فيلم «ثلاثة طوابق»… ناني موريتي يخيب الآمال في عمل يفتقر إلى العمق

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
1

كان ـ «القدس العربي» : اعتدنا من الإيطالي الكبير ناني موريتي على أفلام ذات بعد إنساني كبير، وتوقعنا منه فيلما يذكرنا بتحفته «غرفة الابن» الذي حصل عنه على السعفة الذهبية في مهرجان كان منذ عقدين. لكن موريتي في فيلمه الأخير «ثلاثة طوابق» المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته الرابعة والسبعين (من 6 إلى 17 يوليو/تموز الجاري) يقدم عملا يسرد أحداثا ويبعثر كلمات، دون أن يسبر غورا أو يلمس قلبا. نرى موريتي على الشاشة، فهو كما عودنا يمثل في أفلامه، لكننا لا نكاد نتعرف عليه كمخرج في هذا الفيلم.
«ثلاثة طوابق» عمل خفيض القامة كذلك المبنى المكون من ثلاثة طوابق الذي يعنون الفيلم. الفيلم لا يقدم صرحا إخراجيا أو دراميا، بل هو عمل ضئيل عن مبنى سكني من ثلاثة طوابق في العاصمة الإيطالية روما. لكل أسرة من أسر هذا المبنى حكاية، حكايات يتقاطع بعضها، وأزمات تتشابك أحيانا، لكن موريتي لا يتناول أيا منها بالعمق الكافي، ويخلو الفيلم من الشجن الإنساني، الذي عهدناه من موريتي.

2021-07-15_11-29-11_052520

يبدأ الفيلم، المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للروائي الإسرائيلي إشكول نيفو، بحادث تصادم، حيث يقود الشاب المخمور أندريا (أليساندرو سبردوتي) سيارته بسرعة كبيرة في منعطف بالقرب من المنزل الذي تقطنه أسرته، فيقتل امرأة تعبر الطريق، قبل أن تهشم سيارته الجدار الزجاجي لشقة جيرانه في الطابق الأرضي. وبعد الحادث تهرع الأم دورا، مارغريتا بوي، التي ألفنا وجودها في أفلام موريتي، للاطمئنان على ابنها والدفاع عنه رغم سكره الواضح، الذي أدى إلى مقتل امرأة، بينما يوبخ الأب فيتوريو، الذي يؤدي موريتي شخصيته، وهو قاض بارز، ابنه على طيشه. كنا نأمل لو اكتفى موريتي بهذه المأساة، مأساة مقتل امرأة وحياة شاب على المحك لتعرضه للسجن لطيشه، ليخلق منها عملا ذا مغزى وعمق إنسانيين. لكن يبدو أن موريتي في فيلمه هذا لم يكن معنيا بالعمق، بقدر ما كان معنيا بسرد الحكايات الواحدة تلو الأخرى. الجيران الذين تحطم الجدار الزجاجي لمنزلهم هما لوشو (ريكاردو سكامارشو) وسارا (إلينا لييتي) وهما أبوان لطفلة صغيرة، عادة ما يعهدان بها لجيران الطابق الثاني، وهما زوجان مسنان يعاني أحدهما من بدايات الخرف وفقدان الذاكرة، لرعايتها حين انشغالهما بالعمل. وذات يوم، بينما تذهب الطفلة الصغيرة مع جارها المسن لشراء بعض الأغراض، يضل الرجل الطريق ويلتبس عليه الأمر، وينتهي الأمر به باكيا متوسدا حِجر ابنة جيرانه الصغيرة في متنزه قريب من المنزل، حتى تأتي الشرطة والجيران لإنقاذه. هنا تلعب الظنون بلوشو ويتلبسه الخوف خشية أن يكون الجار المسن قد انتهك ابنته الطفلة في المتنزه قبل أن تنقذها الشرطة. وتصبح محاولة معرفة ما إذا كانت ابنته قد تعرضت لاعتداء جنسي هاجسا عند لوشو، هاجسا يدمر علاقته بجيرانه ويفتك بزواجه.
ووسط كل هذا الصراع والخلاف، لا يبدي لوشو أي تعقل أو حكمة حين تغازله الصبية شارلوت (دنيس تانوتشي) حفيدة جاره المسن، وينساق إلى مطارحتها الهوى رغم أنها أصغر من السن القانوني. إنها حكاية أخرى، وسط الكثير من الحكايات التي يغص بها الفيلم، دون أن تخدم الفيلم، ودون أي فهم للنفس البشرية أو أي عمق للحدث. ربما لا يريد موريتي تقديم أكثر من سرد لما يدور في الثلاثة طوابق من أحداث ولا أكثر من ذلك. ولا يكتفي الفيلم بكل هذه الحكايات، فهناك أيضا حكاية مونيكا (ألبا رورفاكر) تلك الأم الشابة التي أنجبت للتو طفلتها الأولى، والتي تعاني من الوحشة والوحدة، نظرا لسفر زوجها الدائم للعمل، والتي تعاني من هواجسها العقلية والنفسية، لأنها تخشى أن ترث مرض أمها العقلي.
لا يربط بين هذه القصص جميعا سوى الحيز المكاني، سوى ذلك المبنى المكون من ثلاثة طوابق الذي تدور الأحداث في داخله. لا ترتبط القصص ببعضها بعضا، ولا تتقاطع، ولا ترتبط مصائر أفرادها. تُقدم كل قصة، دون الغوص في أعماق أي منها، ودون تأمل لتأثير هذه الأحداث في أصحابها. وهكذا يباغتنا موريتي بكلمات تكتب على الشاشة «مرت خمسة أعوام» فيصبح الأمر كما لو أننا نتابع فصولا من حكاية يفصل بين كل منها خمسة أعوام. تتعاقب الأعوام والتغيرات، ولا نزال نبحث عن خيط يجمع الأحداث أو عن نهاية مقنعة. لكن موريتي يصوغ النهاية على عجل، ويحاول جمع الخطوط بلا جدوى. ونجد خطا جديدا للأحداث يقحمه موريتي إقحاما عن هجوم لمتطرفين معادين للهجرة، على مركز يقدم الملبس والمأوى للمهاجرين. ربما ود موريتي أن يعلق على قضية مهمة من وجهة نظره، لكن وجود الحدث بدا غريبا مقحما، لأنه أبقانا طوال الفيلم محاصرين داخل جدران الثلاثة طوابق، ولم يتناول العالم خارجه بأي صورة من الصور.
لا يقدم موريتي خيطا يجمع به لُحمة الأحداث، ولا يقدم تأريخا للشخصيات يجعلنا نفهم لم تتصرف بالشكل الذي تتصرف به. ولا يقدم الفيلم تطورا للشخصيات ولا نموا لها ولا نضجا. ومع إحباطنا المتزايد من هذا الفيلم تراودنا الآمال في أن يأتينا موريتي قريبا بفيلم جديد يصلح به ما أفسدته تلك الطوابق وسكانها في روما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية