الكتابة أخت الذاكرة، هي قبض على اللحظة قبل جريانها من أجل ترسيخها.
أمّا المحو فهو كتابة من نوع آخر، وربمّا كتابة فوق الكتابة، فلا الكاتب يتعرّف إلى ما كتب، ولا القارئ وقد ضاع في فجوة التأويل.
المحو نصّ متورّط في اللايقين، في الطرق غير المرئيّة للمعنى، لكنّه نصّيشبه الملح، ويعرف كيف يذوب في البحر بلا ضجيج. هو سعي دائم إلى الصدفةالتي تؤجّل حضورها.
الكتابة سكن في المؤقّت، والمحو إقامة في اللامكان، في العبور الدائم… في الكتابة، المعاني أسيرة ألفاظها، وفي المحو تصير حرّة وشريدة، والسقف يُطوى في الجيب..
الدمعة نصّ شفيف كحكاية تؤجل كتابة نهايتها، حكاية تستعطف الوقت مزيداً من السطور. نص كتب في أعماق الروح يرفض اختصار نفسه في نقطة مصيرها السقوط حين تشاء الريح.
أمّا القبلة فهي نصّ مكتمل بذاته، يخبّر عن اتحاد روحين تحلّقان لا يأبه بالنحو ولا يراعي علامات الوقف، قد يمتدّ إلى فقرة واثنتين وثلاث
وعشر، وقد يتكرّر مرّة واثنتين وثلاثا وعشرا. هو نصّ يستيقظ بعد غفوة قد تطول أو تقصر…
العينان نصّ ثرثار بلا صوت، بلا كلمات، بلا صور…
المحو هو محاولة جمع الأخطاء ولملمتها قبل حدوثها، أو استباق للصورة قبل التقاطها.
القهوة نصّ طويل نتمتّع بحريّة تأويله على خلفية الذكريات السائلة فيه، من دون العبث بالتفل النائم كي لا يغدو التأويل مرًّا.
بعد المحو الكثير، هل يعود النصّ كما كان؟ محو الرقابة الذاتية ومحو المنظومة التي تترك عينها وتغادر.
لماذا نكتب ونحن نعلم أنّنا سنمحو؟
كلّ عمر حكاية، تمحوها حكاية، يمحوها الموت بلحظة آتية.
جاء في إحدى الرسائل التي كتبها هايدغر إلى حنّة آرندت: «إن الهديّة تختبئ، تعلن عن نفسها في مفصل الكينونة.. رنة من النهاية، وفي الرسائل التي نحاول التقاطها من الحياة الهدايا التي تختبئ في الصدفة، في كل ما يعلن عن نفسه فجأة بلا استعدادت، بلا انتظارات، بلا مواعيد، رنّة من النهاية أيضا.
في الكتابة وضوح يجرح الكبرياء عند انعدام أيّ تأويل آخر، وفي المحو انسحاب البوح قبل انقضاض الندم.. العبرة في التلقّي، والتلقي خاضع لانفعالات تغيّر من غاية النص، ويصبح النص نصوصا..
الموج كلام الأعماق على السطح، كلام يمحو كلاما يمحو كلاما.
ارتباك الأعماق صراع لا ينتهي، وصفوة السطوح حجاب يمنع عنك الرؤية الشفيفة. الحدس يلتقط الإشارة من المحو، من السكوت عنه. في الحدس مفاتيح اللغة وتراكيبها!
لكلّ أمر ميقات، الحدس يدرك ذلك، فيجعلك تدفع إلى الوراء ما لم يكتمل نضجه كي لا يفسده الضوء والهواء، هو أيضا يعلّمك أنّ الأولويات متغيّرات
دائمة، واقتناص اللحظة في الكتابة أو المحو هي التي تولّد المعاني.
الصمت والمحو غياب مؤقت، أو ربّما انسحاب مؤقّت، أو ربّما هما قولةٌ في الهزيمة، تفصح عن ذاتها باستحضار العدم، أو ربّما يكونان وجعا، يحفر من
جهة الداخل، محجوبا من الخارج!
المعاني في المحو أرواح تنزوي بعيدا، ومن ثمّ تحاول تجديد وجهها، تغيير ملابسها، تسريحتها، وحين تضيق عليها اللغة، تعود لتنزوي مجددا، لتبحث عن صوغ جديد يشبه روحها.
الكتابة على الرمل صراخ المحو الذي لم تسعفه اللغة، فيغوص بعيدا علّه يرسّخ كينونته في غيمة ما…
أكاديمية وروائية من لبنان