وتركوه.. بلا نخيل!

حجم الخط
0

ها هم تحت جنح ليل العراق الطويل ينسحبون.. وقد داسوا في طريقهم ما داسوا من نخيله.. النخيل هو رمز العراق.. فأرض الرافدين هي الموطن الأول لهذه الشجرة المباركة حيث زُرع النخيل على ضفاف نهري دجلة والفرات من قديم الزمن. ولو لاحت في مخيلة أي منا صورة لبغداد أو العراق، تراءى له النخيل يُظللها من كل جانب.. إنه رمز العراق وشموخه كما الزيتون رمز فلسطين وقُدسيّتها. اليوم ونحن في دوامة الثورات والفوضى ونُذر المستقبل الغامض، هل منا مَن يقف للحظة يذكر ما حلّ بالعراق أو يفكر فيه؟ هل من أحد يحاول تحديد حجم الكارثة التي وقعت في ذلك البلد في وقت يستعد فيه أولئك الغُزاة للرحيل؟

لنذكر كلماتهم التي ألقوها على مسمعنا قبل تسعة أعوام عما سيجلبوه من حرية وعدالة لبلد أقدم الحضارات: ‘العراق سيكون واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.. سيكون نفط العراق للعراقيين.. سينعم العراقيون بالرفاهية في هذا البلد المتعدد الثروات.. وسيكون هناك دستور جديد يحمي الجميع..’، كانت تلك أهدافهم المُعلنة، أما الأهداف الحقيقية فكانت واقعاً على الأرض معاكساً تماماً.

جاؤوا.. بأسلحة اليورانيوم، لوثوا بها الهواء والسماء والماء والتراب لعشرات السنين القادمة.. هدّوا أركان الدولة فحلّوا الجيش والوزارات والمؤسسات.. وقطعوا الأرزاق.. نهبوا المتاحف وهدموا الآثار.. استولوا على النفط.. ووضعوا دستوراً فرَّق ولم يُوحِّد.. وبنوا أسواراً عالية في عاصمة الرشيد بين الأهل والجيران.. وغرزوا في قلوب أبناء العراق الخوف من الآخر.. فاستوطن في كل الأزقة أشباح الطائفية والمذهبية والعرقية.. قطّعوا أوصال البلد وأسالوا الدماء فيه غزيرة، وأهدروا حياة النخب من العلماء والمفكرين.. وشردوا الملايين في الداخل والخارج.. غيّروا الأرض فأضحت غير الأرض.. وها هم ينصرفون ولكن بشكل صوري، فقد عرفوا كيف يختارون التوابع، فتركوا وراءهم مَن يُؤثر رضاهم على بلده ويُنفّذ أجندتهم بأي ثمن حتى ولو اضطر لسرقة لقمة طفل يتيم جائع في العراق.. خلّفوا وراءهم ديمقراطية التفريق.. والفوضى والعنف والفقر.. وتركوا صنبوراً من النفط بلا عدّاد يضخ لهم بلا حدود.. تركوا أشلاء بلد أعادوه إلى عصر ما قبل الكهرباء.. تركوا العراق بلداً يحتل بين دون العالم المرتبة الأولى في الفساد، والمرتبة الأخيرة في الأمن والأمان. أما نخيل العراق فقد قضى الغزو والحرب والعنف على 80 ‘ منه. إنها لرمزية معبرة بوضوح عن الحال التي آل إليها هذا البلد الذي شهد أقدم حضارات. في العصور الوسطى كان ضياع الأندلس أكبر كارثة حلت بالتاريخ العربي الإسلامي. وعبّر عن ضياعها في الأدب العربي العديد من المُبدعين من شعراء الأندلس في ذلك الوقت، فجاءت قصيدة ‘رثاء الأندلس’ الطويلة لـ’الرندي’ كأبلغ ما قيل في ذاك الحدث.. ومما قال فيها: ‘لكل شيء إذا ما تمّ نـقـصـانُ فلا يُغرُّ بطيبِ العـيشِ إنســانُ ‘تلك المصيبة أنسَت ما تقدّمها وما لها مع طولِ الدهرِ نسيانُ’ تلت تلك الكارثة نكبة فلسطين في العصر الحديث، ليليها مباشرة ما حدث في العراق. هل من شاعر مبدع كالمُتنبّي يُوثق ما حلّ بالعراق برائعة على غرار قصيدة ‘الرندي’، يصف فيها بصدق حال العراق ومآسيه وتفككه وأفول نجمه كقوة شرق أوسطية؟ هل من ‘مُتنبّي’ يرثي العراق ويروي لنا وللقادم من الأجيال كيف تركوه.. بلا نخيل؟!

سناء عزت أبو حويج ـ العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية