لنعد إلى أبجديات الديمقراطية ومفاهيم الحكم الأمثل. الديموقراطية تعني سلطة الشعب أو ‘الشعب يحكم نفسه’، ولكن كيف يمكن للشعب أن يحكم نفسه بنفسه؟ لا بد من ابتكار آلية تنفيذية يتم من خلالها تطبيق نموذج سلطة وحاكمية الشعب، هذه الآلية تحقق تمثيل نسبي لأفراد الشعب ‘مجلس نقباء أو نواب أو شيوخ’ ومن خلال هذا المجلس يتم توزيع حقائب وزارية تحكم باسم السلطة التنفيذية.
لقد وجدت الدول والشعوب المتحضرة وعبر تجارب البشرية عبر التاريخ أن أفضل وامثل نموذج للحكم يكمن في الديموقراطية سواء ضمن مسمى دولة جمهورية رئاسية ‘رئاسة دولة أو رئاسة وزراء’ أو دولة ملكية فيها رئاسة وزراء، وهذا يعني أن تجري انتخابات حرة ونزيهة يتنافس فيها المرشحون ‘أفراد مستقلون أو أحزاب وجماعات’، الذين يمثلون كافة فئات الشعب وبتمثيل سكاني عادل، من اجل الوصول للسلطة، وأي سلطة.. إنها السلطة الشعبية.
إن فكرة تأسيس أحزاب سياسية ذات برامج لإدارة الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، هي فكرة معتبرة ومحترمة، وقد وجدنا أن تطبيق هذه الفكرة في بلاد الغرب والشرق ناجحة جدا، لأنها أوجدت سلطة شعبية منتخبة ديموقراطيا وأوجدت معها في ذات الوقت معارضة في وضع المراقبة للأداء الحكومي من اجل توجيه النقد للمسارات التي يعتقد أنها خاطئة، مما يعني التزام الحكومة بمنهجية التصويب والتصحيح، وتلافي الأخطاء والزلات. إن السماح بوجود أحزاب في دولة ما بموجب قوانين أو دساتير يعني بالضرورة أن هذه الأحزاب يجب أن تحكم لمعرفة خيرها من شرها، ولتبرير أسباب السماح لها بمزاولة نشاطاتها.
إن السماح بوجود هذه الأحزاب وبنفس الوقت منعها من الوصول للسلطة يعني إفراغها كليا من مقومات وجودها، فهي حينئذ اقرب ما تكون للجمعيات الخيرية أو التعاونية أو أندية الفكر والحوار، حينئذ تغدو مسألة وجود هذه الأحزاب عبثية واقرب إلى ألعاب الأطفال، ولكن يلهو بها الرجال!
الحكومة البرلمانية هي أعلى درجات الديموقراطية، ولكي تكون هذه الحكومة ممثلة تمثيلا حقيقيا للشعب لا بد من وضع بعض الشروط قبيل إفرازها، ومن هذه الشروط:1- أن يتم اعتماد نسبة مئوية معينة يجب على كل حزب أن يحصل عليها أو يتخطاها من اجل أن ينال تمثيلا نيابيا له تحت قبة البرلمان، كما هو حاصل في تركيا مثلا، والهدف من وراء ذلك استبعاد الأحزاب التي ليس لها قاعدة جماهيرية، ودفعها للإندماج او الحل خلال مدة محددة من ظهور نتائج الانتخابات.2- نسبة مشاركة شعبية في الانتخابات تزيد عن 50 ‘، لأن مشاركة بنسبة اقل من 50 ‘ تعني فيما تعني مقاطعة غالبية الشعب للانتخابات، وما دامت هذه إرادة الشعب فلتسقط الانتخابات، ولتجرى التعديلات المناسبة على قانون وإجراءات الانتخابات من اجل نيل رضا الشعب وتحصيل نسبة تزيد عن 50 ‘. إن تكليف أو تولية رئيس الحزب ذي النسبة التمثيلية الأكبر في البرلمان من اجل تشكيل الحكومة يحقق طموحات الشعب بالإصلاح والتغيير، حتى لو اقترفت هذه الحكومة الأخطاء فإن من يتحمل وزر هذه الأخطاء هم رئيس وأعضاء هذه الحكومة بكل ما يمثلونه من إرادة شعبية، وينصرف هذا الوزر كليا عن رئيس الدولة أو أميرها أو ملكها.
إن الحكومة البرلمانية ضرورية لأنها تكرس مفـــــهومية ‘ مـــثلما تكونوا يُوَلَّ عليكم’، فالشعب يفرز الغث والسمين وهو يتحمل نتيجة هذا الإفراز منطقيا.
ذياب شقيرات- الأردن[email protected]