الخلفيات الأعمق للخلاف النفطي بين الإمارات والسعودية تعود إلى رغبة كليهما لأقصى استفادة من النفط قبل تحول العالم عنه

حجم الخط
0

لندن-»القدس العربي»: يلقى الخلاف بين السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة حول السياسة الإنتاجية لمجموعة «أوبك بلس» التي تضم منظمة الدول المُصَدِّرة للنفط وحلفاءها، وعلى رأسهم روسيا، والذي انفجر مؤخراً، الضوء على المسارين المتباينين اللذين يتّبعها الحليفان التقليديان الوثيقان في العديد من الملفات مع احتدام التنافس الاقتصادي بينهما في السنوات الأخيرة، والمدفوع برغبتهما في الاستفادة من مخزوناتهما النفطية إلى الحد الأقصى وبأسرع ما يمكن قبل أن يدير العالم وجهه عن النفط ويتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ويتركه لهما لتشرباه.
وتاريخياً كان حلّ الخلافات في العلاقات بين قادة ومسؤولي أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي الثرية يتم خلف جدران القصور، مراعاةً للعادات القبلية التي تحرص على المظاهر والهيبة، قبل أي شيء آخر.
لكن السجال الناري العلني غير المسبوق حول مستوى إنتاج المجموعة النفطي وتمديده لغاية نهاية العام المقبل خرج إلى العلن هذا الأسبوع، إذ عارضت الإمارات بشدة اقتراحا قدمته السعودية وروسيا إلى تحالف «أوبك بلس» وحظي بموافقة معظم الأعضاء الآخرين واصفة إيّاه بأنّه «غير عادل» ما تسبّب في تأجيل الاتفاق، الأمر الذي قد يؤدي إلى عرقلة عملية موازنة الأسعار في سوق النفط المحاط بالضبابية وعدم التيقن وسط تداعيات وباء كوفيد-19.
وفي رد سعودي نادر في شدته على حليف وثيق، دعا وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، الإمارات دون تسميتها إلى «شيء من الواقعية وشيء من التواضع».
ويشكّل الموقف الإماراتي تحدياً نادراً في سوق النفط من حليف وثيق لأكبر مُصدِّر للخام في العالم وصاحب وأكبر اقتصاد في العالم العربي.
ويتلخص الخلاف بين الطرفين في اعتراض الإمارات على الحصة الإنتاجية المعطاة لها من «أوبك» و»أوبك بلس» والتي على أساسها يتم تحديد مقدار زيادة الإنتاج المسموحة لها في إطار إتفاق لزيادة إنتاج المجموعة مليوني برميل يومياً لغاية أبريل/نيسان من العام المقبل يتم توزيعها شهرياً.
فالحصة المعطاة للإمارات في نيسان/ابريل 2020 عندما بدأت دول أوبك بلس تخفض إنتاجها 2ز74 مليون برميل يوميا على أساس متوسط إنتاجها 3.16 مليون برميل يوميا في تشرين الأول/اكتوبر 2018 .
وفي حينه تم الاتفاق بين دول المجموعة على احتساب خط الأساس لكل دولة حسب إنتاجها في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018.

تذبذبات في أسعار النفط

غير أن الإمارات، وبدون سابق إنذار، طالبت في اجتماع المجموعة الأخير باحتساب ان إنتاجها يبلغ 3.80 مليون برميل يومياً (وهو ما حققته في شهر واحد فقط هو أبريل/نيسان 2021) عندما اجتمعت دول مجموعة «أوبك بلس» يوم الخميس الماضي، وهو طلب رفضته دول المجموعة- وبخاصة السعودية- لأنه سيسبب فوضى تهدد وجودها، ما أدى إلى تأجيلين للاجتماع، ثم تأجيله إلى أجل غير مُسمى، ما أدى بالتالي إلى زيادة عدم التيقن في الأسواق وتذبذبات في أسعار النفط، ومخاوف من سيناريوهات شبيهة بما حدث عندما حدث خلاف بين السعودية وروسيا في أبريل/نيسان من العام الماضي حول السياسة الإنتاجية للمجموعة وأدى إلى انهيار أسعار النفط، إلى درجة جعلت بعض مشتريّ النفط بعقود مستقبلية إلى دفع أموال لمن يشتري هذه العقود ليريحهم من عبء تكاليف تخزينه.
يذكر أن طلب الإمارات زيادة إنتاجها على اعتبار خط الأساس لإنتاجها في نيسان/ابريل 2020 والذي بلغ 3.80 مليون برميل يوميا يعني السماح لها بزيادة إنتاجها أكثر من الإنتاج الإضافي اليومي الذي تقترحه بقية دول مجموعة «أوبك بلس».
ومع أن التباين بين الإمارات والسعوية بدأ قبل الخلاف النفطي، ومع أن القطيعة الكاملة بينهما أمر مستبعد، فإن الروح التنافسية الجديدة ستزداد حدّة، كما يتوقع خبراء ومحللون، على وقع التغيير الكبير الذي تشهده السعودية، التي يقود ولي عهدها، الأمير محمد بن سلمان، حملة غير مسبوقة لتنويع الاقتصاد المرتهن للنفط، مستفيداً من خبرة الإمارات الناجحة في هذا المجال.
ويتلخص سبب الخلاف بينهما في أن كليهما يرغب في الاستفادة قدر المستطاع من احتياطاتهما النفطية الهائلة قبل بداية نهاية عصر النفط. فالرياض في حاجة ماسة إلى تمويل ضخم لبرنامجها الاقتصادي قبل اكتمال التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.
ويقول الخبير السعودي المقرّب من دائرة الحكم علي الشهابي أن المملكة «عانت 50 عاما من الخمول في ما يتعلّق بالسياسة الاقتصادية، وعليها الآن أن تلحق بالركب». ويضيف أن الإماراتيين «سيتفهمون بأنّه يتعين عليهم توفير بعض المساحة لذلك».

مصادر الطاقات المتجددة

وترى المسؤولة السابقة في البيت الأبيض كريستين فونتينروز، وهي حاليا المسؤولة عن الملف السعودي في معهد «المجلس الأطلسي» أن الجارين قررا أنّه «علينا إعطاء الأولوية لمستقبلنا المالي على حساب صداقتنا». وتتابع «لا ضغينة هنا، مجرد حقائق اقتصادية».
يذكر أن هذه هي المرة الأولى التي تثير فيها الإمارات إشكالاً داخل منظمة «أوبك». فتاريخياً كانت الجمهورية الإسلامية وعراق صدام حسين وليبيا القذافي، وبدرجة أقل الجزائر، المشاغبين المألوفين الذين يصطدمون أحياناً بالرغبات السعودية داخل «أوبك».
ولكن بدأت تظهر مؤخراً بوادر تباعد في علاقات الإمارات مع السعودية، بدءاً من اليمن، حيث انسحبت الإمارات تقريباً من العمليات العسكرية ضد الحوثيين، تاركة السعودية وحدها متورطة في نزاع لا تبدو في الأفق نهاية له أو انسحاب يحفظ لها ماء الوجه.
ويقول الاقتصادي علي الشهابي «هل كان هناك بعض الحساسية السعودية عندما خرج الإماراتيون بسرعة من اليمن؟ نعم» مضيفاً «كان يأمل السعوديون بأن يكون الإماراتيون أقل عجلة وأكثر تنسيقاً».
وأكثر من ذلك تواصل الإمارات بذل جهود لتأمين وجود مادي لها في الموانئ اليمنية والموانئ الغربية للبحر الأحمر، الممر الحيوي لإمدادات النفط الخليجية المتجهة إلى أوروبا.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن السعودية، التي كانت لعقود طويلة عملاقاً اقتصادياً نائماً ومرتاحاً لتدفق عائدات مالية من صادرات نفط شاءت مصادفات الجيولوجيا أن تختزن أراضيها الكثير منه، استيقظت مؤخراً على كابوس أن الطلب عليه يتجه إلى التناقص إلى حد التوقف، مع التحول إلى مصادر الطاقات المتجددة، بدأت تفكر في كيفية الاستفادة من ما تبقى لديها من احتياطيات نفطية بأسرع وقت ممكن، وهو ما سبقتها إليه الإمارات- وخاصةً إمارة دبي، ما دفعها إلى إطلاق خطط لتنويع مصادر الدخل عبر تحفيز النشاطات غير النفطية، سواء عبر القطاع الخاص أو الحكومي، واستقطاب استثمارات أجنبية، كما تفعل دبي، المركز الرئيسي للأعمال والخدمات في المنطقة، من خلال تطوير قطاعات مثل السياحة والتكنولوجيا.
وفي ظل محدودية الحوافز لديها، لجأت المملكة إلى العصا. ففي فبراير/شباط الماضي أصدرت إنذارا للشركات الأجنبية بأن تلك التي تسعى للحصول على عقود حكومية سيتعيّن عليها أن تنقل مقرها الإقليمي الرئيسي إلى المملكة بحلول عام 2024 وهو أمر يضعها على تناقض مع دبي حيث تقيم كثرة من الشركات العالمية مقراتها الإقليمية للشرق الأوسط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية