمليات العسكرية المشتركة” ومهمات التعاون الأخرى بما فيها “البعثات الاستشارية التي تم تعليقها منذ 3 يونيو/حزيران”.

ويجمع المراقبون على أن الرئيس ماكرون لم يستشر العسكريين الفرنسيين في قراره الخاص بتعليق العمليات في الساحل، لأن عددا من كبار الضباط لم يكن يرى ذلك سدادا.

التعليق والاستئناف

وأضاف في مقال تحليلي “من المثير للتساؤل أن قرار تعليق التعاون العسكري مع مالي كان منذ البداية مفاجئا وغير مبرر بالنظر للوضع في البلد وفي المنطقة، وكذلك فإن قرار استئنافه من جديد محير هو الآخر، فلم يتغير شيء في مسار العسكريين الذين يقودون البلد خلافا لما يحاول بيان وزارة الدفاع الفرنسية إيهام الرأي العام به: فالوعود التي أعلنوا عنها منذ أول لحظة على أنفسهم بشأن المرحلة الانتقالية ما زالت كما هي، فلا جديد في الوضع سوى أن تعثر فرنسا وتخبطها في الساحل يتأكدان أكثر فأكثر، ولا يقتصران على علاقتها مع مالي، بل يمسان جميع مناحي رؤيتها الجيوسياسية في أفريقيا؛ فهي حائرة بين البقاء والخروج، بين التظاهر بالقوة والخضوع لحقيقتها”.

الجهاديون بالمرصاد

ولعل من أسباب الانتقادات التي وجهت لقرار تعليق العمليات هو أنها ستشجع الحركات الجهادية المسلحة المرابطة في منطقة الساحل وفي شمال مالي بالذات، على مواصلة نشاطها الذي لم يتوقف منذ أن بدأ عام 2012.

ويؤكد الخبراء المتابعون لهذا الشأن أن “الحركات الجهادية ستلاحظ التخبط الفرنسي وتذبذب الاستراتيجية الفرنسية وتناقضاتها تجاههم وتجاه حلفاء فرنسا من الدول الإفريقية، الأمر الذي سيؤدي لانتعاشهم والاتساع المستمر لحيزهم الجغرافي كما أنهم سيستغلون الوضعية الراهنة بشكل متقن”.

وتحدث العقيد بخاري مؤمل عن الصراعات الجيوسياسية التقليدية بين الدول، مؤكدا أن “فرنسا معرضة لمنافسة شرسة في المنطقة: فالروس والصينيون والأتراك يراقبون الوضع في منطقة الساحل عن كثب، ولكل منهم آلياته السياسية والاستراتيجية”.

وخلص الخبير إلى تأكيد أن “سفينة السياسة الخارجية لفرنسا متعثرة جدا في منطقة الساحل، تتقاذفها موجات التخبط الأعمى وغياب رؤية استراتيجية واضحة، ومثمرة وفعالة، ولا شك، يضيف الخبير، أن ربانها في حيرة من أمره: فلا هو يستطيع مواصلة النهج وما يحمله من عقبات ومخاطر جسام، ولا هو قادر على إيجاد مسار بديل يُخرج قواته من مستنقع الساحل، ويصون المصالح الجيوستراتيجية لبلاده في المنطقة وفي عموم إفريقيا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية