امرأة ومدينة
زياد خداشامرأة ومدينةلا اطأ ارض هذه المدينة الا واتعرض للاختطاف، الهي انها الرؤيا ذاتها: ثمة امرأة تنتظرني هنا، قد تكون أتت وذهبت لأني تأخرت عليها، بسبب الحواجز الاسرائيلية، قد تأتي بعد قليل، لاني وصلت مبكرا، قد تكون ميتة ومدفونة هنا، لاني تخليت عنها، قد تكون موجودة هنا، لكنها غاضبة ولا تريد رؤيتي لاني خذلتها ومت، قد تكون عقدت صفقة مع زقاق ضيق من ازقة المدينة، فتبادلت معه الأدوار، تصبح هي زقاقا تتدافع فيه عربات الباعة واكتاف المؤمنين والجنود والعشاق، ويصبح هو امرأة، تفيض فيها انهار الرغبات الهاربة، يشتاق هو الي الرغبة، تشتاق هي الي الذاكرة، في كل مرة اهبط فيها الي القدس، ولا ادري لم احس ان الطريق الي القدس من رام الله يشبه طريقا منحدرا. احس ان القداسة ما هي الا اخت الخطيئة، وان المعابد والاديرة والطرق القديمة والاضرحة والمقامات لا تكتسب هيبتها ومعناها السماوي وعمقها الا في حضور الانثي، حولها او فيها، وان انوثة النساء لا تتجدد ولا تتعمق وتزداد سحرا وغموضا وظلالا الا في حضور الاسطورة او المعبد.قبل الانتقاضة الثانية، كنت اذهب الي القدس باستمرار، سائحا في طرقها وتاريخها، او زائرا لصديق مريض في مشفي او طالبا في رحلة مدرسية.في كل زيارة من هذه الزيارات القديمة، كنت احدث اصدقائي عن شعور غريب يتلبسني هناك: ثمة كائن هنا ينتظرني، يحبني، سيأخذني من يدي ويطوف بي الشوراع والحواري.لو قسمت المدن الفلسطينية حسب درجة انوثتها وذكورتها لكانت القدس سيدة انوثة هذه المدن، فالهمس الذي ينز من الاسوار القديمة العالية، اضواء الكنائس الخافتة ليلا في المساءات الصامتة، نعومة الادراج، خطوات الزائرين المتأملة، دموع المؤمنين، امام الايقوانات الموغلة في السكون، كل ذلك يضعني امام امرأة من نوع خاص، امرأة سائلة مثل زمان ومتجمدة مثل مكان، انا في القدس الان، قبل قليل وصلت، قاطعا طريقا ترابيا بعيدا عن اعين الجنود، اتعرض لانخطاف جديد، لكنه غريب هذه المرة، بدأت احس بالدوار الخفيف، ارض القدس ثقيلة تحتي، قدماي خفيفتان، هل بدأت افقد الان احساسي الطبيعي بالاشياء، عند باب العامود، شعرت اني سألتقي بها بعد قليل، قالت لي انها ستكون مع عائلتها الكبيرة، الاب والام والجدة والجد والاخوة والاعمام والعمات، وانها ستجد صعوبة في رؤيتي بسهولة، امشي الان في الازقة، كأني امشي فوق اجساد بشرية، خائفا، محاذرا ان ادوس علي ضحكة فارس من فرسان سالم اليبوسي، ملك يبوس او علي ذاكرة عظام ضحايا مجزرة يبوس التي قام بها المحتلون الفرس، لا استطيع ان انسي تلك الواقعة، فقد كنت احد شهودها، اختبأت في مغارة قريبة من بركة ماميلا، قتل الفرس الالاف من اهل يبوس، فقد فتحوا ثغرة في السور وهجموا علي الناس اطفالا ونساء ورجالا، وثقت ذلك في مخطوط سيعثر عليه بعد الاف السنين ذات ظهيرة كـاتب فلسطيني من رام الله، خبأت المخطــوط في ثنايا حجارة الغرفة الثانية من برج كنيسة قديمة تقع بالقرب من كنيسة القيامة، سيكتشفها الفلسطيني بينما كان يهم بتقبيل حبيبته، سيستغرب، من طرف قطعة قماش يطل من شق ضيق جدا بين حجرين كبيرين، سيشد القماشة وسيقرأ هو وحبيبته المذهولة: مخطوطة الراهب انديقوس سترايتوس 614 بعد الميلاد، سيصيب الرجل والمرأة ما يشبه الغيبوبة الوحشية وتختلط عليهما الازمان، وتسيل الاماكن، من هما؟ يتعانقان، تعضه من عنقه، يعضها من اصبع يدها الصغير، فعلا ذلك حتي يصحو حاضرهما، بلا جدوي، فصحيا فجأة علي بكاء قريب لرجل ما، هبطا من البرج، كان ارميا النبي حزينا، يمشي ببطء نحو بيته، سألته الحبيبة: الي اين يا نبينا الحزين؟ سأذهب الي البيت يا ابنتي فلم يكترث احد لنصائحي، لقد يئست من غباء قومي، قلت لهم لا تثوروا في وجه البابليين، فلم يستجيبوا بل سخروا مني واتهموني بالجبن، وها هو نبوخذ نصر يسبي قومي وينفيهم الي بابل، كنت معه قبل قليل وقد اطلق سراحي قائلا لي : بئس قوم عصوا رسول ربهم، ما زلت انتظر صديقتي هناك، هاتفتني قائلة : زياد ليس هناك الا طريقة واحدة، هي ان تأتي مع صديقة لك لتنتشلني من اهلي، اقف الان امام الاف الناس من قومي، اننا نحتـفل ببناء يبوس وتخطيطها الجديد، انا كاهن الرب الاعظم، اسمي ملكي صادق، ملك يبوس، لم ارق دم احد يوما، لم اغش امرأة قط، بعد الاحتفال سأجتمع مع ابراهيم، فهو في طريقه الي مصر عبر يبوس، سأقدم له الخمر والخبز كهدايا، يبوس ستبقي محصنة امام الاعـداء، فقد بنيتها فوق اربع تلال: تل صهيون، وتل موريا، و تل بزيتا، وتل اوفل. علي تل اوفل وقفت معها، كانت مندهشة من قرب ايادينا من السماء، صحت بأعلي صوتي: مدي يدك، الي الاعلي، الا تحسين بيد الله، كانت تتراكض بين مداخل الغرفة الرابعة والاخيرة في البرج كظبية مجنونة تطارد مفترسها، اخرجت كاميرتها وصورت قبة الصخرة، يبوس تحتنا، كنا نراقب جلسة في قلعة قريبة من البرج، ثلة من قادة يبوس مجتمعين حول صخرة صغيرة، يناقشون فكرة ارسال رسول الي فرعون مصر لينقذهم من غارات بني اسرائيل المتزايدة، علي ارض كنعان. في سرير غيابي الاخير، ما زلت انتظر موتي وانتظرها، هي تعرف اني منذ شهرين في مشفي مار الياس القديم، مشفي المحتضرين، الذي يقع بالقرب من فندق نيوتردام، امام باب الخليل، اعيش ايامي الاخيرة، بعد ان نهش السرطان كبدي، الصمت والخوف هما اميرا المكان في هذا المشفي، البارحة غاب رجل كان ينام بجانبي، عن الوجود بعد اسبوع من حضوره الي هنا، لا اعرف متي سأغيب، لكني اعرف اني احضرت الي هنا تمهيدا لغياب قريب، لم يزرني احد منذ احضروني الي هنا، حتي هي، المرأة التي سكنت ضلوعي، قالت انها ستأتي، لكنها لم تفعل بعد، بشكل عام لا احد يزور احدا هنا. لا وجود لباقات ورود او حلوي، او اطفال يتحركون في الحديقة.من الجنوب كان وادي حنوم يلمع بمائه المتدفق، من الشرق بدا وادي قدرون ناحلا وحزينا، امسكت يدها وركضنا باتجاه باب الخليل، كنا نلهث، فقد هجم داوود علي يبوس قاصدا احتلالها، امامنا الالاف من الناس يركضون، ثلاثون الف مقاتل بقيادة ابن اخت داوود واسمه يوأب، يفتكون بالناس، ذبحا وتشريدا، فرسان يبوس يقاومون بقوة، لكن المعتدين تمكنوا من احتلال تل اوفل، المطل علي قرية سلوام، اخذتنا اقدامنا المنهكة الي عين روجل، النبع الوحيد الذي يستقي منه شعب يبوس، وفجأة رأينا مجموعة من المعتدين يهجمون علي النبع، ويغلقونها، حتي يعطش الناس ويموتوا . في كنيسة القيامة، سألتها : اتشعرين برهبة في الكنيسة مثلي، اجابت بنعم، لم لا نشعر بذلك في اماكن العبادة الاخري؟ اطرقت ولم تجب، بعد ايام ستتصل بي من مدينتها البعيدة، لتقول : فكرت في سؤالك، ان رسومات الجدران في الكنائس تحكي قصصا كثيرة، الصورة والحكاية، هنا الرهبة، احنيت رأسها علي كتفي، قبلت شفتيها بهدوء لص واثق من خلو الشقة من اهلها، ضغطت علي نهدها فارتشعت، وفجأة دخلت هيلانة ام الملك قسطنطين، كان يحيط بها العشرات من الحراس الاشداء، ارتبكنا، من المفاجأة، لكن ابتسامة ام الملك طمأنتنا. سمعناها تسأل من معها : اين موضع الصليب؟ فأخبرها شخص اسمه الاسقف مقاريوس، ان اليهود اهالوا عليه التراب والزبل، فأمرت امامنا باحضار رجال الكهنوت، وطلبت منهم ان يرفعوا الزبل، ثم استخرجت بيدها ثلاثة من الخشبات، خشبة المسيح والخشبتين اللتين صلب عليها المسيح، وسألت الاسقف: اين خشبة المسيح؟ فأشار عليها بيده، وامرت ببناء كنيسة القيامة علي الموضع. رن هاتفي الخليوي، انها هي، تقول لي: انا قادمة اليك انتظرني، فقد هربت من أهلي، وهم الان يبحثون عني، كنا نسير مع الاف المسبيين مصفدين بالاغلال، كانت خائفة وكنت مرعوبا، اننا منفيون الان الي بابل مع أهلي وأهلها، ثمة رجل مجنون اسمه نبوخذ نصر يأخذنا الي هناك، عقابا لنا علي انتفاضتنا ضده، وداعا يا اور سالم، يا مدينة الحب والمجازر والتلال، نهبط الآن درج باب الخليل، دفؤها في بردي، تحمل في يديها سترتها السوداء، منديل ازرق حقيبة جلدية صغيرة، كاميرا، وتفاحة حمراء، ضعنا في الدروب، قادنا تلاميذ المدارس الي طريق تقود الي البرج، لا أحمل انا سوي ارتباكي، جلسنا علي مقهي شعبي، ذهل صاحب المقهي لوجود امرأة عربية جميلة في مكان مخصص فقط للرجال، اهدتني خاتما، اهديتها قلما، التقطنا صورا لنا، علي باب المقهي كان يقف رجل اشوري قاسي الملامح وغريب، انه احد محاربي جيش شلمنصر ملك اشور، القدس تحت احتلال جديد، صاحب المقهي يعتذر منا، يريد ان يغلق مقهاه، ويذهب الي البيت، فستنشب معارك لمقاومة الاشوريين بعد قليل، يا الله! الا يمل الغزاة من غزو هذه المدينة؟ هاتف غزالتي يرن، انهم اهلها: اين انت يا مجنونة؟ نضحك ونركض في ازقة القدس.ما زلت انتظرها، وحدي في القدس، نصعد درجات البرج القديم، قال لنا الحارس: معكما فقط نصف ساعة، الدرجات لولبية وضيقة جدا، نسمع اثناء الصعود صوتا يشبه محركات طائرة، تقلع للتو، انه الريح، اقول لها بينما هي صامتة تواصل الصعود اللولبي، حين نصل الي سطح البرج، اتراجع الي الخلف، ارتعب انا من هول الارتفاع، تضحــك هي وتتهـــمني بجبن، فاسرع الي شفتيها، احتمي بمنخفـــــضاتها، في الغرفة االاولي، انحــــني علي نهدها، اخرجه ببطء مذعور، تشهق هي، فتعضني من عنقي، مرتين، نمشي باتجاه باب العمود، نفاجأ باهلها، يتسوقون، نراهم ولا يروننا، تصعق هي واهرب انا، وبعد لحظات تمطر السماء بقوة، انظر خلفي لأ راها، فلا اراها فقد غطت المشهد رؤوس واكتاف كثيرة يزدحم بها الزقاق، سألني حارس البرج: اثناء خروجي: ما هذه الصخرة التي تحملها بين يديك؟انها احدي صخور كثيرة سقطت امامي من السور، اجبته. استغرب الحارس، واصل اسئلته: لا تؤاخذني يا استاذنا، بعض السياح قالوا انك كنت تقبل جدران الغرف، وكنت تتحدث مع نفسك، لم اجبه، واصلت طريقي الي رام الله، هاربا من الجنود الاشوريين الذي يطاردونني منذ الصباح لاني لا احمل تصريحا للدخول الي يبوس، بيدي خاتم فضي، علي عنقي عضتان.كاتب من فلسطين0