الخلاف الإماراتي السعودي يهدد التوافق داخل أوبك نمو الاقتصاد العالمي العامل الأكثر حسما لتعزيز أسعار النفط

عبد القادر مشدال
حجم الخط
0

دفع الخلاف الذي نشب بين أعضاء أوبك بلس حول آلية تطبيق رزنامة زيادة الإنتاج، واستخلاف الكميات التي تم سحبها العام الماضي، والتي ينقص منها 6 مليون برميل في اليوم مقارنة مع المستوى المسجل في شباط/فبراير 2020 إلى إطالة حالة التشنج التي عرفتها أسواق النفط، مع ترقب ما كان سيصدر عن الاجتماع الأخير، والذي بمجرد الإعلان عن تأجيله إلى وقت غير مسمى، أدى إلى اندفاع المستثمرين للقيام بعمليات الشراء ثم البيع ما دفع الأسعار إلى تسجيل تطورين متعاكسين تماما يوم الثلاثاء.
الأول دفع الأسعار بداية التداولات إلى الارتفاع والكسب حيث بلغت 77.84 دولار للبرميل بالنسبة لخام بحر الشمال، و76.98 دولار للبرميل لخام ويست تكساس.
أما الثاني فكان إلى الانخفاض، والعودة إلى نقطة الانطلاق التي عرفتها التداولات خلال الـ 24 ساعة التي أعقبت فشل الاجتماع.
وتواصلت الخسائر إلى يوم الخميس الماضي، حيث فقدت أسعار النفط 8 في المئة من قيمتها القصوى المتوافقة مع مستوى السعر لنهاية 2018، متأثرة بحالة عدم التأكد الناجم عن الغموض في قرارات أوبك بلس.
وكان على الطرف الأمريكي التدخل من أجل كبح اتجاهات صعود الأسعار، من خلال رسالة الطمأنة التي صدرت عن إدارة جو بايدن، حيث ركزت على الأهمية التي توليها لبلوغ اتفاق حول العودة المتدرجة لأعضاء اتفاق أوبك بلس إلى حصصها لما قبل أزمة 2020. وهذا عندما عمل المنتجون المنضوون تحت الاتفاق المتحكمون في 75 في المئة من الإنتاج العالمي للنفط، على تقاسم التخفيض. وهذه الإجراءات تأتي من أجل مواجهة التطورات الاستثنائية التي دفعت سعر خام ويست تكساس المرجعي، إلى مستويات دون الصفر، في تطور يسجل لأول مرة في التاريخ، وذلك بعد أن ساهمت حرب الأسعار المعلنة منتصف السنة الماضية بين المملكة العربية السعودية، وروسيا، وهما أكبر منتجين، في دفع الأسعار إلى مستويات دون 20 دولاراً للبرميل بالنسبة لنفط بحر الشمال.
وظهر هذا المستوى من السعر أنه يمثل حالة أزمة استهلاك حادة، ناجمة عن إجراءات الحجر الصحي في مواجهة جائحة كورونا، إذ أن ما كان لأي عامل بوسعه أن يدفع لارتفاع الاستهلاك في تلك الظروف الصعبة.
وبالتالي فحرب الأسعار بين العملاقين السعودي والروسي، أدت إلى وفرة البترول إلى حد التخمة، وفي كل الأسواق في العالم.
وفي مثل هذه الظروف التي يبدو أنها «أقنعت» المتخاصمين لوقف الحرب المعلنة بينهما، والعودة إلى صيغ تعامل أكثر واقعية، مع تفاقم الخسائر لدى كل الدول المنتجة، جاء اتفاق خفض الإنتاج المعلن شهر نيسان/ابريل 2020 لينقذ ما أمكن إنقاذه، حيث سمح بوقف تدهور الأسعار في مرحلة أولى، ثم العودة إلى الارتفاع في مرحلة ثانية.
وأصبح مؤشر تحسن ظروف السوق، يرتبط بمدى التحكم في جائحة كوفيد-19 لدى الدول المستهلكة الكبرى.
وجاءت في هذا الصدد، تقارير الهيئات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك العالمي، لتؤكد اتجاه تعافي الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي 2021 وهو ما توافق مع اتجاه الأسعار نحو الارتفاع، لتبلغ مستوى ما قبل الأزمة.
ودفع الأمر الدول المنتجة للنفط في اتفاق أوبك بلس التخلي بصورة تدريجية عن التخفيض من خلال ضخ 400 ألف برميل إضافية يومياً حتى نهاية السنة الحالية.

الإمارات تدفع نحو الأزمة

الخلاف الجديد الذي سجل هذه المرة داخل منظمة أوبك، ناجم عن تعنت الإمارات العربية المتحدة، وإصرارها أن يكون أي تمديد لاتفاق خفض الإنتاج إلى ما بعد السنة الحالية، يجب أن يستند إلى مرجعية جديدة في الحساب، تأخذ بالاعتبار قدرات الإنتاج المطورة من قبلها. لتعبر بذلك عن رفضها الأخذ بمستويات الإنتاج الوطنية القديمة، وتطالب «بحقها» في زيادة حجم إنتاجها بمليون برميل في اليوم، وهو الموقف الذي يضعها نداً مع أكبر منتج داخل أوبك، أي المملكة العربية السعودية، التي اقترحت تمديداً للعمل بقرار الخفض إلى شهر نيسان/ابريل من العام المقبل 2022 باعتبار أن تعافي الطلب العالمي على النفط يبقى ناقصاً بالنظر إلى أن السبب الذي دفع إليه ما زال قائماً.
وهو ما يتطلب الحذر من ضخ كميات إضافية حسب المرجعية الجديدة التي تريد الإمارات إقرارها، من خلال دعوتها لإجراء مفاوضات، تسفر عن حساب جديد للحصص، بما يسمح لها برفع حصتها السوقية.
وقد أثار الموقف الإماراتي دهشة وزير النفط السعودي عبد العزيز بن سلمان الذي رافع في صالح استقرار الأسواق النفطية، من خلال دعمه الجريء لقرار التخفيض بسحب مليون برميل إضافياً بمبادرة من العربية السعودية، مما أحاط اتفاق أوبك بلس بالجدية اللازمة في الإرادة للعودة إلى مستويات سعر تخدم الدول المنتجة ولا تضر بالدول المستهلكة.
وتريد الإمارات العربية المتحدة التي طورت قدراتها الإنتاجية بنحو مليون برميل يوميا، الاستفادة منها بدون انتظار، من خلال ضخ المزيد من النفط، مع العلم أنها تمثل حاليا حوالي 7 في المئة من مجموع ما يتم عرضه من قبل الدول الـ23 المنضوية في اتفاق أوبك بلس أي ما يقابل 2.74 مليون برميل يومياً خلال شهر تموز/يوليو الحالي.
وقد سجلت مشاورات في الكواليس من أجل الوصول إلى اتفاق يسمح بتجاوز الخلاف، وفي حال عدم الحصول على نتيجة سيتم الإبقاء على نفس الحصص الحالية لشهر آب/اغسطس المقبل، وذلك حسب وزير النفط السعودي، الذي أراد إرسال مؤشرات للأسواق حول صلابة موقف الدول المنتجة.
وقد تدخلت الإدارة الأمريكية في الشأن لتحث دول اتفاق أوبك بلس على ضرورة الوصول إلى حل يسمح بدعم استقرار الأسواق، وهو الموقف الذي كبح اتجاهات المضاربة وارتفاع السعر في انتظار الإعلان عن الاتفاق الجديد.
لكن، عملياً فالخلاف الإماراتي – السعودي، يغذيه التباعد المتواصل في المواقف الذي يمس مصالح دول الخليج، حيث ترى الإمارات أن عهد السيطرة السعودية المطلقة على القرارات التي تمس النفط قد ولى. شأنها شأن تلك المتعلقة بأهم الملفات المطروحة خاصة ما ارتبط بالعلاقات مع إسرائيل، حيث تجاوزت التحفظات السعودية حول الموضوع، كما أنها تنظر بعين الريبة إلى عودة العلاقات مع قطر، وفتح الاتصالات مع تركيا.
وتعد هذه الملفات فرصة بالنسبة للإمارات العربية المتحدة لدعم طموحها في الخروج من تحت العباءة السعودية، وتأكيد استقلاليتها الإقليمية، خاصة وأنها تتبع خططاً لدعم تنافسيتها الاقتصادية. وبذلك، فإنها تريد البروز بموقف الحزم أمام الجار السعودي العملاق، وهو ما يغذي الخلاف بين الطرفين.

سيناريوهات

لن يكون من السهل إقناع الإمارات العربية المتحدة بالعدول عن مطالبها، وكبح طموحها اعتلاء مكانة إقليمية أقوى، ما يجعل الصدام مع العربية السعودية يحتدم حول الحصص النفطية، ويهدد بذلك استقرار منظمة أوبك والاتفاقات حول الإنتاج، خاصة وأن الانسحاب من عضوية المنظمة يبقى وارداً، على غرار ما حصل مع قطر، وينذر بالدخول في أزمة جديدة.
فمستوى الإنتاج المتاح حالياً للإمارات البالغ 2.74 مليون برميل في اليوم، يعد مهماً في دعم خطة تصحيح الأسعار في المدى القصير، بمعنى أن أي ضخ لكميات إضافية في هامش مليون برميل في اليوم الذي تطالب به، سيخفض من سرعة تعافي الأسعار.
لكن التسوية ستحدث مع الزمن، حيث ينتظر أن يؤدي تحسن أداء الاقتصاد العالمي مع نهاية السنة الحالية، وتأكيد هذا التوجه العام المقبل سيطرح مستويات طلب إضافية على مستوى الأسواق، ما سيستوعب الكميات الإضافية المطروحة، وهو ما سيعزز اتجاهات السعر نحو الارتفاع، وذلك طبعاً في حال صمود اتفاق التخفيض في إطار أوبك+ بدون الإمارات.
في جانب آخر من تطورات السوق، فإن العامل الحاسم في تحديد مستويات السعر هو مدى الاستجابة من قبل الدول المنتجة للطلب المتزايد، مع العلم أن توقف الاستثمارات السنوات الماضية في ميادين الاستكشاف والاستغلال، يجعل حقول النفط تشتغل بقدرات إنتاج أقل من أن تغطي الحاجة إلى ضخ كميات إضافية، ومسايرة الطلب الجديد، وهو ما يدفع إلى اعتبار بلوغ مستوى 100 دولار للبرميل ممكناً السنة المقبلة.
وما يعزز هذا التوجه، كون أن العودة إلى الإنتاج في حقول نفط الغاز الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية، سيحتاج إلى الوقت اللازم لتعويض الخسائر الناجمة عن التوقف عن الإنتاج استجابة لظرف الأزمة الصحية العالمية غير المتوقعة، كما أن الملف لن يلقى نفس الدعم من قبل إدارة بايدن جراء التخوفات من الآثار المحتملة على البيئة.
ومن ناحية أخرى، فإن التوليفة الطاقوية في الاستهلاك العالمي ستعتمد على النفط أساساً، وذلك تحت وقع تعافي الاقتصاد العالمي، والنمو السكاني الذي يترتب عنه زيادة الطلب على الطاقة، ولن يكون للطاقات البديلة القدرة على إزاحة مكانة النفط كمصدر أساسي لتغطية الطلب على الطاقة. كما أن صناعة النفط تعتمد أكثر على تجديد طرق الإنتاج مما يتيح منتجات أكثر تلاؤما مع الاتجاه العالمي للحفاظ على البيئة، ويعزز من قدراتها التنافسية على مستوى الأسواق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية