قراءة الحواشي

حجم الخط
0

قراءة الحواشي

أمجد ناصرقراءة الحواشينفكر، أحياناً، بالكتب كيف كُتبت: دوافعها، ظروف كتابتها، المصادر التي غذتها، سراً اوعلناً، ولا بدَّ أننا نفكر، ولو بشكل عابر، بكتابها، فإذا كانوا من الأقدمين السابقين علي التصوير، قد يخطر لنا ان نفكر بأشكالهم، ملابسهم، الأدوات التي استخدموها في الكتابة، في أي وضعيات كانوا يكتبون: جالسين إلي طاولة أم منبطحين أرضاً علي بطونهم (كما كنا نفعل نحن أبناء الفقراء الذين لم يدركوا في طفولاتهم الطاولة والكرسي.. ناهيك عن الكومبيوتر واللاب توب!).اما إذا كان الكتاب من معاصرينا، فقد يخطر لنا ونحن نقرأ كتبهم أن نفكر: هل ما يزالون أحياء، ماذا يفعلون الآن، هل يدركون ان رواياتهم التي كتبت في طوكيو او بوغوتا يقرأها عربي في بيروت أو عمان؟ وان قصائدهم التي كتبت تحت سماء باريس دخلت في نسيج القصيدة العربية الحديثة، واثارت سجالات بين الشعراء العرب لم تنته فصولا؟اسئلة كثيرة قد تخطر علي البال حيال الكتب التي تعيش معنا من دون ان يكون ذلك في بال كتّابها، أو التي أثّرت فينا من دون ان تتقصد ذلك.سألني، مرة، شاب متيم بالروائي البرازيلي باولو كويليو عن رأيي بكتابته، فقلت له إنني لم اقرأ له سوي رواية واحدة هي الخيميائي ووجدتها، منقولة، بتصرف معاصر، من قصة في الف ليلة وليلة تتحدث عن تاجر مصري يذهب الي ايران بحثا عن كنز رآه في منامه فيقول له قاض إيراني انه، هو ايضا، رأي في منامه كنزاً في بيت قاهري يقع في المنطقة كذا والشارع كيت!لم يكن ذلك البيت، طبعا، سوي بيت التاجر المصري نفسه.والقصة ـ الامثولة التي قامت عليها حبكة الخيميائي كان قد عالجها، باقتدار فذ، الكاتب الارجنتيني العظيم لويس بورخيس قبل ان يولد، علي الاغلب، باولو كويليو. لم يقرأ الشاب المذكور ألف ليلة وليلة ولم يسمع باسم بورخيس، فأجابني، وكأنه يغيظيني، قائلا: ان كتابات كويليو غيرت حياته! الغريب في الأمر انني قرأت، لاحقا، اراء تقول ان كتابات هذا الكاتب البرازيلي غيرت حياة أشخاص آخرين، مما جعلني افكر في الرأي العام الذي ينعقد علي شخصية معينة فينمّطها، أو يصنع لها أسطورة تستقر في الاذهان وتسري، كالعدوي، بين الناس.السؤال الذي لم أجد له اجابة هو التالي: هل غيرت كتابة كويليو حياة هذا الشاب الذي سألني رأيي فيه؟ ام غيرت حياته الاسطورة ـ الشائعة التي تقول ان كتابات كويليو تغيِّر حياة الذين يقرأونها؟هذا استطراد بعيد عن موضوعي.تحدثت عن الكتب وكتابها وكنت اقصد ان اتحدث عن شيء آخر: الكتب وقرائها.تقول لنا الكتب أشياء كثيرة، ولكننا، ونحن نقرأ نختار شيئاً محدداً: شيئا أعجبتنا فصاحته، أو حكمته، أو شعريته.. وقد نختار، ايضاً، شيئا يتصادي مع ما تعرفه نفوسنا في تلك اللحظة، ولكن هذا لا يظهر لنا إلاّ من خلال الكتب المقروءة قبلنا، أي تلك التي نبتاعها مستخدمة، أو نستعيرها من مكتبة عامة أو من أصدقاء.هذه الكتب هي التي تخبرنا عن عادات القراءة، وأهواء القراء، والجمل، أو الأبيات، التي توقفوا عندها من دون غيرها.ولطالما شوشتني تلك الكتب التي يترك قراؤها السابقون آثار مرورهم عليها، خصوصا، اولئك الذين يضعون سطوراً تحت الجمل التي اقتبسوها أو التي اعجبتهم، والشروحات التي يسطرونها علي هوامش الصفحة.كقاريء لاحق للكتاب تضطر، رغما عنك، ان تتوقف حيث توقفوا وان تنظر الي ما سطروه علي الهوامش، وهذا عمل يفسد متعة تلقي الكتاب من دون احكام أو توجيهات مسبقة. فعينك، غصباً عنك، تذهب الي الخطوط المرسومة تحت الكلمات، أو تقفز الي الهامش لتقرأ شرحا او استطرادا او استنتاجا قد لا تقره او تصل اليه لو انك قرأت الكتاب من دون آثار المرور هذه.تصبح القراءة والحال هذه قراءتين: قراءة الكتاب وقراءة القاريء، بل أكثر من ذلك، فالكتاب يصير كتابين: كتاب الكاتب الأصلي وكتاب القاريء الذي قد لا يفعل شيئا سوي وضع خطوط تحت جمل أو ابرازها بـ الهاي لايت .ها أنذا، الآن، اخطو في اتجاه مكتبتي واختار بعض الكتب التي مرَّت علي قراء قبلي.أقلب كتاب ملحمة جلجامش لمترجمها العراقي طه باقر، وهو من بين الكتب القليلة التي رافقتني من بيروت الي قبرص وصولا الي لندن، وأجد ان مقتنيه السابق قد ملأه بخطوط تحت أبيات عديدة من الملحمة، ولكن معظم هذه الأبيات تتحدث عن الموت في حياة الكائنات. أول خط وضعه مقتني الكتاب السابق كان تحت بيت شعري اقتبسه طه باقر من الملحمة في معرض حديثه عن حتمية الموت . يقول البيت: قد استأثرت بالحياة وقدرت الموت من نصيب البشرية .الخطوط والتعليمات تحت الأبيات والفقرات جعلتني أعتقد أن مقتني الكتاب السابق باحث او كاتب مهتم بموضوعة الموت عند السومريين، ولعله كتب بحثا او مقالا في هذا الشأن وقرأته من دون ان ادري. أما في ديوان الحلاج فقد وجدت خطوطا تحت أبيات كثيرة، ولكن الأبيات التي استوقفت صاحب (او قارئ) الكتاب السابق فتتعلق بقضية الحلولية التي نسبت الي الحلاج.. وقد وضع القاريء الذي مرّ بالكتاب قبلي أسطراً بقلم رصاص تحت هذين البيتين:أنا من أهوي ومن أهوي أنانحن روحان حللنا بدنافإذا أبصرتني أبصرتهوإذا أبصرته ابصرتنا.وعلي هامش الصفحة كتب بالقلم الرصاص: هذا يثبت ان الحلاج كان يؤمن بالحلولية ثم كتب.. الا يثبت هذا تهمة الزندقة عليه؟ كان علي الحلاج الذي صلب امام الجموع في بغداد ان يصلب مرات عدة، واحدة منها قام بها، بعد اكثر من الف سنة، صاحب الكتاب السابق.ويمكن لكتابة او تخطيط القاريء السابق ان يتحول الي رسالة لم يكتب منها سطرا واحدا. أفلم نعطي كتبا لصديقات نحس من خلالها نبضهن، او يحدث العكس معنا؟اننا لا نفعل شيئا سوي ان نضع خطوطا تحت عبارات دالة فنوصل بذلك رسالتنا الامنة من دون ان نكتب كلمة واحدة او نعرض انفسنا لحرج الرفض او سوء الفهم . هكذا يتحول الكتاب، من بين اغراضه ومقاصده المتعددة، ومن حيث لم يقصد مؤلفه، الي ساعي بريد قلوب مترددة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية