ارتفاع معدل الجرائم في لبنان ينذر بكارثة اجتماعية

عبد معروف
حجم الخط
0

ارتفع معدل الجرائم في مختلف المناطق اللبنانية، بنسب عالية خلال الأشهر القليلة الماضية، نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي الذي يمر به البلد.
ولا يكاد يمر يوم إلا وتتناقل فيه القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي خبرا عن جريمة سرقة أو قتل أو نشل أو احتيال، ما يدل على ارتفاع معدل الجرائم بنسبة كبيرة في الفترة الأخيرة، تصل إلى 150 في المئة مقارنة مع العام الماضي.
بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان، سجّل الشهران الفائتان ارتفاعاً في نسبة جرائم القتل والسرقة، فيما تراجعت حالات الانتحار وحوادث السير. ووفق آخر إحصاءات منظمة Fe-Male فقد ارتفعت نسبة جرائم القتل بنسبة 59 في المئة عن عام 2019 وتضاعفت خلال عام 2020 والأشهر الماضية من العام الحالي.
وحصلت «القدس العربي» على أحدث إحصاء صادر عن قوى الأمن الداخلي يظهر ارتفاعا في نسب الجرائم بين العامين 2020 و2021.
وأكدت قوى الأمن الداخلي في تقارير وإحصاءات لها، أن معدلات الجرائم في مختلف المناطق اللبنانية وخاصة القتل والسرقة، ارتفع بشكل غير مسبوق مع تردي الأوضاع الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وارتفاع نسبة البطالة ومعدلات الفقر وحالة اليأس والإحباط التي عمت الشارع بسبب فقدان وقود السيارات والأدوية وحليب الأطفال والارتفاع الجنوني بأسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.
كما أكدت قوى الأمن، أن عمليات السرقة استهدفت في الآونة الأخيرة حليب الأطفال والطعام والأدوية، وذكر أغلب الضحايا أن السارقين كانوا يعتذرون منهم بعد القيام بسرقتهم متعللين بأنهم لا يجدون طعاما لأطفالهم وأنهم فقدوا وظائفهم.
وجاءت في المرتبة الأولى جرائم السلب بنسبة زيادة نحو 147 في المئة.
أما المرتبة الثانية فكانت سرقة السيارات بزيادة نحو 113 في المئة.
وأحصت قوى الأمن ارتفاع معدل السرقات بواسطة الكسر والخلع لمنازل ومحالّ وصيدليات، إذ بلغت هذا العام 863 عملية (معدل وسطي 173 شهريا) مقابل 650 العام الماضي بأكمله.
وبلغ عدد السيارات المسروقة خلال شهرين فقط حوالي 115 سيارة ووصل عدد جرائم القتل بالفترة ذاتها إلى 32 قتيلاً، مقارنة بـ22 قتيلاً في الفترة ذاتها من عام 2020 في ارتفاع بلغ 45.5 في المئة. كما ارتفعت جرائم السرقة والاعتداء على المنازل والمحلات بنسبة 144 في المئة هذا بالإضافة إلى حالات الانتحار وحوادث السير والاشكالات الفردية والشخصية.
أما عن أسباب ارتفاع نسبة الجريمة فردها المتخصص في علم النفس الدكتور جان سمعان إلى انهيار العملة الوطنية والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، بالإضافة إلى التوتر السياسي بين الأطراف والتيارات اللبنانية، إلى جانب جائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت.
ويؤكد الدكتور سمعان لـ«القدس العربي» على إقدام أصحاب السوابق على تنفيذ جرائمهم خلال التظاهرات والحراك الشعبي الذي شهده لبنان بعد العام 2019 كالسرقة والسلب مستغلين الأحداث والتجمعات الكبيرة .
وعن تأثير أزمة البطالة على ارتفاع نسبة الجرائم، أكد أن بعض أصحاب السوابق والمطلوبين هم من يقومون بالجرائم وليسوا المحتاجين.
وعلى وقع الانهيار الاقتصادي الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث، خسر عشرات الآلاف وظائفهم أو جزءا من رواتبهم. وبات نصف اللبنانيين تقريبا يعيشون تحت خط الفقر.
وتسببت أزمة المصارف والإجراءات المتبعة بوجود كتلة نقدية في المنازل تقدر بعشرة مليارت دولار، ما دفعت أصحاب السوابق إلى استغلال الأمر وأقدموا على السرقة.
تروي فاطمة سلامة لـ«القدس العربي»عن حادث سلب تعرضت له بداية العام الجاري في شارع الحمرا في بيروت قرب وزارة الداخلية: «أثناء عودتي إلى بيتي، كنت أمشي إلى جانب زوجي وإبني على رصيف الشارع، اقترب مني شاب مقنع لم يتجاوز العشرين من عمره يركب دراجة نارية، وبلمحة بصر خطف حقيبتي وأسرع بدراجته النارية باتجاه شارع الوردية، لحق به زوجي وإبني وهما يصرخان لعله يخاف ويرمي الحقيبة، لكنه لم يعط الصراخ أهمية، واستمر مسرعا في دراجته».
وأضافت «وقعت على الأرض، أولا بسبب حالة الرعب التي تعرضت لها، وثانيا لأن السارق كان يتحرك بكل حرية في شارع الحمرا».
وتابعت «توجهت فورا مع زوجي وإبني إلى مخفر الشرطة في شارع فردان، شرحت ما تعرضت له، وتقدمت بشكوى، لكن الأمر كان بالنسبة للشرطي عاديا، لأنه يتلقى كما قال عشرات الشكاوي عن حوادث سلب وسرقة واعتداء يوميا».
أما ما تعرض له سامي فرحات، فكان الأكثر غرابة، ليس بسبب السرقة فحسب، بل بسبب التهديد بالقتل، وقال لـ«القدس العربي» انه «أثناء جولتي في شارع داخل أحد أحياء بيروت، اعترضني سائق دراجة نارية وشهر سكينا كبيرا في وجهي طالبا مني المال أو مرافقته لشراء طعام لأطفاله، في حادثة تتكرر مؤخرا مع ارتفاع معدل السرقات وأشكالها على وقع انهيار اقتصادي غير مسبوق في لبنان».
يستعيد فرحات (37 عاما) تفاصيل ما تعرض له في تلك الليلة، حين كان يسير ليلا في شارع مظلم في بيروت، توقفت دراجة نارية إلى جانبه قبل أن يقترب منه شخص من الخلف موجها السكين نحوه، مرددا: «لا تنطق بأي كلمة والأفضل أن لا ترفع صوتك، لن أتعرض لك ولن أقتلك، أطلب منك ان تعطيني بعض النقود التي معك، أو أن ترافقني إلى أي محل تجاري تشتري لي بعض الخبز والطعام، تركت أولادي في المنزل يبكون من دون طعام».
بتوتر شديد، أخرج سامي فرحات، نقودا من جيبه وأعطاها للرجل الأربعيني الذي ركض باتجاه دراجته، مضيفا «خفت كثيرا حين رأيته يعود نحوي، لكنه بدأ بالبكاء والاعتذار مني، وأراد أن يعيد لي النقود، وقال لي أنا لست بسارق، لكنني جائع وأولادي أيضا جياع».
وعلى وقع الانهيار الاقتصادي الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث، خسر عشرات الآلاف وظائفهم أو جزءا من رواتبهم. وبات نصف اللبنانيين تقريبا يعيشون تحت خط الفقر، ولامس معدل البطالة 60 في المئة.
ولم توفر تداعيات الانهيار أي طبقة اجتماعية، خصوصا مع خسارة الليرة أكثر من ثمانين في المئة من قيمتها أمام الدولار، ما تسبب بتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وانطلاقا من كون لبنان بلد يعتمد على الاستيراد إلى حد كبير بالدولار، فقد ارتفعت أسعار السلع بشكل جنوني خصوصا الحليب وحفاضات الأطفال. وبات كثر عاجزين عن ملء براداتهم. وتقايض أمهات على مواقع التواصل الاجتماعي ثيابهن أو مقتنيات منازلهن بحليب وحفاضات.
وبرزت مؤشرات مقلقة على ارتفاع ملحوظ في مستوى الحوادث الأمنية بأنحاء البلاد، مع قائمة ضحايا في جنوب وشمال لبنان والبقاع وبيروت. تراوحت هذه الجرائم بين عمليات إطلاق نار في حوادث فردية واشتباكات عائلية أو عملية ابتزاز مالي، علاوة طبعاً على وفاة 3 شابات غرقاً في الشمال. عدد القتلى ليس عادياً ويفرض سؤالاً عمّا إذا كان لبنان دخل في مرحلة جديدة من الانهيار الأمني، تترافق مع تضخم متواصل، ولهذه الجرائم أثر في التركيبة الاجتماعية، إذ تتضاعف المناطق السكنية المحمية أو المُغلقة، ويعلو منسوب انعدام الثقة بين الناس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية