أنطاكيا – «القدس العربي»: إعلان الرئيس التركي رجيب طيب ردوغان عن تولي بلاده حماية مطار كابول بعد الاتفاق مع واشنطن، لن يكون تحدياً سهلاً بالنسبة لأنقرة، خصوصاً مع صدور تحذيرات شديدة اللهجة من حركة «طالبان» ضد الوجود التركي، في حين وجهت عدة قيادات في المعارضة التركية، انتقادات للحكومة، معتبرة أن الإعلان يعرض حياة الجنود الأتراك للخطر.
بلا شك، بقاء الجنود الأتراك في أفغانستان في الوقت الذي تنسحب فيه قوات «التحالف الدولي» منها، أمر مثير للجدل، فبعد الولايات المتحدة أعلنت بريطانيا وأستراليا انسحاب قواتهما من أفغانستان، في خطوة، اعتبرها كثيرون، فشلاً غربياً في أفغانستان بعد 20 عاماً من حرب، لم تنجح بإزاحة «طالبان» عن الحكم.
وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي جون بايدن الأخيرة في خطابه الذي خصصه للانسحاب من افغانستان أكثر وضوحاً عندما قال إن»قرار سحب قواته هو لتجنب المخاطرة بـ»فقد المزيد من العسكريين الأمريكيين» فلماذا ترى أنقرة أنها قد تنجح فيما فشلت فيه الولايات المتحدة بعد 20 عاماً، وتخشاه الصين، والتي جاء في افتتاحية واحدة من كبرى صحفها غلوبال تايمز» أن الصين لن تصبح أبداً الدولة الثالثة في التورط في «مقبرة الإمبراطوريات» حسب وصف الصحيفة الصينية.
قد يكون الطريق الأمثل أمام أنقرة لتنجح في مهمتها في أفغانستان، هو نسج علاقات تفاهم مع حركة «طالبان» من خلال محادثات مباشرة أو عبر وسطاء، تماماً كما فعلت طهران قبل أيام عندما جمعت وفدين من الحكومة الأفغانية و»طالبان» في محادثات ثنائية على أراضيها، بل وقد تلعب طهران دوراً محورياً في إقامة تفاهمات مشتركة بينهم، خصوصاً أن مناطق الأقلية الشيعية في أفغانستان تحيط في العاصمة كابول ومطارها، وهي ما تزال بمعظمها خارج سيطرة «طالبان» وتملك إيران علاقات متينة مع الفصائل الشيعية الأفغانية، ويمكنها، بالتالي، نسج تفاهمات معها، وإن بدا ذلك عصياً على التحقيق بوجود قوة «طالبان» التي تستند إلى أغلبية كبيرة من قبائل البشتون.
وهذا ما يتفق معه صراحة وزير خارجية تركيا السابق حكمت تشيتين والذي كان مندوباً للناتو في أفغانستان، إذ يقول في تصريحات إعلامية إن بقاء القوات التركية في أفغانستان مرهون بموافقة طالبان» وإن «مخاطر البقاء من دون ذلك ستخلق مشاكل كثيرة، ويمكن الذهاب إلى أفغانستان باتفاق ثنائي، وبعيداً عن الهوية الدولية، بعد انسحاب جميع القوات الأجنبية». ويرى أن «أي اتفاق من دون موافقة طالبان سيعرّض تركيا لمخاطر أمنية كبيرة هي في غنى عنها».
لكن لا يبدو أن من السهل تغيير موقف حركة «طالبان» من الوجود التركي، الذي وصفه ممثل الحركة، سهيل شاهين بأنه جزء من حلف الناتو، قائلاً في تصريحات لرويترز: ينبغي لتركيا سحب قواتها من أفغانستان بموجب الاتفاق الذي تم مع الولايات المتحدة في 29 شباط/ فبراير2020.
وزاد: بخلاف ذلك، فإن تركيا دولة إسلامية، وأفغانستان لها علاقات تاريخية معها، ونأمل في أن تربطنا بها علاقات وثيقة وطيبة مع تأسيس حكومة إسلامية جديدة في البلاد في المستقبل.
ولا تبدو تحذيرات «طالبان» وحيدة، فالمعارضة التركية نفسها وجهت انتقادات للحكومة التركية بهذا الشأن، إذ حذر أحد زعمائها كمال كلشدار أوغلو من «ترك القوات التركية في مواجهة مع حركة طالبان».
كما قال الحزب «الجيد» أن» لا يوجد سبب لاتخاذ مثل هذه المخاطرة لمجرد أنك ستبدو لطيفاً أمام رئيس أمريكا الجديد».
ويرى بعض المراقبين أن أنقرة تسعى لتحقيق عدة مكاسب من وجودها في أفغانستان، منها ما يتعلق بمد النفوذ في بلاد تنتشر فيها تقاليد صوف تشترك معها الحركات الإسلامية التركية، وخصوصاً حزب العدالة، ووجود قومي يتعلق بالأفغان من أصول تركية، وسبق لحزب العدالة أن أسس لهذا النفوذ الناعم في أفغانستان من خلال مدارس تركية أفغانية والمنح الدراسية للطلاب الأفغان وبرامج تعليم اللغة التركية.
معادلة صعبة تحاول أنقرة حلها في أفغانستان، إذاً، بين ترغيب واشنطن وتحذير «طالبان» القوية، التي باتت تسيطر على رقعة كبيرة في البلاد، قد تمثل تحدياً جديداً للسياسات الخارجية لتركيا والوجود العسكري الذي كثيراً ما يواجه تعقيدات جمة، ابتداء بمطالب سحب القوات التركية من ليبيا إلى التقدم المستمر لقوات النظام السوري في مناطق ضمنتها الحكومة التركية باعتبارها «مناطق آمنة» وآخرها إدلب.