الدوحة ـ»القدس العربي»: لفتت التصريحات النارية المتبادلة بين الرياض وأبو ظبي، وخلافات البلدين حول اجتماع تكتل أوبك بلس لتحديد سقف الإنتاج، الأنظار لحقيقة الصراع بين بلدين (السعودية والإمارات) كان ينظر لهما إلى وقت قريب أنهما حليفان، يجمعهما الكثير.
وأثارت تصريحات سهيل المزروعي وزير الطاقة الإماراتي مطلع تموز/ يوليو انتباه الصحافيين، أن حصص أوبك «غير منصفة» لتسلط الضوء على حقيقة موقف بلاده من تفاهمات كانت ترتب في الكواليس بقيادة الرياض.
لكن مفاجأة أخرى ظهرت في 5 تموز/يوليو عندما تم تخلي الوزير الإماراتي، عن اجتماع للكارتل وحلفائه، وبخاصة روسيا، حيث يعرف باسم أوبك زايد، نتيجة للخلاف.
وتسببت الإمارات في إلغاء اجتماع وزراء مجموعة أوبك بلس وتعليق محادثات تتعلق بالإنتاج، ومضت في تنفيذ أجندتها، في تحد صارخ لقرار حليفتها السعودية، وهو ما يعزز من التسريبات التي تتحدث عن خلافات عميقة بين البلدين، حول عدد من القضايا.
ودعا الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي، أكبر مصدر للنفط في أوبك، دعا أبو ظبي علناً إلى «شيء من التنازل وشيء من العقلانية» للتوصل لاتفاق. لكن تعنت الإمارات واعتراضها على تمديد مقترح لقيود الإنتاج لثمانية أشهر إضافية، أفشل مناقشات على مدى يومين، ولم يتم إحراز تقدم، وهو ما اعتبر طعنة وجهتها أبو ظبي للمملكة، حيث أدى النفق المسدود الذي سببته الإمارات لإلغاء اجتماع التكتل المنتج للنفط، ولم يتم الاتفاق على موعد جديد.
وسريعاً علقت مجلة «إيكونوميست» على «الهوشة» بين السعودية والإمارات بشأن كميات إنتاج النفط باعتباره أمرا نادرا، ذلك أن مواقف البلدين كانت على الأقل ظاهرياً، تبدو وكأنها متوافقة دائماً.
وتحت عنوان «خلاف على الغنائم: الصدع السعودي- الإماراتي داخل أوبك هو إشارة عن الأشياء القادمة» قالت إن تراجع الطلب على النفط يدفع بعض منتجي النفط إلى تحويل احتياطاته إلى مال.
وأضافت أن تجار ومحللي النفط دائماً ما اعتبروا السعودية والإمارات مع الكويت جوهر منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط «أوبك».
السعودية تشدد في تصريحات مسؤوليها، إن العالم وضع الحلول في يدها هي وروسيا، وإنها تحرص على مصالح كل الدول المنتجة، لكن بالمقابل أكدت الإمارات تعرضها للظلم وتعهدت بالدفاع عن حقوقها على حد وصفها.
الادعاءات التي أطلقتها أبو ظبي وحاولت التسويق لها، لم تلق قبولاً في أروقة مقر أوبك، واعتبرت تحدياً صارخاً موجه أساساً للرياض.
وقال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان إن المقترح السعودي الروسي بشأن تمديد اتفاق خفض الإنتاج حظي بقبول الجميع، ما عدا دولة الإمارات.
وهو ما دفعه للتأكيد أن التوافق موجود بين دول أوبك بلس ما عدا واحدة، وإذا كانت هناك تحفظات لدى أي دولة فلماذا سكتت عنها سابقاً؟
ومضى الوزير السعودي أبعد، حينما قال علناً: «أحضر اجتماعات أوبك منذ 34 عاماً، ولم أشهد طلباً كطلب الإمارات».
وانتقدت الرياض على لسان وزيرها للنفط، حليفتها السابقة أبو ظبي، التي اقترحت تأجيل اتخاذ المجموعة قراراً بشأن تمديد الاتفاق، وطلبت «مراجعة نقاط الأساس المرجعية التي تحسب تخفيضات أوبك بلس على أساسها».
خلافات سابقة
التباين بين «الحليفين» بدأ قبل الخلاف النفطي، وبينما يقول مراقبون إن القطيعة الكاملة أمر مستبعد بين الدولتين، فإن الروح التنافسية الجديدة ستزداد حدة على وقع التغيير الكبير الذي تشهده السعودية.
الاعتراض الإماراتي العلني على موقف السعودية، يعزز من تأكيدات مصادر متابعة لعلاقات البلدين، من أن الخط مقفل بين الرياض وأبو ظبي، والعتب السعودي تحديداً من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، لحليفه السابق الشيخ محمد بن زايد، بلغ مرحلة متقدمة.
ويأتي إخفاق الدول المنتجة والمصدرة للنفط، بسبب الاعتراض الإماراتي، والذي أغضب القيادة السعودية، متزامناً مع توتر العلاقة بين البلدين، واحتدام الخلافات حول عدد من الملفات، وتباين وجهات نظرهما حول قضايا عدة.
ضربة قوية
لم تتأخر الرياض في تلقين أبو ظبي ضربة قوية، بعد أن عدلت السعودية قواعد الاستيراد من الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، لتستبعد السلع المنتجة في المناطق الحرة، أو التي تستخدم مكونات إسرائيلية، من الامتيازات الجمركية التفضيلية. وتعتبر الخطوة تحدياً للإمارات، التي تروج لنفسها مركز التجارة والأعمال في المنطقة، وتزامنت معها دعوات شعبية أطلقها سعوديون لمقاطعة البضائع القادمة من جبل علي في إمارة دبي.
ويُتوقع أن تتكبد الإمارات خسائر معتبرة، بسبب القرارات السعودية الأخيرة، وما رافقها من تباين في مصالح البلدين الوطنية، تحديداً مع التقارب الحاصل في علاقات الرياض مع أنقرة.
وفي هذا السياق كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في أحدث تحليل نشرته، أن أبو ظبي تشعر بالقلق من سرعة المصالحة السعودية مع قطر، وإنهاء الحصار، والحظر التجاري والسفر الذي فرض على الدوحة منتصف 2017.
وقالت كارين يونغ، الزميلة الأولى في معهد الشرق الأوسط، إن «المنافسة المتزايدة داخل دول الخليج مرتبطة بعدد من قضايا السياسة الاقتصادية».
وترى أبو ظبي الكيمياء الإيجابية بين الرياض والدوحة بعين الريبة، وهي لا ترغب بحسب المحللين أن تكون في دكة الاحتياط، ومسلوبة الإرادة من اتخاذ قرارات وفق حساباتها.
ومضت الرياض في سلسلة قراراتها التأديبية للحليف السابق، حيث أعلنت وزارة الداخلية السعودية، منع سفر المواطنين المباشر أو غير المباشر، دون الحصول على إذن مسبق من الجهات المعنية، إلى كل من إثيوبيا والإمارات وفيتنام، بسبب ما اعتبرته استمرار تفشي جائحة كورونا، وهو قرار أخرج أبو ظبي عن صمتها.
واستفز قرار الرياض تصنيف أبو ظبي ودبي في نفس الخانة مع دول تعتبر أن قطاعها الصحي متدنياً، ولم تستسغ أن توضع في نفس الخانة معها، واعتبرها إهانة لم تهضمها بسرعة. وسريعاً ردت الإمارات بقرارات مشابهة، في محاولة للرد على الموقف السعودي.
مناوشات صامتة
كشفت مصادر عدة، أن الأزمة التي تفجرت علناً الأيام الماضية، سبقتها مناوشات صامتة، وترسبات عالقة كانت تعكر صفو علاقات البلدين.
وفي وقت سابق مطلع العام الجاري، قررت السعودية إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية، لها مقر إقليمي في المنطقة خارج المملكة، بدءاً من مطلع العام 2024.
ويفهم من القرار أن الرياض تعيد حساباتها، وتتطلع أن تكون مركز المال والأعمال في المنطقة، ولم تعد توافق أن تظل على الهامش، أمام توسع حليفتها السابقة الإمارات.
ويعول الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي على لعب بلاده دوراً يتناسب وحجمها في المنطقة.
وكشفت مصادر عدة أن السعودية تحاول مع عدد من الدول لاستقطاب المزيد من الاستثمارات، حيث شرعت في ذلك مع قطر، وهي تعزز من تعاونها مؤخراً مع عُمان.
وخلال هذا الأسبوع سيزور السلطان هيثم بن طارق آل سعيد الذي اعتلى عرش السلطنة خلفاً للسلطان الراحل قابوس بن سعيد في مدينة نيوم السعودية ويلتقي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
ويتوقع الخبراء أن تسفر الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقات والخطط لتعزيز التعاون بين البلدين، وتوسيع مظلة الاستثمارات الثنائية، خصوصاً المناطق الاقتصادية الكبرى، على ضوء تدشين خط بري يربط المملكة بالسلطنة، ويتجه مباشرة إلى الموانئ الكبرى التي تعد منافساً لدبي وموقعها الاستراتيجي.
محاولة تدارك
يؤكد المتابعون أن مصير العلاقة بين الحليفين السابقين الإمارات والسعودية، لم يتضح بشكل كامل، وستسفر الأيام عن تحديد منحاه، إما التصعيد، أو تخفيف حدته.
وأشارت تقارير أن أصوات محسوبة على أبو ظبي تحاول بعد رفع حدة لهجتها تجاه الرياض، تخفيف وتيرة التصريحات العدائية، وأصبحت بالمقابل تدعي أن الخلافات بين الدولتين، سحابة صيف عابرة، سرعان ما سيتجاوز البلدين تبعاتها.
وستكشف الأيام القليلة المقبلة، صحة ذلك، وتتأكد حقيقة العلاقة بين الرياض وأبو ظبي، هل ستمضي نحو التدهور، أم تقف عند حدود تباين وجهات النظر حول إنتاج النفط؟