الادب الخاضع للرقابة يمكنه ان يصبح حلميا وعجائبيا!

حجم الخط
0

الكاتب الروماني الفرنسي ماتيي فيزنييك:

أجرت الحوار: آن بيتلو

عرضت فرقة مسرح أفروديت يوم الجمعة 17 شباط (فبراير) مسرحية نوستالجيا بمسرح المركب الثقافي المهدي بن بركة ـ الرباط ـ، والمأخودة عن نص للكاتب المسرحي ماتيي فيزنييك lhistoire des ours panda raconte par un saxophoniste qui a une petite amie … francfort 1992 ـ 1993 قصة دببة الباندا يرويها عازف سكسفون له خليلة بفرنكفورت، من اخراج عبد المجيد الهواس ورضا العبدلاوي. حكاية مسرحية تبدأ علي ايقاع استيقاظ السيد بيلهول وبجانبه جسد امرأة، فيتداخل الحلم بالواقع، وتتوالي الحوارات العاشقة، وتحضر عناصر الفرجة يحتل فيها صدق الاداء وجمالية السينوغرافيا التي تعززها لوحة الرسام البلجيكي ماغريت بانسيابيتها داخل فضاء الركح المسرحي. لتزيده بهاء ورونقا فالحب والقدر والموت ثلاثة وجوه للمرأة المثالية في هذه المسرحية. نقدم بهذه المناسبة نبذة موجزة عن هذا الكاتب المسرحي مع ترجمة لاحدي حواراته بمناسبة عرض احدي مسرحياته:du sex de la femme comme champ de bataille dans la guerre du bosnie. /actes sud-papiers ;paris 1997. ولد ماتيي فيزنييك برادوتس شمال رومانيا، في 29 كانون الثاني (يناير) 1956، تشكلت حساسيته الفنية من قراءته لكافكا، لوتريامون، وحبه للسورياليين والدادائيين ومسرح العبث والغروتيسك والادب العجائبي؛ كما أحب الواقعية السحرية لرواية أمريكا اللاتينية، والمسرح الواقعي الانكلوساكسوني. شاعر، نشر نصوصه الأولي سنة 1972، درس التاريخ والفلسفة قبل أن يبدأ كتابة المسرح سنة 1977 . كتب ما يقرب من عشرين مسرحية ما بين (1977 ـ 1988) وكلها منعت من طرق رقابة رومانيا في عهد نيكولاي تشاوسسكو. ومن ثم فقد دفعته الضرورة الي طلب اللجوء السياسي الي فرنسا، حصل سنة 1987، علي الجنسية الفرنسية سنة 1933، يعيش اليوم بباريس، ويشتغل لفائدة اذاعة فرنسا الدولية (RFI) كصحافي.

كاتب غزير الانتاج، تحول الي الكتابة باللغة الفرنسية مستغلا عددا كبيرا من الأجناس الأدبية، يتقاطع فيها العجائبي بالحلمي. مناضل ثقافي، يعتقد بعمق بأن المسرح والشعر باعتبارهما فعلين فنيين بامكانهما أن يدينا و يفضحا عقلية المناورة وغسيل الدماغ التي تقف وراءهما الايديولوجيا. وللأسف غرقت رومانيا شيئا فشيئا في بحر الديكتارتورية، فاشتد بحثه ليس فقط عن بلد ما، بل عن لغة للتبني، تنصت لكلامه. في سن 31 (الواحد والثلاثين) من عمره استقر بباريس، وصلت أعماله المسرحية إلي أربعين عملا: له رواية، ومجموعة من الكتابات المحظورة، وحده الشعر استطاع أن يخرق به هذا الحظر Le sage l’heure du th/ الحكيم في لحظة احتساء شاي /الذي حاز به علي أفضل جائزة لكتاب الشعر لسنة 1984. من المنفي السياسي الي الجنسية الفرنسية، اعتبر هذا الانتقال ميلادا جديدا، وطعما ومذاقا آخر لكتاباته المعروفة بدقتها المدهشة، ومسرحه المرتبط بما هو انساني، وكل ما يكشف التصدعات اليومية التي يحياها الانسان مسرح التفكه humour المصنوع من العبث، والعجائبي بها يرسم تناقضات المجتمع المعاصر وانحراف الحضارة؛ وأزمة المثاليين. عالم كافكاوي بامتياز. عرضت مسرحيته (امرأة كساحة حرب) في مسرح crve- cur بكولوني في فرنسا. أدان ماتيي فيزنييك في هذه المسرحية الاغتصابات الجماعية التي استعملت كأداة حرب في البوسنة، عبر المواجهة المؤلمة بين دورا المغتصبة والحامل؛ وكات Kate العالمة النفسانية الأمريكية التي أرادت أن تساعدها مهما كان الثمن.

تطرح هذه المسرحية أسئلة جوهرية تحاول دائما أن تفهم كي تكون قادرة علي تجاوز الوحشية، يقول فيزنييك موضحا ذلك: طموحي هو أن أثير الوعي بواسطة عاطفة قوية. تعتبر مسرحياته من أكثر المسرحيات عرضا.

يتحدث في هذا الحوار عن هذا العمل، وعن الكتابة، وعن الحرب بفرنسية متقنة، وغنائية وفيرة، يهيم فيزنييك وراء نضارتيه في لجة البحث عن كلمة دقيقة، كان لنا اللقاء برجل حميمي، ذي حساسية عالية تلمس نياط القلب. معني أن تكون رومانيا، هل يمنحك وضعية مثالية كي تتحدث عن الصراع البوسني في مسرحيتك امرأة كساحة الحرب. نعم، كانت لي رؤية داخلية وخارجية في نفس الوقت، لقد كانت الحرب تجري علي الحدود الرومانية، انني أعرف هذه المنطقة، كما أعرف كم هو صعب الخروج من الشيوعية، مع العلم أنني أعيش في فرنسا، وبمعني ما انني صحافي في اذاعة فرنسا الدولية، لقد تلقيت كمية من الأخبار المرعبة جعلتني طريح الفراش.

كانت لي رغبة في ابداء رد الفعل، وخصوصا عند ما سمعت أخبارا عن اغتصاب جماعي. ولهذا حاولت أن أعطي الكلمة للنساء وأن أخلق حوارا بين الشرق والغرب من خلال كات العالمة النفسانية الأمريكية المتشبعة بالنظريات والاعتقادات. لكن للأسف كل ما تعرفه هذه الشخصية ذهب سدي، أمام حدوث دراما واقعية، لم يتبقّ الا الحوار، الحنان، والزمن الممنوح للاخر، وكفاءة التورط شخصيا الي حدود درجة الوعي. أظهرتم في عملكم أن الاغتصاب يحطم هوية (دورا)، ولكنها رغم ذلك تقرر في النهاية، الاحتفاظ بطفلها. انها استعارة لا يجب الاعتقاد بأن دورا قد خرجت منتصرة من التجربة فقــد اقترحت مع نفسها ببساطة ما اذا كانت ستري طفلها طفلا سويا. وسط هذا الرعب حاولت دورا تجريب التفاؤل داخل الصراع، ليست للمستقبل من مادة سوي رعب الحاضر، لا يمكننا أن نبني فوق الفراغ، ولن ننسي أبدا ذلك، ولكنها وضعية مفارقة: فأن تقاضي كل المتهمين سيستغرق سنوات، وسيوقف عجلة المجتمع. ولهذا يجب في بعض الأحيان قبول هذه اللاعدالة، كي نعيش يجب أن نسرع البحث عن منفذ لهذه الدراما. كيف ترون مستقبل المنطقة؟ لم يضمد بعد هذا الجرح، فكثير من النساء يبحثن عن أقاربهن المفقودين، لقد انتهت الحرب، ولكن الأسباب التي أشعلت فتيلها لم يتم احتواؤها كاملة: لقد فرضنا السلم لكنه سلم لم يأتِ من الداخل، فالمستقبل الآن هو بناء أوروبا، هذا هو المشروع الذي له صلاحية البقاء، فعوض أن نفكر في صربيا الكبيرة، فاننا ننظر الي أوروبا التي تبدو كعلاج بديل، وكنموذج، وأمل لتضميد الجراح. هل تغيرت كتابتكم بعد أن تخلصتم من الرقابة؟ لقد خنقت الرقابة الكليانية للدولة، وأنهكت ملايين الكتاب، وجد البعض في المتخيل وسيلة للالتفاف، والانتصار عليها. في رومانيا، تمكنت من نشر نصوص تنسف النظام، لقد عثرت علي استعارات، واليغوريات من الصعب مراقبتها، سجل بكامله مشفرن يملك الجمهور مفاتيحه، لا يمكن للمراقبين أن يمنعوه. انه أدب حلمي، عجائبي، واستعاري، كل ذلك ما عدا الواقعية الاجتماعية. لم تعرض مسرحياتي بسبب أن السلطة كانت تخاف من المسرح، مسرح له قوة خارقة، لغة مباشرة أمام جمهور دينامي يمكن لمجرد اخراج بسيط أن يكون رافضا، فعندما بدأت حياتي المسرحية في فرنسا، عرضت كل مسرحياتي، وجد فيها المخرجون السؤال عن الهوية، ومكانية البحث عن معني وجودي في عالم منحرف، بل وجدوا فيها ثيمات ملاءمة ولو في خضم ديمقراطية ليبرالية، في عالم حر، تكون فيه مسألة التعرف علي الخصم صعبة. منذ سنة 1992 وأنتم تكتبون باللغة الفرنسية ثم تترجمون مسرحياتكم الي اللغة الرومانية فماذا يعني هذا بالنسبة لكم؟ لقد أتاحت لي اللغة الفرنسية امكانية نشر أعمالي في الخارج، ترجمت الي لغات عدة، ان رومانيا محبة لفرنسا، أعرف جيدا الأدب والثقافة الفرنسيتين، فمنذ مجيئي الي فرنسا لم أحس البتة أنني لاجئ، لم أتألم من الابعاد. وقد تكون مسرحياتي مختلفة ان كتبتها في رومانيا. فاللغة تحمل أحيانا موضوعا ما، وتفرض نوعا من المعالجة، مع موسيقي ما، وتلميحات ثقافية. ان اللغة الفرنســـية هي لغة ديكارتية ثابتة جدا، وواضحة، وتمتلك بعضا من الصرامة في بنائها، بينما اللغة الرومانية مؤهلة أكثر كي يخلق فيها الغموض لانها تزاوج اللاتينية بالسلافية: حيث يمكن للكلمتين مثلا أن تؤديا الي نفس المفهوم، انها لغة فتية تمتلك كثيرا من الثراء والشعر.

ترجمة: سعيد بن الهانيالحوار مأخوذ من:Le courrier. Le courrier /ch.www

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية