في روايته الجديدة «ضمير المتكلم» – الصادرة عن دار ميم 2021 – يسعى الأكاديمي والروائي الجزائري فيصل الأحمر إلى تقديم سردية تحفل بأصوات المهمشين والمقصيين، ضمن تشكيل سردي كنائي، حيث تشمل الرؤية السردية الإنسان العربي أينما وجد، على الرغم من أن إحداثية المكان مؤطرة بالجزائر، والمكان هنا لا يعني سوى هذا الرقعة العربية، حيث تختزل حيوات شخصياته – التي تتقاسم السرد بضمير المتكلم- دلالات قوامها التعبير عن الإخفاقات لا على المستوى الذاتي فحسب، إنما على المستوى الجمعي بما في ذلك الأنا العربية التي خرجت من عباءة الاستعمار، بيد أنها ما زالت تخضع لاستعمار آخر يتحدد بالنخب الوطنية أو «الكومبرادور» حيث يبقى ابن البلد غريباً مهزوماً مقهوراً، بالتجاور مع الهيمنة الأيديولوجية التي تقصي الآخر بغض النظر عن تمظهرها، في حين تبقى معاني الحرية والديمقراطية، والعدالة مفردات تنأى بنفسها عن العالم العربي، الذي على الرغم من أنه سعى إلى تجاوز هذه الإخفاقات عبر ما يعرف بالربيع العربي، إلا أنه ما زال يعاني من إنتاج النخب والأيديولوجيات التي لا تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة على حساب الشعوب فحسب، وإنما على حساب مصلحة الوطن العليا.
يشكل الانكسار أحد مستويات الرواية، إذ إن معظم شخصيات الرواية ينخرط في سرد معمق يتخذ في مظهره المبدئي حواراً مع إحدى الشخصيات، ونعني «الشيخ» وعلى ما يبدو فإن هذه الشخصية تحتمل الكثير من التأويل، حيث لا نعلم مرجعيتها سوى أنها مستمعة لا تشارك في الحوار، أو ربما هي شخصية استعارية لوجود متعال، يتلقى هذا البوح من لدن هذه الشخصيات، التي تنخرط في حوار معه جرياً على ما شاع في بعض الآثار الموروثة، بوصفها مجالاً للتلقي بمعزل عن التفاعل، لكن هذا يرتهن إلى حوار داخلي معمق حقيقة، يمور في وعي الشخصية، إذ تتقاسم المتن السردي العام ضمن صيغة تناوب، وهكذا تتخذ الحوارات التي تتوزع على فصول تحمل أسماء: الليلة الأولى، والليلة الثانية، وهكذا… وكأننا نستطلع أثراً حكائياً موروثاً على مستوى الإفادة من التقنية، التي وسمت حكايات ألف ليلة وليلة، والمقامات، والإمتاع والمؤانسة، ولاسيما على مستوى التشكيل الخارجي، أو هيكلية السرد، لكن مع مغادرة المستوى اللغوي المجلوب من أثر الموروث، حيث تعتمد الرواية لغة معاصرة، لكنها أيضاً تبدو على قدر جلي قائم على التخفف من النماذج البلاغية، واللغة المسكونة بشعرية السرد، كونها تحيل في وعي المتكلم إلى شخصيات تجنح للتعبير بحرية مطلقة، فتأخذ اللغة مستويات، ربما تبدو لنا في بعض الأحيان متشابهة، على الرغم من اختلاف المرجعيات التي تتباين في مستواها، ورؤاها، وهنا يبدو التحدي على مستوى تكوين اللغة أو الحوار على لسان كل شخصية، من حيث القدرة على تكوين تفرد خاص بتكوين كل شخصية تبعاً لمرجعيتها، لكن القاسم المشترك بين الشخصيات هيمنة لغة الأسى والإحباط، وفي بعض الأحيان تكاد تنزلق إلى سرد محتشد بالهذيان والسخرية والمرارة التي تميز لغة الرواية؛ كما صيغ التهكم التي تعدّ جزءاً من هذا التكوين السردي، الذي ربما يهمين على القارئ، ويدفعه إلى تلمس مصداقية ما بين ثنايا تلك الحوارات، التي تمتد في بعض الأحيان إلى حد الاستطراد.
محلية الخطاب… اتساع الرؤية
تشكل الجزائر متناً محورياً في مجمل المرويات التي تتقاسمها الشخصيات، وفيها نرى الجزائر ضمن أزمنة مختلفة تحكمها تقنية الاسترجاع، والتداعي، أو ذلك الشرح المتصل بحقب زمنية سابقة، ونعني الاستعمار، وحركة التحرر، ومن ثم ظهور تلك النخب ليعلق القارئ في فكرة قوامها الأثر الذي تركه الاستعمار، بوصفه صيغة معمقة في مجمل السرد، لكن هذه الحقبة باتت عاملاً من عوامل بناء الصورة، أو الأوضاع التي آلت إليها الجزائر بعد الاستعمار، ولاسيما مع وجود النخب الوطنية، وهنا ثمة تركيز على الفساد، والجاسوسية والنخب والحراك الأخير، فنرى حفراً عميقاً على مستوى تكوين الشخصية الجزائرية، التي تتقاسم وعي التعبير عنها الشخصيات المتعددة، وبين ثنايا هذا السرد تتعالى نبرات التهكم والسخرية، والتأمل، وبيان طغيان الأحلام الزائفة ضمن قطاعات سردية تتقاطع مع نموذج سيري ذاتي من لدن المؤلف، فالشغف الواضح بالسينما يبدو صيغة للتعالي على الواقع، كما التصوير، والحشيش بوصفهما صيغا تعبر عن انسحاق الإنسان، بالتوازي مع بحث عمّ فضاءات أكثر رحابة وحقيقية.
تغرق الرواية في حوارية نقدية تطال مستويات: الواقع، التعليم، والاقتصاد، والفساد، الجاسوسية، وأنظمة المراقبة والعقاب، كما التعريج على قضايا تتصل بالأدب والفن والجمال والهجرة والاستعمار، والديمقراطية، والثورة الرقمية، وما تمخض عن كل ما مسبق من وعي جديد لدى الشعوب العربية، التي أدركت أنها تعيش في أكذوبة صنعها المستعمر أولاً، ومن ثم الأنظمة.
تُبنى الكثير من المواقف على الأحداث المتصلة باليومي والمألوف، لكنها تبقى في مجال نقد السلطة، وهنا تستعيد الرواية ضمن العديد من المواقف نتائج هذا الفعل، وتداعياته على الأنا، لكن النص يبقى مرهوناً بالفعل الشاهد الذي تتقاسمه حيوات السرد، ولكل شخصية منظومة من الوعي لإدراك محطيها، ولهذا نقرأ في مستهل الرواية التوصيف، عبر رؤية التاريخ التي هي عبارة عن حلقات مستمرة من الطوارئ، ما يذكرنا بما جاء في رواية جورج أوريل «1984» عن إدراك الاضطهاد، الذي لا تدركه الشعوب إلا إذا قارنت أوضاعها بأوضاع أخرى، حينها ستتمكن من الثورة، وهنا نلمح نقدا لاذعا للواقع، فيصبح نفي الاستقرار هو القاعدة، وهنا نرى التجانف عن المعنى الطبيعي للحضور في أوطان تعيش في الطارئ، فلا جرم أن تتخذ أسماء أعلام الأشخاص تكويناتها الدلالية، تبعاً لتكوين الشخصية، وتموضعها في السياقات الخاصة بها، لكن يبقى فعل التعويض جزءاً من محاولات الشخصيات لتجاوز واقعها، وهنا نرى سرداً يتعلق بالسينما، والإغراق بالحديث عن الأفلام، والتصوير، والحشيش، في حين أن الحب والعلاقات تبدو مبتورة لا تتمخض عن فعل.
ولعل هذا التكوين الضبابي والمغلق يشي بمقصدية الرواية التي ترتهن للنموذج الأفقي في البناء، وربما هذا يربك تلقي القارئ الذي يواجه بناء مغايراً حيث التخفف من الحبكة والفعل السردي المركزي، لكن الرواية تسعى إلى بناء مدارات مركزها السرد بضمير المتكلم الذي يعلن عن رغبة عميقة في الغضب والاحتجاج والإعلان عما يكمن في داخل الإنسان، وبين ثنايا هذه الخطابات المتوازية، ثمة إجراءات وأسئلة تتجاوز السياسي والاجتماعي، لتتصل بما هو فلسفي، لكن ضمن بناء متعاضد لقراءة هذا الواقع، الذي يختزله هذا المقطع:
«الرياضيات يا الشيخ أكذوبة، يعلموننا الحساب في عالم مليء بالجبرية لا بالجبر، مليء بغياب العدالة لا بالمعادلات المستوية… عالم كل الأطراف فيه غير متساوية الطرفين، وكل هندسته تؤدي إلى الحصول على علامة سيئة في امتحان الحياة. علينا أن نوقف الرياضيات ونتعلم التاريخ أولا.. ونتعلم الخيال.. الخيال أهم من الحسابات الدقيقة، دقة الحساب تأتي بالظلم والتنمر والاستعمار. الخيال يستعيد الأطفال الذين ناموا داخلنا ويحيل على لذة اللعب المشترك، هذا ما أوصلتني إليه تجربتي في إقامة ألف حساب لألف ألف شخص من سادة البلاد».
تغرق الرواية في حوارية نقدية تطال مستويات: الواقع، التعليم، والاقتصاد، والفساد، الجاسوسية، وأنظمة المراقبة والعقاب، كما التعريج على قضايا تتصل بالأدب والفن والجمال والهجرة والاستعمار، والديمقراطية، والثورة الرقمية، وما تمخض عن كل ما مسبق من وعي جديد لدى الشعوب العربية، التي أدركت أنها تعيش في أكذوبة صنعها المستعمر أولاً، ومن ثم الأنظمة، وهذا يبدو نموذجا يستغرق الكثير من المتن السردي، لكن ثمة لغة تبدو في بعض الأحيان مباشرة على لسان الشخصيات: «الذي يطمع في جنة لا يدخلها الكفار والملاحدة والغربيون عموما… فجأة اكتشف العرب أن الجنة موجودة في كل مكان، إلا في بلدانهم المليئة بالإيمان والفارغة من الأمن. واكتشفوا أن العالم كله مختلف عن بلدانهم حيث ينتشر الكرم وتغيب الكرامة، العالم الغربي الكافر سيئ النوايا الذي يشرب الخمر فيذهب إلى النار، رغم أن الناس فيه نظيفون طيبون متعاونون… كانت الصدمة كبيرة والعرب يكتشفون عن طريق الإنترنت أن العالم الغربي والشرقي (غير المسلم) أجمل بكثير مما يصور».
ربما ينطوي النص السابق على جملة مضمرات تسكن لاوعي الإنسان العربي، الذي بات في مرحلة ما بعد الاستقلال مرتهنا لحلم الهجرة والبحث عن الكرامة التي سُلبت منه على مدار عقود، ويكاد لا يسلم جزء من المشهد الجديد من النقد، الذي يشمل متغيرات الواقع الجديد، بدءاً من العشرية الأخيرة من القرن العشرين وصولاً إلى هذه اللحظة؛ ولهذا يبدو أن فكرة الكتابة التي يُكنى عنها بالسيناريو بوصفها إشارة سردية، ما هي إلا إحالة إلى التاريخ، كما مركزية الخطاب، وقدرة اللغة على أن تختزل كآبة العالم. إنها محاولات لنفي تزييف الوعي القائم، وهنا نقرأ فعل الاتصال العضوي بين مرحلتين: الاستعمار، والاستقلال:
«عملت على السيناريو بتثاقل كبير. كنت أشعر يا الشيخ بأنني أكذب. كنت أزيف التاريخ، لكنني كنت مجبراً كما تعلم. السلطة السياسية المستحكمة في البلاد آنذاك كانت أقوى من كل شيء رأيناه في تاريخنا. لقد ورثت من إدارة المستعمر الفرنسي شيئين: القسوة الشديدة على البسطاء، والخبث الشديد الذي إذا ما خالط غياب أي رادع قانوني، أو أي عين حارسة من الخارج أصبح يعمل حسب أبشع الطرق الاستبدادية. كنا في زمن الأخ الأكبر بأتم معنى الكلمة».
أفق الخلاص
تحتمل الرؤية السردية إلى حد ما وجود الأمل، نتيجة الحراك الأخير في الجزائر، إذ تبدو الكتابة تجسديا لوعي حقيقي بها، ولهذا نرى في تلك الكراسات التي تمنح لحبيبته «زهور» امتداداً طبيعياً يحتمي بالتفاؤل والاتحاد بين الوطن والمرأة، إذ يمكن أن يحدث تغييراً، على الرغم من أن البعض شرع للبحث عن عالم آخر عبر السفر والهجرة، وهنا لا يمكن إلا أن نتوافق على أن الحلم في الهجرة يبدو مرضاً مزمناً أصاب المجتمعات التي فقدت أمل الازدهار، الذي لم يتحقق بعد جلاء الاستعمار، ومع قدوم النخب الوطنية الحاكمة: «سألتني زهور: «ماذا كتبت عني في كراساتك؟ قلت لها: أعطيك نسخة، كتبت كل شيء. ستصابين بالهلع لو قرأت هذه الكراسات. الحراك مذكور بصفاته كلها في كراساتي. تصوري. أنت والحراك ظللتما حلمي منذ وقت كبير. كنت أرى الثورات الشعبية تنفجر هنا وهنالك، وأقول دور الجزائر آت لا محالة».
في الختام، يمكن أن نخلص إلى أن رواية «ضمير المتكلم» تُعنى في المقام الأول بالبحث عن مركزية التعبير، أي ذلك السعي لأن تكون صيغة للإنابة. إنها محاولة لاستلاب منصة الحكي من مركزية هيمنة خطاب السلطة، ولهذا يتخذ ضمير المتكلم صيغة متعالية، حيث يعدّ شكلاً من أشكال الاقتحام، والاحتجاج السردي، وإن اتخذ في بعض الأحيان تشكيلاً سردياً مغايراً، إذ تحتكم الرواية إلى حبكات غير منجزة ظاهرياً، أو تعتمد المبدأ التجاوري بوضوح في تكوينها الفني، وهذا ربما يبدد إلى حد ما خطية الحبكة، غير أن ذلك لا يمنع من ملاحظة تحقق النسقين العضوي والموضوعي في مجمل العمل.
كاتب أردني فلسطيني