ليس مفاجئاً أن يتذكر الناس مع إخلاء القوات الأمريكية من أفغانستان الانسحاب الأمريكي من فيتنام والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. ثمة فوارق: بينما كان التورط الأمريكي في فيتنام وبقدر ما أيضاً في أفغانستان زائدين من ناحية مصلحتها القومية، كانت لحرب لبنان الأولى -ولو جزئياً- أهداف مبررة. إضافة لذلك، لم تكن فيتنام أو أفغانستان تعرضان أمن الولايات المتحدة للخطر، بينما كان لبنان ولا يزال حاضنة للعدوان والإرهاب ضد إسرائيل.
ولكن كان للحالات الثلاث ولا تزال نتيجة أخرى: في فيتنام ترك رجال الجنوب، حلفاء الأمريكيين، لمصيرهم. وفي أفغانستان وضع مستقبل آلاف الأشخاص الذين ساعدوا القوات الأمريكية في خطر جسيم وفوري، أما نحن فـ”نسينا” رجال جيش لبنان الجنوبي.
ربما كان إخلاء الجيش الإسرائيلي للحزام الأمني في جنوب لبنان مبرراً من ناحية استراتيجية وبمراعاة الرأي العام، ولكن مثلما قال الدبلوماسي الأمريكي القديم دنيس روس، مؤخراً فإن انسحاب إسرائيل أمام إرهاب “حزب الله” دفع الفلسطينيين لاستنتاج أن العنف مجد ضد إسرائيل، وهكذا زرعت بذور الانتفاضة الثانية. وثمة خطوط موازية في هذا السياق: نبعت المعركة الأمريكية في أفغانستان من قرار لمكافحة إرهاب القاعدة، ولكن الانسحاب أمام طالبان قد يصب زيتاً إضافياً على شعلة الإرهاب، وليس في أفغانستان فقط.
كل هذا يطرح أسئلة أخرى تخرج أهميتها عما حصل أو قد يحصل في أفغانستان: بأي قدر لا تزال أمريكا على صلة بالشرق الأوسط؟ وما قدرة ردعها ضد تهديدات خارجية؟ للسؤالين آنفي الذكر أهمية كبيرة على نحو خاص من ناحية إسرائيل وشركائها في اتفاقات إبراهيم. بشأن السؤال الأول، كتب خبير السياسة الخارجية البروفيسور وولتر راسل ميد، مؤخراً، بأن بعد أحداث غزة والفشل الأمريكي الذريع في بنغازي وقتل السفير الأمريكي هناك، وفي ضوء رغبة واشنطن للتراجع من الشرق الأوسط ونقل المركز الاستراتيجي لأمريكا إلى الشرق الأقصى- فإن حضور الولايات المتحدة بدأ يقل في المنطقة بما في ذلك بشأن للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.
رغم الميول آنفة الذكر، وربما بسببها، من ناحية إسرائيل، ستبقى الولايات المتحدة ذات صلة أكثر من أي وقت مضى، سواء بالمعنى السياسي والأمني أم من حيث تماثل القيم بينهما -حتى وإن قامت لإسرائيل محافل تعاديها في السياسة والرأي العام الأمريكي، ولا سيما في الحزب الديمقراطي – وكذا من حيث دور إسرائيل بصفتها دولة قومية للشعب اليهودي. إن إحدى مهام كل حكومة إسرائيلية، بما فيها الحالية، هي الإبقاء على الجمرة في هذه المواضيع.
وماذا عن السؤال الثاني، أي قدرة الردع الأمريكية؟ قضى استعراض استخباري لـ “واشنطن بوست” مؤخراً بأن “الرئيس بايدن اصطدم بوجود حدود لقدرته على ردع جهات أجنبية، بما فيها الميليشيات العاملة تحت رعاية إيران في العراق وسوريا وجهات روسية تنكل بالمصالح الأمريكية”. وحسب الاستعراض، فإن “شكل عمل بايدن في هذه المسائل، كفيل بأن يقرر مستقبل علاقات الولايات المتحدة مع قوة عظمى إقليمية (إيران) مصممة على توسيع نفوذها، ومع قوة عظمى أخرى (روسيا)، تواظب على جهودها لتقويض مكانة أمريكا”.
اضطر الرئيس بايدن أن يتناول هذه المعضلة مؤخراً عندما هبطت عشرات الصواريخ والحوامات على جنود ودبلوماسيين في العراق وسوريا، وانتقده الجمهوريون على عجزه، ويحاول اليسار في حزبه حرمانه من الصلاحيات القانونية للعمل. كما يمكن لحكومة إسرائيل الحديثة العهد أن تضع أمام هذه المعضلة الأمريكية أسئلة متحدية في المستقبل القريب أيضاً. لا يذكر استعراض “واشنطن بوست” مفاوضات استئناف الاتفاق النووي مع إيران، ولكنه موضوع سيقرر مكانة أمريكا العالمية والإقليمية، شراً كان أم خيراً، سواء تجاه أعدائها أم تجاه أصدقائها.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 13/7/2021