المأزق الأمريكي في العراق

حجم الخط
0

المأزق الأمريكي في العراق

د. يوسف نور عوضالمأزق الأمريكي في العراقبعد عام من الغزو الأمريكي للعراق خاطب الرئيس الامريكي الشعب في الولايات المتحدة معلنا نهاية العمليات العسكرية وانتصار قواته في مهمتها، أما الآن وبعد مرور ثلاث سنوات علي غزو العراق عاد الرئيس جورج بوش ليؤكد أن الجيش الأمريكي سوف ينتصر في العراق، وسوف يؤسس لقيام نظام ديمقراطي في تلك البلاد، ولكن إحصاءات الرأي تؤكد أن شعبية الرئيس بوش تدنت إلي تسعة وعشرين في المئة وأن الغالبية من الشعب الأمريكي لا تصدق ما يقوله الرئيس خاصة بعد أن تكشف لهم أن الأسباب التي ذهبت بها القوات الأمريكية إلي العراق لم تكن صحيحة وأن صدام حسين لم يكن يمتلك برنامجا نوويا ولم يكن ينتج أسلحة دمار شامل ولم يكن يشكل تهديدا لأحد، بل لم يكن العراق يمتلك جيشا يقاوم به العدوان الخارجي. وليس صحيحا أن الجيش قام بخيانة ضد صدام حسين لأنه لو صدقت هذه النظرية لتمكن الأمريكيون من الوصول إلي الأسلحة التقليدية التي كان يمتلكها صدام حسين.ولم تمر الذكري الثالثة دون تساؤلات حقيقية من الصحافة الأمريكية فقد كتب الصحافيون الأمريكيون والعسكريون مقالات كثيرة تتشكك في دوافع الولايات المتحدة من حرب العراق وذهب بعضها إلي القول بأن السيطرة علي النفط وإسقاط نظام صدام حسين كانا من أهداف تلك الحرب ولكن الولايات المتحدة لم تكن تمتلك خطة واضحة في ماذا تفعل بعد سقوط نظام صدام حسين، وعزا بعض الكتاب ذلك إلي سببين، الأول هو أن الولايات المتحدة لم تكن مشغولة بمستقبل العراق بل كان اليمين المتطرف الذي يمثله المحافظون الجدد يستهدف فقط استغلال ثروات العراق النفطية لفترة من الزمن يقوي بها سيطرته علي الولايات المتحدة، كما كان يسعي إلي أن تكون حقول الشمال في كركوك وغيرها من إقليم كردستان العراق تحت سيطرة تركيا الحليف الجديد لإسرائيل في المنطقة. وأما السبب الثاني فهو الرغبة في إبعاد أي تهديد عن دولة إسرائيل بتفكيك منطقة الشرق الأوسط بحيث لا تصبح قادرة علي التحرك نحو هذه الدولة التي تعتبرها الولايات المتحدة حليفها القوي في المنطقة. وذهب بعض المحللين إلي القول بان الولايات المتحدة تصرفت في كل تحركاتها نحو العراق بجهل كامل بظروف المنطقة، وبالتالي هي تجد نفسها متورطة في مستنقع لا تقدر علي الخروج منه وتكابر في ما حققته وما يمكن أن تحققه في العراق.وعلي الرغم من أن الولايات المتحدة فتحت جبهات جديدة مثل جبهة السلاح النووي الإيراني وجبهة النفوذ السوري في لبنان، فإن ذلك في حقيقة الأمر لا يدل علي أن الولايات المتحدة لها مشروع متكامل تسعي إلي تنفيذه وتشعر أنها تسير فيه في الاتجاه الصحيح ذلك أن التحرك نحو إيران وسورية سببه في الأساس التورط في العراق، بكون الولايات المتحدة تري علي الأقل أنها أصبحت رهينة بين يدي إيران، ذلك أن إيران وعت درس العراق جيدا وهي غير مطمئنة لموقف الولايات المتحدة منها خاصة بعد أن صنفها الرئيس جورج بوش ضمن محور الشر، ولكن إيران تعرف أن موقفها الاستراتيجي أقوي من موقف الرئيس بوش لأنها علي الأقل تضع القوات الأمريكية في العراق وفي أفغانستان رهينة بين يديها، ولا شك أن الولايات المتحدة سوف تفكر ألف مرة قبل أن تتحرك نحو إيران، وتعرف إيران أن نقطة الضعف الأساسية عند الولايات المتحدة هي إسرائيل التي أكد الرئيس بوش أنه سوف يدافع عنها في كل الظروف ولذلك فقد قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إنه سيزيل إسرائيل من الخريطة، وكان ذلك تهديدا واضحا بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تلعب ورقة إسرائيل ضد إيران لأن إيران متجهة نحو تطوير سلاح نووي، وقد حاول الرئيس بوش أن يبث الخوف في دول منطقة الخليج بقوله إن السلاح النووي يشكل تهديدا للمنطقة كلها ولكن إيران لا يبدو أنها بحاجة إلي سلاح نووي لتقوم بمواجهة من هذا النوع لا داعي لها وليس ثمة أسباب تحركها بكون دول الخليج لا تتخذ موقفا عدائيا من إيران علي الرغم من وجود بعض الخلافات التي يمكن أن تحل بالتفاهم وليس بالقوة العسكرية، وحتي لو كان هناك تدخل عسكري فالأمر لا يستدعي استخدام أسلحة نووية.ونلاحظ أن الموقف الإيراني المتشدد قد أجبر الولايات المتحدة في نهاية الأمر علي القبول بإجراء مفاوضات مع إيران. وعلي الرغم من أن الولايات المتحدة تنكر أن هذه المفاوضات ستشمل أزمة السلاح النووي فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تريد أن تقرأ العقل الإيراني في جميع اتجاهاته لأنها مضللة بالمواقف العربية التي تقدم لها إشارات غير صحيحة وعودتها علي التراجع المستمر أمام ضغوطها وهو ما ظلت تتوقعه من إيران، ولكن الولايات المتحدة كما قال الخبراء الأمريكيون أنفسهم جاهلة بحقائق الشرق الأوسط، وهذا ماجعلهم يتورطون في العراق لأنه في الوقت الذي استخدمت فيه الولايات المتحدة كل آلتها العسكرية من أجل إطاحة صدام حسين فإنها لم تعط نفسها مساحة للوقت لتعرف التركيبة الطائفية في العراق ،ولم تعرف أن العراق مكون من مذهبين كبيرين إلي جانب الأكراد وأن تحول النفوذ إلي المذهب الشيعي يعني تحالفا مع إيران دون أي اعتبار آخر لدور الولايات المتحدة في هذا البلد، ولا شك أن إيران تدرك مصدر قوتها، وأنها قادرة علي تحدي الموقف الأمريكي، وهي التي ستنتصر في نهاية الأمر ضد الإستراتيجية الأمريكية ولا يعني ذلك بالضرورة تهديدا لأمن المنطقة لأنه آن الأوان أن يعيد الجميع النظر في خريطة التحالفات التي تحقق المصالح بعيدا عن الرواسب التاريخية، ولكن هذا الدرس لا يبدو أن الدول العربية قد استوعبته من أجل تصحيح علاقتها بالولايات المتحدة. فما زالت الدول العربية تتخذ مواقف متراجعة من الولايات المتحدة دون مقابل ويظهر ذلك بشكل واضح في الموقف من القضية الفلسطينية، ذلك أن هذه القضية ليست قضية أمنية وإنما هي قضية شعب شرد من أرضه منذ أكثر من خمسين عاما ولا يهتم العالم بحل مشكلته بل يطالبه بمزيد من الانضباط من أجل وعود غامضة كانت هناك فرص كثيرة لتحقيقها ولكنها لم تتحقق وآخر هذه الوعود إقامة دولة فلسطينية في الاراضي الباقية للشعب الفلسطيني وهو عرض قبل به الفلسطينيون ولكن الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل لا تتقيدان به ، فبعد أن كانت هناك خريطة للطريق تتجه نحو إقامة الدول الفلسطينية في أول سنوات القرن تراجعت الوعود إلي عام ألفين وخمسة حسب رغبة الرئيس بوش الذي تراجع عن وعده مرة أخري، ثم جاء بعد ذلك وعد أيهود أولمرت بأن هذه الدولة ستكون في عام ألفين وعشرة، وهذا وعد لا قيمة له لأن إسرائيل تتابع باهتمام كبير مواقف الدول العربية وهي مواقف مشينة وتضغط جميعها في اتجاه واحد وهو ضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل ولكن في مقابل ماذا؟ لا أحد يعرف، وتتخذ الدول العربية مثل هذه المواقف دون أن تتنبه إلي أن العقل الغربي بصفة عامة لا يحدد له سقف بل هو يرفع السقف بحسب ما يستطيع أن يحققه علي الطبيعة وطالما هناك تنازلات فإن العالم الغربي لا يقف عند حد، وهذه هي الحقيقة التي تنبهت لها إيران وتعاملت بها مع الإدارة الأمريكية ووضح تماما أنها إستراتيجية قد تحقق أهدافها، كما أن إيران لم تخدع بمواقف دول مثل فرنسا وروسيا التي تلتقي في نهاية الأمر مع المواقف الأمريكية وقد دلت التجارب علي ذلك، وعلي أن هذه الدول تتقاسم الأدوار في ما بينها ولكنها في النهاية لا تحقق إلا ما فيه مصلحة العالم الغربي.ولكن هل تغير الدول مواقفها؟الحقيقة هي أن الدول العربية لم تفكر في ما تريده من الولايات المتحدة وهي تتبع أساليب دفاعية كما هو موقف ليبيا ومصر والسودان وسورية. وجميع هذه الدول سلمت علي نحو أو آخر لما تريده الولايات المتحدة ولكنها مع ذلك تكابر وتدعي أنها تتخذ مواقف وطنية أو قومية مستقلة، دون أن ترسم الخط الفاصل بين ما هو وطني وما هو قومي وماهو تنازل صريح.وما نذهب إليه هو أن القضية الفلسطينية التي هي الأساس في تحديد موقف الولايات المتحدة من دول المنطقة لا تتعلق فقط بصراعات الفصائل كما تصورها وسائل الإعلام أو بإقامة حكومات صورية تحت راية الاحتلال، بل قضية فلسطين تتعلق أساسا بالأرض المستلبة سواء كانت منذ عام ثمانية وأربعين أو من عام سبعة وستين ودون حل هذه المشكلة وتحديد موقف واضح منها تظل مواقف الدول العربية ناقصة خاصة عندما تطلب هذه الدول من السلطة الفلسطينية تقديم التنازلات أمام إسرائيل أو الاعتراف بها كخيار لا مفر منه دون أن يكون هناك في الأفق ما يقابل ذلك.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية