الذكريات قد تحمل غيمة بكاء على الصفحات البيضاء، فالطبيب حكمت الشعرباف ، يحس عمق اللوعة حينما يجتاح الغوغاء كليته التي تخرج فيها، ومن ثم أستاذاً وعميداً فيها، كلية الطب قطعة من فؤاده الذي استهلك الكثير من الكد والتعب، وأهرق غزير الدموع، في قاعاتها، في ذكرياته الصادرة عن المكتبة العصرية البغدادية2021، التي غذاها بالوفاء لتلك الرموز، وهو يرثيها، خشية طوفان سينالها، فيفزع إلى البراري، بحثاً عن أيما مكان، لا يسجل ما يراه، إنما يضع بين سطوره شيئاً ينتمي إلى ثقافة وطنه، وكثير منه يشبه تذكارات الماضي، وهو ما يزال يمضي في رحلتها التي تضيء، وتشف من وراء نور الماضي الذي غاب.
الذكريات ترتبط بمشاعر من جوى مقيم لوطن يحبه، هو النخل والأشجار، وشط الشطرة، الذي يعيد وصفه بما يشاء من تكوينات، وقاعات الدرس، ومجلس الشعرباف الثقافي، الزوجة، الأبناء، المرضى، بلغته الخاصة، ومفرداته الشفيفة.
قرّ عندي عن يقين، أن المرء يكاد أن يجد ثمة نماذج فائقة الاكتمال، ما يدعوه للتشبث أكثر في الحياة، أو إن الحياة نفسها لا بد لها ان تستمر، دون أن تغير من نواميسها الأزلية في الجمال، بمعنى آخر تبدو الحياة أجمل، كي يستمر دفق الزمن نحو المستقبل بوجود هذه النماذج فيها، واليقين الآخر، هو الذي بلغت فيه ذروة المتعة في هذه السيرة أو المذكرات، وأحياناً اليوميات، هذا الجنس من الكتابة، وجد فيه (الطبيب) أرضاً خصبة بذر فيها تجاربه، وأحلامه، ورؤاه، بسردية رائعة للتجارب المهنية، والوطنية، والإنسانية، فهو يؤرخ لتاريخ العراق المعاصر، وتتوقف عند اقباساته الشعرية، ونصوص من التراث، وتتلمس بارتياح ما فيه من خفة الروح، بالتعليق الأنيق، والشاهد القرآني، والحكمة البالغة، والنكتة البارعة، مما يرد عفو الخاطر، إنه كمن يكتشف العلة، ويصف الدواء، ويطمئن المريض، بأنه سيحيا حياة رغيدة، هذه الذكريات، كما يصفها طارق الجنابي، وطن في رجل، إنه عمل ودود، وأنيق وعميق ومحايد، فيه الخبرة والعبرة.
يقول كاتب السيرة، إنه ليس بمعزل عمّا يدور حوله من أحداث، فهو يعيش فيها ويتفاعل معها، تلوح على شفتيه ابتسامة الرضا حين يرى الوطن معافى، ولو إلى حين، ويعتصر الألم قلبه، وتحتبس الآهات في صدره، وهو يرى هذا الوطن تعصف به العواصف، ويعبث به العابثون.
في «ذكريات وخواطر» أجمل ما يصف الشعراء، وما تتحدث عنه السير، فالشعرباف، موسوعي الثقافة، أديب مبدع، يذكرك بنخبة من الأطباء المبدعين الشعراء، طلعت الرفاعي، وإبراهيم ناجي، ومن التشكيليين، خالد القصاب، وعلاء بشير، وقتيبة الشيخ نوري، يكتب بلغة سهلة نافذة، معبرة، جميلة، أخاذة، حفظ الشعر، وهو في المرحلة الابتدائية، بقي يوماً بتمامه ليستظهر قصيدة الفرزدق الشهيرة كاملة:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم
ويحفظ قصيدة دعبل الخزاعي الطويلة في مدح آل البيت، ومع قابلية الحفظ، كان لديه نفور شديد من مادتي الرسم والرياضة. وتفوق في مادة الرياضيات.
الشعرباف يكتب بعمق، وأناة وتمهل، يكتب علماً، يضمنه مرحاً، وفكاهة، وأصلاً، وقلباً مفعماً بالحب يتسع لزملائه، وتلامذته، ومرضاه، لا ملل يصيب القارئ، ولا فراغ في النص، حكاية سردية محكمة البناء، والكاتب لا يساوم قراءه، إنما يبتكر لهم المتعة، في التنقل هنا وهناك، دون أدنى خطر في أن يخيّب آمالهم، كما يقول دانيال بناك في كتابه «متعة القراءة» الحق أن نقطف، ونشم، إذ إن علامات نجاح المؤلف والكتاب، هي القدرة على العصف والانبهار الذي يعقد اللسان. حتى تكون للكتابة جدواها، وللكلام سلامة منطوقه، وإرادة معانيه وسمو رسالته، حكمته وبلاغته ومعانيه العميقة. يقول: زارني ذات مرة صديق تجاوز الخامسة والثمانين من سني عمره، وبدأ معزوفته عن أمراضه، التي حفظتها، لم أجد وصفاً لعلاجه أفضل من القول المأثور (هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟) أسرع بالوصفة إلى الصيدلي، فأغرق بالضحك، وتقبل المريض هذه المزحة بصدر رحب.
في لغة الشعرباف حثّ على سلوك اجتماعي سليم، ودعوة إلى تعميق الجذر الإنساني، وشده إلى اكتساب المزيد من المعرفة، وتأمل تجارب الأزمنة الماضية، ففيها تجارب تشعّ فضيلة وأملاً، وتشبثاً بالحياة، إن القول هنا يفصح عن دراية وموقف، وليس بوسع المرء أن يتجاهل ما قدمه – حكمت وأبناء جيله – في كل الاختصاصات، إنهم كانوا بناة بلد، هؤلاء استخلصوا معنى الوطنية، وقيمة العمل، بتجرد، ونكران ذات، وإخلاص، كانت حياتهم حافلة بمعاني السخاء، خصبة، غنية، صلابة في المواقف وصدق العواطف، فضاء مفتوحاً إلى النور، وإلى العقل والقيم النبيلة.
في حفل توديع أحد الزملاء من الأطباء المتقاعدين، يقول المؤلف: ألقى فينا الزميل كلمة مؤثرة ومعبّرة، وكتب بخط واضح على لوحة مجاورة: أوصيكم أن تنقلوا جثتي بعد مماتي إلى قاعة التشريح في كلية الطب، ليستفيد منها الطلبة في الدرس والتعلم! أولئك كانوا يعرفون معنى حب الأرض، ومنزلة العلم، قبل أن يكون الوطن منفى لهم، فجأة يواجهون العبث والظلام يحكم البلاد، حكمت الشعرباف، الإنموذج، يتعرض أكثر من مرة إلى تهديد وإطلاق نار، يتساقط من حوله زملاؤه مضرجين بالدماء، فيحمل أوجاعه ليرحل، وهو يبكي كالأطفال: وطني منفاي، وحبي لا أبرحه.. صورة داخلية.
كاتب عراقي