في الرياضة عموماً، وفي كرة القدم بالخصوص، يكون التقدير والاحترام عادة للفائز بالمباراة أو المتوج باللقب، لكن إسبانيا التي خرجت من نصف نهائي كأس أمم أوروبا بركلات الترجيح أمام إيطاليا استحقت كل الثناء من طرف عشاق الكرة في العالم على مباراتها الكبيرة التي أجبرت منتخب إيطاليا على العودة إلى أصله وتقاليده الدفاعية على طريقة الكاتيناتشو لمواجهة مهارات الجيل الاسباني المبدع بقيادة بيدري وأولمو وفران توريس، الذين أرهقوا منتخبا لم يهزم في البطولة، ولم يتلق سوى هدفين في ست مباريات، ولم يخسر في ثلاثة وثلاثين مباراة في عهد المدرب روبرتو مانشيني الذي بلغ النهائي الرابع في تاريخ إيطاليا أمام منتخب يخرج للمرة الأولى من نصف نهائي المسابقة بعد ركلات الترجيح، ومباراة بطولية رائعة فنيا وبدنيا وتكتيكيا، بعدما بلغ النهائي في أربع مباريات نصف نهائية سابقة.
قبل بداية البطولة لم يكن أحدا يرشح إسبانيا للتتويج أو حتى بلوغ نصف النهائي في غياب المخضرمين راموس و بيكي، ومن دون لاعبي الريال الذين يغيبون عن قائمة المنتخب للمرة الاولى في تاريخ اليورو وكأس العالم، لكن مع ذلك تمكن من بلوغ نصف النهائي الثالث لإسبانيا في آخر 4 دورات من بطولة أوروبا، بعدما خاض 3 أوقات اضافية لأول مرة في الأدوار الاقصائية، مسجلا ثلاثة عشر هدفا، وهو أكبر رصيد لإسبانيا في تاريخ مشاركاتها في البطولات الكبرى، وأسال العرق البارد لإيطاليا في مباراة استحوذ فيها وضغط وخلق فرصاً للتهديف، وكان فيها أقوى بدنيا. تبديلات مدربه صنعت الفارق طيلة 120 دقيقة لعب، قبل أن يضيع أحسن عنصرين في المباراة ركلتي جزاء وهما الجوهرة الصاعدة أولمو، والمهاجم المخضرم ألفارو موراتا الذي عانى من ضغوطات وانتقادات جماهيرية وإعلامية كبيرة أثناء البطولة رغم خروجه هدافا تاريخيا لمنتخب اسبانيا في تاريخ البطولة برصيد ستة أهداف.
الفعالية الايطالية في نهاية المطاف تفوقت على الحيوية والمهارة الفنية الاسبانية، بعدما تمكنت من خلق فرص أخطر من دون استحواذ على الكرة، على عكس مبارياته السابقة التي كان فيها سيدا منذ مباراته الافتتاحية أمام تركيا الى غاية الاطاحة بالمنتخب البلجيكي في ربع النهائي، مؤكدا كل التوقعات والتكهنات التي كانت ترشحه لبلوغ النهائي على الأقل، بعدما سجل 12 هدفا لأول مرة في تاريخ مشاركاته العشر، محققا الفوز الرابع عشر على التوالي في جميع المسابقات، والسادس على التوالي في نهائيات اليورو لأول مرة في تاريخ مشاركاته، اضافة الى مواصلته سلسلة مبارياته التي بلغت ثلاث وثلاثين مباراة من دون خسارة في عهد المدرب مانشيني ليبلغ النهائي للمرة الرابعة في تاريخ إيطاليا التي توجت باللقب مرة واحدة سنة 1968.
المدرب الايطالي روبرتو مانشيني كاد يضيع كل ما بناه وحققه لحد الآن بعدما تخلى عن سر قوته في مباريات هذه البطولة، وهو الضغط العالي على المنافس في منطقته، ليلعب أسوأ مباراة له حسب المتابعين ويتراجع الى الخلف ليتحمل عبء المباراة التي كان فيها الحارس جانلويجي دوناروما حاسما في عديد المرات أثناء اللقاء وفي ركلة الجزاء الأخيرة التي سددها ألفارو موراتا، ويخرج بدروس سيستفيد منها في النهائي الأحد المقبل الذي سيكون مختلفا عن مواجهة اسبانيا، قد يحسم فيها بعد الوقت الإضافي وركلات الترجيح، ما يتطلب لياقة بدنية عالية وتركيزاً شديداً، وحظاً كبيراً ابتسم لإيطاليا التي خسرت النهائي مرتين خلال العقدين الأخيرين ضد فرنسا سنة 2000، واسبانيا سنة 2012 في نهائي لا يزال ذكرى سيئة للايطاليين.
مهما كانت الطريقة والأسلوب والصعوبة، فان إيطاليا تأهلت الى النهائي بعدما لبست ثوب البطل منذ بداية البطولة، أملا في محو أثار غيابهم عن مونديال روسيا الذي كان وقعه كبيراً على هذا الجيل الذي انتظر مجيء المدرب روبرتو مانشيني لينتفض بروح جديدة ونمط لعب مغاير، يجمع بين الصرامة الدفاعية والمتعة الهجومية بدفاع يجمع بين خبرة بونوتشي وكيليني، وشباب دي لورينزو وسبيناتزولا، ووسط ميدان مهاري يتشكل من جورجينيو وفيراتي وباريلا، وكذا الاكتشاف لوكاتيلي، اضافة الى هجوم مخضرم يقوده ايموبيلي ولورينزو انسينيي وكييزا وبيراردي، من الجيل الصاعد والواعد الذي يقود المرحلة الانتقالية للمنتخب الإيطالي بعد نكسة الغياب عن مونديال روسيا، واخفاقاتها المتعاقبة منذ التتويج بكأس العالم في مونديال ألمانيا 2006.
أما إسبانيا فقد أبدعت وأبهرت وتخطت حاجزا نفسيا سيجعلها أقوى بعد سنة ونصف السنة في مونديال قطر الذي ستكون فيه مرشحة برفقة ايطاليا وانكلترا وفرنسا عن قارة أوروبا بعدما نالت الاحترام واستحقت أن ترفع شعار “فورزا اسبانيا”.
إعلامي جزائري