التاريخ المتجدد في رواية «المؤابي» للأردني سامر المجالي

التاريخ المكتوب هو تاريخ السلطة في أشكالها كافة، ويميل إلى المبالغة والبهرجة والنفاق والتزوير، أما تاريخ الشعوب، تاريخ المحكومين، وحقيقة حياتهم ومعاناتهم، فمُغيب، لا يأبه به أحد، ولا تسجله الكتب إلا في ما ندر، ومن هنا يأتي الأدب لينقل بعضا من جوانب التاريخ الشعبي، ومشاعر الناس وأحوالهم. وفي العصر الحديث، لعبت الرواية دوراً كبيراً في التأريخ للشعوب، من خلال ما تصوره من أحداث وصراعات ومعاناة وهموم ومشكلات وقضايا، وتعكس آمال الناس وآلامهم، وأحلامهم وخيباتهم، وأفراحهم وانكساراتهم، وما يتعرضون له من ظلم وعدوان، وغير ذلك مما يتسع له فضاء الرواية الواسع المفتوح.
تتناول رواية «المؤابي» لسامر المجالي فترة حرجة ومضطربة من تاريخ منطقة الكرك في جنوب الأردن خاصة، والمنطقة بشكل عام، ولا شك في أن الرواية ليست تسجيلاً حرفياً لما حدث، لكن الأحداث الرئيسية والمفاصل الكبرى حدثت بالفعل، وكثير من الشخصيات حقيقية، لكن التفاصيل، وربط كل ذلك في نسيج روائي، من خيال الكاتب الذي نهل من مما سمعه، وما تناقله الأجداد عن تلك الأحداث، وربما سمع ممن عاصرها، خاصة أنها لم تتقادم بعد، وما زالت تروى في المجالس، خاصة ثورة الكرك «الهية» 1910، أي أن خيال الكاتب اغترف من تاريخ مروٍ حديث عهد، وبنى حكاياته وأحداثه بما يتوافق مع رؤيته لتلك الفترة الحرجة في تاريخ المنطقة.
الملاحظة الأهم في الرواية أن لا ملائكة ولا شياطين فيها، ولا وجود للبطل الخارق والشخصيات المثالية، فالكل بشر من لحم ودم، ولكل إيجابياته وسلبياته، وفيه ما يمدح وما يذم، وجاءت تقنية تعدد الأصوات، لتعطي كل شخصية حقها في الكلام، وإبداء الرأي وتوضيح وجهة نظرها، وتسليط الضوء على الأحداث من زوايا مختلفة. وفي هذه الرواية افتتح الراوي العليم فصلها الأول، لوضع القارئ في جوها العام، ثم تناوبت أصوات عدنان وسلامة وفارس طوال الرواية، واختتمها أنيس الموصلي برسالته إلى والده قبيل استشهاده في ميسلون 1920.
تناولت الرواية أحداثًا كثيرة عصفت بالمنطقة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ومن أهمها: ثورة حوران، ثورة الكرك «الهية» صراعات السلطة في إسطنبول، إعدامات جمال السفاح، القوميون العرب، الثورة العربية الكبرى، معركة ميسلون، وغيرها. واللافت في هذه الرواية الجميلة الكم الكبير من الزعامات التي لعبت أدواراً في أحداث الرواية، وتنوع هذه الزعامات واختلافها وصدامها أحيانا؛ فهناك زعامات متوارثة أبًا عن جد مثل: السلطان عبدالحميد الثاني، وعدنان كريّم، وأبو أنيس الموصلي، والأمير فيصل، وزعامات أبرزتها الظروف مثل سلامة، وغالب بن عويد، ونور الدين فخري، وجمال باشا، والبرغوث، وزعامات فتية نشأت في بيوت الزعامة والسيادة مثل، فارس وأنيس، ولم يخل الأمر من زعامات نسائية فاعلة مثل أم عدنان وزوجته حمدة، وهذه الزعامات بعضها عشائرية بدوية، وبعضها حضرية مدنية، وبعضها بين بين، ولكل سماتها وخصائصها المتشابهة والمختلفة.

2021-07-09_19-19-13_764124

سامر حيدر المجالي

طغت العلاقة بين عدنان وسلامة على معظم أحداث الرواية، هذه العلاقة الإشكالية التي بدأت بالإعجاب والترابط والمتانة، ثم تطورت إلى الاختلاف والخلاف والتباين، وانتهت بالنفور والتصادم والقطيعة الأبدية. ولا يمكن أن نحمل أحدهما مسؤولية ذلك، فالظروف أكبر منهما، وطموحات الإنسان تحدد مساره، ولا أحد عبد للآخر حتى يذعن له، وإن كان صاحب سابقة وفضل.
كان عدنان زعيما فذا، وقائدا ذكيا، صاحب عزيمة وتخطيط وقوة وبصيرة نافذة، وخبرة بالرجال، وصبر على تصاريف الأيام وتغير اتجاهات الريح، ولم يكن متسرعا أو منقاداً لغيره، يشاور من حوله ويحفظ لهم مكانتهم، يجمع ولا يفرق، ولذا دانت له سيادة قبيلته وما حولها في منطقة الكرك، واعترفت بزعامته السلطنة العثمانية ومن بعدها الأمير فيصل، ونال الحظوة والباشوية والمكانة المرموقة، لكنه في الوقت نفسه كانت تحركه حساباته الشخصية ومكاسبه التي فقدها، أو يوشك أن يفقدها، وكان في دهائه نوع من الخبث عندما ترك قبيلة اليونس وعصابة البرغوث يقتتلان حتى يضعف أحدهما الآخر، وعندما حقق المراد، انتصر لليونس وقضى على البرغوث وزمرته، وعندما قدم جيش الأمير فيصل، دون التنسيق مع عدنان، قام الأخير بمناوشته لإيصال رسالة له بأنه هنا، وأنه رقم لا يمكن تجاوزه، وكان له ما أراد وزيادة، كما أن عدنان لم يتقبل ما وصل إليه سلامة من مكانة ومناصب وحظوة واستقلالية، ولم يرق له أن ينفرد سلامة بالرأي والقرار دونه.
في المقابل، كان سلامة ذكياً، طموحاً، مجتهداً، صاحب أحلام واسعة، وخبرة بالسياسة وتقلباتها، ومعرفة بموازين القوى في تركيا والشام، ارتقى المناصب بسرعة لكفاءته وجدارته، لكنه كان متسرعا للوصول وقطف الثمرة قبل أوانها، حاول بث الخوف والرعب في قلب عدنان وحمدة على ابنهما فارس، لما رآه منافساً قويا محتملاً له في المستقبل، كما أنه سخر من زعامة عدنان التي عفى عليها الزمن، حسب رأيه، وأنها لم تعد تناسب المرحلة. كانت بداية تحول العلاقة بين عدنان وسلامة عندما فشلت توقعات سلامة في ردة فعل الجيش العثماني على ثورة الكرك، فقد طمأنهم بأن الخلافات ستحول دون تدخل الجيش في منطقة على الأطراف، بالإضافة إلى فصل الشتاء الذي يعيق الحركة، لكن حدث العكس، وسرعان ما تدخل الجيش، وقضى على الثورة، وعاقب أهل المنطقة بشدة، ولم يكن سوء تقدير سلامة هو السبب فقط، بل تسرع حلفاء عدنان وقتلهم عددا كبيرا من الدرك قبل بدء الثورة؛ ما أغضب السلطة، فسارعت ثأراً لكرامتها وقطع الأيدي التي تتطاول عليها.
الخلاف بين عدنان وسلامة، كان يمكن أن ينتهي لو خلصت القلوب من المطامع والأهواء، بما ينعكس قوة على الجميع، لكن عدنان رأى في سلامة خطراً، وسلامة رأى في عدنان زعيماً مستهلكاً، وكانت الغلبة لدهاء عدنان، وآثر سلامة الانسحاب بعد أن تبخرت أحلامه.
يمكن أن تصنف «المؤابي» بأنها رواية تاريخية؛ لأنها اعتمدت على أحداث وشخصيات تاريخية وأماكن معروفة، خاصة أنها تعود لمئة سنة وما قبلها بأربعة عقود تقريبا، لكن الرواية لا تحفل بتلك الفترة على وجه الخصوص، لكن تستحضر تلك الأحداث وما ارتبط بها؛ لأننا ما زلنا نعيش هناك، ولم تختلف الأمور كثيراً، وإن حدث فاختلاف شكلي لم يمس حقيقة الأشياء وجوهرها، بل الأدهى من ذلك، أننا نعيش في التاريخ ولم نخرج منه إلى الواقع، ما زلنا أسرى الماضي ودهاليزه، لم ندخل بوابة الحضارة بعد، وليس لنا وجود حقيقي فاعل على مسرح الحياة، ذهب الأتراك وحل محلهم خصوم الأتراك، وما زلنا متفرقين متناحرين على الرغم من قرن وأكثر من الجمعيات والمنتديات والأحزاب القومية، قامت ثورات شعبية في غير بلد عربي، وما زلنا نكتوي بنار التأديب والبطش، ربما لا يوجد خلفاء لعدنان، لكن خلفاء سلامة كثر، ونسل البرغوث بلا حصر، يتحكمون في مفاصل الدول وقراراتها ومقدراتها ومستقبلها.
وبعد؛ فإن «المؤابي، عمان: الآن ناشرون وموزعون، 2020، 230 صفحة» هي الرواية الأولى للكاتب الأردني سامر حيدر المجالي، وهي رواية عميقة، تدعو للتفكير وإعادة النظر في أحوالنا المعاصرة، كتبت بلغة جميلة، وسرد ممتع، وتبشر بروائي مبدع، وعن الروائي والرواية تقول الكاتبة وزيرة الطراونة: «إن هذا العمل الروائي المُتقَن حد الإبداع خضع للقياس الدقيق في هندسة الحَرف والظرف، وأن المجالي يمتلك مهارة هندسية لغوية، تفوقت في نحتِ لوحة فنية أدبية تاريخية، غاية في البهاء واكتمال الجمال. والأحداث مرتبة متناغمة كأنما رُسِمَت وتسطرت في مخيلة القارئ مثل حديقة أنيقة، مُنظمة، مُنسقة بِيد متخصص محترف، حَوَت كائنات أسطورية ولدتها أشعة الشمس، ولتتوازن بيئتها الطبيعية كان لا بُد من برغوث مُعتد، ورغم إمكانياته وقدراته، فإنه ضئيل أمام قوة وعزيمة عدنان ورجاله الفُرسان. وأن للهندسة حاسة سادسة يستهدي بها الأدب؛ كي ينسج حكايات الجَدات اللواتي برعنَ في حقن فؤاد عدنان بمضادات الخوف من مادة الخوف نفسه، وهذا قانون الطبيعة الذي تبنته مدارس الجَدات التي لا تحيد عن التربية على المبادىء والشجاعة وتوارث الفروسية».

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية