الخلاف حول سياسة «أوبك+» الإنتاجية يكشف عن تنافس اقتصادي متنامٍ بين الإمارات والسعودية

حجم الخط
0

دبي – رويترز: قال عدد من المحللين في المنطقة أن الخلاف العلني النادر بين الإمارات والسعودية فيما يتعلق بسياسة «أوبك+» يشير إلى تنافس اقتصادي آخذ في التزايد بين أكبر اقتصادين عربيين، والذي تشير الدلائل إلى أنه سيشتد.
كانت معارضة الإمارات في نهاية الأسبوع لتمديد مقترح لقيود إنتاج مجموعة «أوبك+» النفطي ثمانية أشهر إضافية، وهو ما تفضله السعودية، عرضاً نادراً للتحدي من جانب أبوظبي، التي يجمع ولي عهدها محمد بن زايد آل نهيان تحالف قوي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وأدى الخلاف إلى إلغاء محادثات المجموعة أمس الأول، بعد أن كانت قد تأجلت منذ الخميس الماضي للسبب نفسه.
وتعترض الإمارات على خط الأساس الممنوح لها للإنتاج، والذي بموجبه يتم تحديد حصتها من الزيادة أو النقصان في الإنتاج، وتعتبره غير عادل، وتطالب برفعه من 3.17 مليون برميل يومياً إلى 3.8 مليون. ورد وزير النفط السعودي على طلب الإمارات دون تسميتها إلى «شيء من التواضع وشيء من الواقعية».

أمريكا تدعو إلى التهدئة والتوصل إلى حل توافقي

وقال كبير الاقتصاديين في «البنك الأهلي السعودي» أمير خان «مواجهة أوبك الحالية تشير إلى زيادة دفع الإمارات للتشديد على مصلحتها الذاتية اقتصادياً ووطنياً في مواجهة السعودية».
وتمخض التحالف بين الأميرين الشابين الطموحين عن سياسة خارجية متشددة، من أمثلتها شنهما حملة عسكرية في اليمن، وقيادة مقاطعة عربية لقطر، ومحاربة جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وخارجه.
لكن في الوقت الذي تحاول فيه السعودية تقليص اعتماد اقتصادها على النفط، فإنها تتنافس مع الإمارات على رؤوس الأموال والمواهب الأجنبية. غير أن اقتصاديين يقولون أن الأمر سيستغرق وقتا للتحول إلى ند حقيقي للإمارات، مركز الأعمال والتجارة والسياحة في المنطقة.
وقال المحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله «هناك هذه المنافسة الاقتصادية التي تدب في العلاقة بين أكبر اقتصادين عربيين والمنافسة مرشحة بقوة للاشتداد». وأضاف «الإمارات تجهر برأيها… لكن العلاقة قوية والقيادة تعرف كيف تحل القضايا».
ولم ترد وزارة الخارجية الإماراتية ومكتب التواصل الحكومي السعودي حتى الآن على طلبات من رويترز للتعليق على علاقاتهما الاقتصادية والسياسية. ويقول محللون أنه رغم أنه من المرجح أن التهديدات المتصورة المشتركة من إيران والجماعات الإسلامية في المنطقة تكبح الخلافات السياسية، يعتبر البلدان إلى حد كبير على خلاف متزايد فيما يتعلق بمسائل السيادة الاقتصادية.
فقد حذرت الرياض الشركات الأجنبية مؤخراً من أنها قد تخسر عقود حكومية إذا لم تنشئ مقرات إقليمية في السعودية بحلول 2024. وفي تحدٍ آخر لوضع الإمارات كمركز للتجارة والأعمال في المنطقة، عدلت هذا الأسبوع قواعد الواردات من الدول الخليجية لاستبعاد السلع المصنوعة في المناطق الحرة، وهي محرك رئيسي لاقتصاد دبي.
ويقول عدد من الدبلوماسيين في المنطقة أن التحالف الإماراتي السعودي ذهب إلى أبعد ما يمكن، إذ تحظى المصالح الاقتصادية الوطنية بأولوية، لاسيما في أعقاب جائحة كوفيد -19.
وظهر أول المؤشرات على تفرق السبل في 2019 عندما سحبت الإمارات وجودها العسكري في اليمن، تاركة الرياض غارقة في حرب شديدة التكلفة تهدد أمنها بشكل مباشر. ولا تزال أبوظبي تحتفظ بنفوذها من خلال القوات اليمنية التي تحدى بعض منها الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية. كما تثاقلت الإمارات فيما يتعلق باتفاق أعلنته السعودية في يناير/كانون الثاني لاستعادة العلاقات السياسية مع قطر، إذ تحركت الرياض لتهدئة الخلاف مع الرئيس الأميركي جو بايدن على خلفية سجلها في مجال حقوق الإنسان واليمن.
وبينما أقامت الإمارات العام الماضي علاقات مع إسرائيل في خطوة قوبلت بدعم من كلا الحزبين في واشنطن، اتخذت الرياض على النقيض خطوات مبدئية صوب تحسين علاقتها مع تركيا.
لكن الإمارات والسعودية لا تزالان مشتركتين في القلق من نفوذ إيران المتزايد عبر تابعين في المنطقة والتهديدات الأمنية التي تشكل خطرا على طموحاتهما الاقتصادية.
وبدأت الإمارات التواصل مع إيران في 2019 لتخفيف التوتر بعد الهجمات على ناقلات في مياه الخليج وعلى منشآت نفطية سعودية ألقت الرياض باللوم فيها على طهران، وهو الاتهام الذي تنفيه.
وسارت المملكة على النهج ذاته هذا العام، إذ دشنت محادثات مباشرة مع طهران بشأن اليمن، حيث يخوضان صراعا بالوكالة. وتأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يسعى فيه بايدن لإحياء الاتفاق النووي بين القوى العالمية وإيران الذي عارضته الرياض لعدم تصديه لقدرات إيران الصاروخية وأنشطاها بالمنطقة.
وقال حسنين مالك رئيس أبحاث الأسهم في تليمر عن العلاقات السعودية الإماراتية «الانفراجة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وتحول الطاقة (عن الوقود الأحفوري) والمنافسة في تنويع المصادر بعيداً عن النفط، عوامل تشكل فترة تباعد صعبة هذه المرة بشكل خاص»
وقال أمير خان أن الإمارات، التي استثمرت بكثافة لتعزيز طاقة إنتاج النفط، تريد التحرك بسرعة لتسييل احتياطياتها النفطية نظرا للدفع العالمي في اتجاه الابتعاد عن الوقود الأحفوري.
والسعودية أكثر احتياجا لاستقرار أسعار النفط من أجل تنفيذ مشروعات محلية ضخمة يقودها إلى حد كبير «صندوق الاستثمارات العامة» السيادي.
وقال دبلوماسي أجنبي في الرياض عن الخلاف «يمكنك الآن أن ترى مواجهة وجهاً لوجه، والإمارات تضرب بما يفوق طاقتها… هذه هي المرة الأولى التي يتبادل فيها البلدان الاتهامات علنا وبلهجة شديدة». وقال الأكاديمي البريطاني والخبير في شؤون الخليج كريستوفر ديفيدسون أنه في حين أن القضايا الاقتصادية قد تشهد مزيداً من الخلافات العلنية، فمن المتوقع أن تواصل الرياض وأبوظبي التعامل بحذر أكبر مع المسائل السياسية للحفاظ على صورة الوحدة.
من جهتها حثت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الدول الأعضاء في «أوبك+» على التهدئة والتوصل إلى حل توافقي.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض في بيان «الولايات المتحدة تراقب عن كثب مفاوضات أوبك+ وتأثيرها على التعافي الاقتصادي العالمي من جائحة كوفيد-19 .»
وأضاف قائلا «لسنا طرفا في هذه المحادثات، لكن مسؤولي الإدارة منخرطون مع العواصم المعنية للحث على حل توفيقي يسمح بالمضي قدما في زيادات إنتاجية مقترحة.»
وقال معاونون لبايدن إن هناك حاجة لاستقرار أوضاع سوق النفط لتغذية التعافي والوفاء بهدف الإدارة لجعل أسعار الطاقة في مقدور المستهلكين.
من جانبه قال بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» أمس الثلاثاء أن انهيار محادثات «أوبك+» أدى إلى حالة من عدم اليقين حيال مسار إنتاجها، في حين أبقى البنك على توقعاته لسعر خام برنت القياسي العالمي عند 80 دولاراً للبرميل هذا الصيف وزيادة تدريجية في الإنتاج أوائل العام المقبل.
وقال في مذكرة «يبدو أن من الممكن التغلب على الخلافات بين الجانبين، إذ أنهما اتفقا على زيادة الإنتاج حتى نهاية العام، مع استمرار حالة عدم اليقين العالية لأرصدة النفط لعام 2022، وهو ما يجعل التعهد بأي التزام طويل الأجل غير ضروري حالياً».
وأبقى البنك على توقعاته بزيادة تدريجية في الإنتاج في النصف الثاني من هذا العام، تليها زيادات مماثلة في الإنتاج في الربع الأول من عام 2022 لإنهاء الانخفاض في المخزونات .
وقال «في حين أن تهديد نشوب حرب أسعار جديدة بين دول أوبك+ لم يعد ضئيلا، إلا أنه سيحد من تأثيرها السلبي على الأسعار عجز بداية من 2.5 مليون برميل يومياً في سوق عالمية وحاجتها إلى إنتاج إضافي خمسة ملايين برميل بحلول نهاية العام لتفادي انخفاض حاد للمخزونات».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية