في مركز الانشغال بالمسألة الإيرانية ثمة مفاوضات حول الاتفاق النووي استؤنفت عند صعود إدارة بايدن، وهي مفاوضات تواجه عقبات في هذه الأثناء. ومن وراء الكواليس، يبدو أن التوتر بين إيران وفروعها من جهة وإسرائيل، وأحياناً مع الدول العربية، من جهة أخرى، مستمر في ساحات مختلفة ويتسبب بعدد كبير من الحوادث، وإن تجميعاً عشوائياً لأحداث نهاية الأسبوع قد يدل على ذلك، حتى لو لم تكن هناك دائماً علاقة بين الأمور: في بروكسل تم تشخيص محاولة إيرانية لفحص الحماية حول طائرة تابعة لـ “ال عال”؛ وفي إيران نفسها أدى هجوم سايبر إلى تشويش كبير في حركة القطارات؛ وعلى الحدود اللبنانية أحبطت إسرائيل عملية لتهريب السلاح مرتبطة كما يبدو بحزب الله.
أما الحادث الذي جرى في بروكسل، فيبدو أنه يحوز الإمكانية الكامنة الأكثر خطورة. فقد وجدت قرب مكاتب شركة “ال عال” حقيبة مشبوهة تبين أن مسافرة إيرانية تركتها هناك، التي كانت قد سافرت في رحلة أخرى إلى قطر. المسافرون الذين انتظروا السفر إلى البلاد تم إخلاؤهم من المكان. والطائرة المسافرة إلى قطر أعيدت بتوجيه من المطار لتهبط في بروكسل، واقتيدت المسافرة الإيرانية للتحقيق. عثر في الحقيبة نفسها على أشياء عادية، منها زجاجات “الكو جيل”. ولكن رجال الحماية الإسرائيليين مقتنعون بأنها محاولة لفحص ترتيبات الأمن حول مكتب الاستقبال تمهيداً لتنفيذ عملية محتملة.
في كانون الثاني الماضي انفجرت عبوة ناسفة قرب السفارة الإسرائيلية في نيودلهي، في عملية نسبت لحرس الثورة الإيراني بواسطة شبكة هندية محلية. ومؤخراً تم تشخيص محاولات مشابهة لجمع معلومات قبل تنفيذ عمليات، حول أهداف إسرائيلية أخرى في العالم. في الخلفية، يجب أن نذكر بأن هناك حساباً مفتوحاً حول سلسلة أحداث تنسبها طهران لإسرائيل: اغتيال عالم الذرة الإيراني الدكتور محسن فخري زادة في تشرين الثاني 2020، وعدة انفجارات مجهولة في المنشآت النووية الإيرانية، آخرها في منشأة لأجهزة الطرد المركزي بمدينة كرج نهاية الشهر الماضي.
وضربت إيران سفن نقل عدة مرات، عدد منها بملكية شركات إسرائيلية، في شمال المحيط الهندي على حدود الخليج الفارسي. وتظهر هذه الهجمات التي كان آخرها بداية الشهر الحالي، كردود على الجهود المنسوبة لإسرائيل للمس بالسفن التي هربت النفط الإيراني إلى سوريا. وتجري في الخلفية أيضاً معركة سايبر بين الدولتين، التي تضمنت -حسب وسائل الإعلام الدولية- هجمات متبادلة خلال السنتين الأخيرتين. في نهاية الأسبوع، حدثت تشويشات شديدة في حركة القطارات في إيران، وأبلغت سلطات الإذاعة الرسمية عن “فوضى غير مسبوقة في محطات القطار في أرجاء البلاد”. وحسب وكالة “رويترز”، كانت اللوحات الإلكترونية في محطات القطار قد وجهت المسافرين إلى مركز خدمة، لكن تبين أن الرقم يعود لمكتب الزعيم الروحي الإيراني، علي خامنئي.
ضوء أحمر
وجرت في نهاية الأسبوع حادثة على الحدود بين إسرائيل ولبنان. ونجحت قوات من الجيش الإسرائيلي والشرطة في إحباط عملية تهريب سلاح إلى داخل الأراضي الإسرائيلية في منطقة قرية الغجر. في المكان تم ضبط 43 مسدساً، بعضها قابل لتركيب كاتم للصوت عليه، بمبلغ إجمالي يصل إلى بضعة ملايين من الشواقل. هذه هي عملية التهريب الأكبر في السنتين الأخيرتين. منذ بداية العام الحالي، تم إحباط خمس عمليات تهريب أخرى للسلاح والمخدرات على الحدود الشمالية. وتضاف هذه المعطيات إلى ارتفاع واضح في محاولات تهريب السلاح من حدود أخرى، بالأساس من مصر والأردن.
في الأسبوع الماضي اتهم الجيش الإسرائيلي، بصورة استثنائية، مصدراً كبيراً في “حزب الله”، الحاج خليل حرب، بالمسؤولية عن محاولات تهريب السلاح والمخدرات على الحدود. وحرب من النشطاء التنفيذيين القدامى في “حزب الله”، تعرفه إسرائيل منذ الفترة التي قاتل فيها ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني في التسعينيات. وإذا كان هناك أساس لهذه الادعاءات، فإن انشغاله المباشر بالتهريب يدل على أحد أمرين: إما أن الوضع الاقتصادي في لبنان صعب إلى درجة أنه يدفع ناشطاً عملياتياً لمحاولة كسب الأموال بعمل جانبي، وإما أن تكون هناك نوايا تخريبية تختفي خلف القناة الجنائية.
في العام 2012 كشف الشاباك والشرطة عملية تهريب كبيرة لعبوات ناسفة قام بها “حزب الله”، وهي عبوات شملت عشرات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة والتقنية والقاتلة “سي -4” تم اكتشافها في الناصرة وتبين أن تجار مخدرات هربوها من قرية الغجر ومدينة الناصرة. ولم يتم اكتشاف الهدف النهائي لعملية التهريب هذه. ومثلما في تلك العملية، تطرح الآن احتمالية أن حزب الله أو أسياده في إيران ينشغلون في إنشاء وتسليح قواعد في الأراضي الإسرائيلية، التي يمكن تشغيلها عند الحاجة لتنفيذ عمليات في المستقبل.
وهو تفكير مبني على أساس؛ فقد تعود حرس الثورة الإيراني على التخطيط للمدى البعيد، وللنظام في طهران مصلحة في أن يوجد لنفسه إمكانيات للرد، على خلفية سلسلة طويلة من الأحداث المحرجة له، بدءاً من المس بالمنشآت النووية وعلماء الذرة، وانتهاء بسرقة الأرشيف النووي. وظهور حرب في ساحة تهريب السلاح يجب أن تشعل الضوء الأحمر في الجانب الإسرائيلي. وتشخيص الهدف النهائي لعملية تهريب السلاح التي تم إحباطها سيمكن من تشخيص ما إن كان ما حدث هنا هو محاولة تهريب جنائية أم أن نوايا أخرى وراء الحادث.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 11/7/2021