«جيش السودان والدعم السريع من أبناء السودان ولن نرضى بتوظيفهما في طموحات شخصية» بهذه العبارة نقل القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير والبعث السوداني محمد وداعة، ملخص لقائه بالفريق ركن ياسر العطا، قبل ان يردفها بتشديد الرجل على أنهم كعسكريين لن يتركوا السودان ينهار بتاتا، في معرض تنوير قيادات سياسية باللجنة الفنية لإصلاح الحاضنة السياسية حيال ما رشح عن حالة احتقان بين مكونات عسكرية في المشهد السوداني وأشار إليها رئيس الوزراء السوداني في مبادرته.
عمليا برزت حالة الاحتقان في الساحة السودانية في أعقاب ارتفاع أصوات قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا تشرين الأول/أكتوبر الماضي تنديدا بتأخير تنفيذ الترتيبات الأمنية، تزامن ذلك مع ارتفاع أصوات دولية وإقليمية تتحدث عن دمج الجيوش خصوصا في ظل تزايد حالات التفلتات الفردية الصادرة عن بعض منتسبي المكونات العسكرية.
واشنطن لم تخف رغبتها المباشرة في حسم المشهد متعدد الأطراف العسكرية، وطالبت بشكل واضح بتوحيد الجيش السوداني في كيان مهني موحد يضم الجيش الحالي والدعم السريع وجيوش الحركات المسلحة.
الرغبة الدولية اصطدمت بحسب العديد من القيادات السياسية، بحالة من الشك وعدم اليقين تجاه المؤسسة العسكرية القديمة استشعرتها الحركات المسلحة، فأبدت تبرمها من سيناريوهات الدمج، خصوصا وان ذلك سيفقدها نفوذها وسطوتها في المشهد السوداني، الأمر الذي أدى إلى بروز أحاديث كثيفة عن شد وجذب بين الجيش والدعم السريع في مواجهة بعضهما البعض من جهة، وبين قيادات الحركات والجيش من جهة أخرى، فضلا عن وجود حركات مسلحة موجودة بالأصل ولم تكن ضمن الموقعين على اتفاق السلام في جوبا 3 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، كحركة القائد عبد العزيز الحلو وحركة عبد الواحد محمد نور.
عبد العزيز الحلو أيضا انضم إلى المطالبات الدولية والإقليمية، مشترطا في خواتيم جولة المفاوضات الماضية، بناء جيش مهني موحد وان تكون قواته من ضمنه.
رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك أيضا شدد في مبادرته على أن بناء جيش مهني موحد مسألة في غاية الأهمية سيما أن عدم تماسك المنظومة الأمنية قد يؤدي لشرخ في السودان.
النفي بلا دليل
حالة الاستقطاب والاحتقان سارعت أطراف عديدة لنفيها في مقدمتهم المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة السوداني الطاهر أبو هاجا، واصفا الحديث عن وجود خلافات بين الدعم السريع والجيش بالشائعات وقال: ترويج شائعات عن وجود توترات بين الجيش وقوات الدعم السريع هدفها تدمير الوطن.
في الضفة الأخرى سارعت قوات الدعم السريع في حزيران/يونيو الماضي بإصدار بيان منفرد أكدت فيه أنها مع الجيش في خندق واحد، بينما تزامن ذلك مع سعي مجلس السيادة بالسودان لنفي شائعات عن خلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع في بيان مشترك نادر للجيش وقوات الدعم السريع.
وقال البيان المشترك آنذاك «القوات المسلحة والدعم السريع على قلب رجل واحد للمحافظة على أمن الوطن والمواطنين ووحدة التراب وأنهما بالمرصاد للعدو الذي يسعى إلى تفكيك السودان وشرذمته».
وفي حضور الفريق أول محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، شدد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي في البيان على عدم الالتفات إلى الشائعات التي تستهدف وحدة المنظومة الأمنية مؤكدا على انسجامها وتماسكها وعملها لأجل هدف واحد. ونقل البيان المشترك عن البرهان قوله «لن نسمح أبدا لأي طرف ثالث يعمل على بث الشائعات وزرع الفتن بين القوات المسلحة والدعم السريع».
ونقل البيان عن دقلو، الذي اشتهر بلقب حميدتي، قوله «هدفنا واحد ولدينا مسؤولية تاريخية في الخروج بالبلاد إلى بر الأمان وأن الأعداء ينتظرون تنافرنا وقتال بعضنا بعضا». وأضاف «القوات المسلحة والدعم السريع يمثلان قوة واحدة تتبع للقائد العام وتأتمر بأمره».
خطوات ونصوص ملزمة
تكوين جيش قومي موحد لم يكن رغبة شخصية أو مزاجا عاما للشارع بعد ثورة ديسمبر في السودان، بل نصت عليه اتفاقية السلام في سياق خطوات تدريجية للدمج، تبدأ بدمج جيوش الحركات المسلحة في القوات النظامية بما فيها الدعم السريع ومن ثم لاحقاً دمج الدعم السريع داخل الجيش، وفعلياً شرعت الحكومة في عملية الترتيبات الأمنية بعد تشكيل لجنة من جيوش الحركات المسلحة ضمت سليمان صندل حقار من العدل والمساواة، وجمعة محمد حقار من جيش تحرير السودان، وسعيد يوسف من حركة التحالف السوداني، وأحمد جدو من تحرير السودان المجلس الانتقالي، بجانب ممثل من الـ «دي دي ار» وممثل الوساطة من جنوب السودان وبعثة الأمم المتحدة بالسودان. أبرز العقبات التي برزت في المشهد وأسهمت في تصاعد حالة الاحتقان تململ قيادات عسكرية بالحركات المسلحة وممانعتها في الانضمام لقوات الدعم السريع التي توضع ضمن الخيارات المتاحة للدمج، وأبدى عدد من القيادات العسكرية والسياسية للحركات المسلحة رغبتهم الاندماج في الجيش وضد الاندماج في الدعم السريع.
وبرر مصدر عسكري بإحدى الحركات في حديثه لـ«القدس العربي» رفضهم الاندماج في الدعم السريع، بحكم أن الدعم السريع ليس جيشا قوميا بل موازيا، وأضاف: «نحن نتمسك بتشكيل جيش قومي ومهني وموحد بعقيدة عسكرية جديدة تضع المؤسسة العسكرية أمام مسؤوليتها التاريخية في حماية الأرض والشعب وليس الأنظمة».
بروتوكول الترتيبات الأمنية الموقع في آب/اغسطس الماضي، يبدو أن واضعيه استصحبوا صعوبة المهمة، لذا نص على خطوات تدريجية تسهل لعملية الدمج الكلي، إذ نص على تشكيل قوات مشتركة بين القوات الحكومية والحركات المسلحة تحت اسم «القوى الوطنية لاستدامة السلام في دارفور» لحفظ الأمن وحماية المدنيين في إقليم دارفور، على ان تحصل تلك القوات على دعم لوجستي وتسهيلات من بعثة حفظ السلام الدولية التي ستراقب بدورها الأوضاع هناك.
وحددت الاتفاقية الأطراف المعنية بالأمر في الجبهة الثورية من جهة والجيش من جهة أخرى، وتضم الجبهة الثورية ثلاث حركات مسلحة متمردة، هي حركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة د.جبريل ابراهيم، فضلا عن الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار. في تقييم الموقف لا يبدو أن التطبيق العملي للاندماج في جيش واحد أمرا سهلا، في ظل مناخ الاحتقان الماثل، لجهة أن ثمة آراء لعسكريين ضمن المؤسسة العسكرية القومية ينظرون لتاريخ عمليات الاندماج في الجيش من قبل قوات أخرى كانت تتقاتل معها، ويذهب الخبير العسكري اللواء عبدالرحمن ارباب في حديثه لـ«لقدس العربي» إلى أن تاريخ المؤسسة العسكرية والسودانية يؤكد فشل تلك التجارب، مشددا على صعوبة دمج الحركات في القوات المسلحة لجهة انها كانت تحمل السلاح ضدها، وأضاف: «التجارب تقول أن ولاء القوات المدمجة في الجيش لا يكون للجيش وعقيدته المبنية على الوطن بل يكون ولاءهم لقائدهم».
وأشار ارباب إلى تجربة اتفاقية السلام بين الحكومة والجيش الشعبي بقيادة د.جون قرنق «نيفاشا» وقال: «عندما حدث الصراع بمنطقة أبيي انضمت القوات المكونة للقوات المشتركة كل قوة لجيشها» ويرى الخبير العسكري أن المؤسسة العسكرية السودانية قائمة على الاحترافية والقومية، منوها إلى ان الاحترافية تعني أن يكون منتسبها مقاتلا من الطراز الأول، فضلا عن الانضباط الكامل والالتزام بقواعد وقوانين المؤسسة العسكرية وهو ما لا يتسق مع تكوينات معظم الحركات». وأضاف: «أيضا هناك صعويات مثل العمر غير الملائم للرتبة ولا الرتبة نفسها بالإضافة إلى الانضباط كل ذلك يقف حائلا في مواجهة عملية الدمج في الجيش».
وأوضح اللواء عبد الرحمن ارباب أن السودان لم يشهد تجارب تسريح كثيرة في تاريخه يمكن الاستشهاد بها لدى تطبيق برامج الدمج والتسريح، وقال: «السودان عاش تجربتين في هذا السياق واحدة عقب الحرب العالمية الثانية، والأخرى في أعقاب ثورة 1924 منوها إلى ان التسريح يتم في احتفال كبير يتم خلاله سحب السلاح والزي العسكري من المسرحين، وتسليمهم زيا مدنيا من الدولة تكريما لهم. وأضاف: «تم أيضا مكافأتهم بتخصيص حي خاص بهم وهو حي الرديف الموجود في أكثر من منطقة بالسودان».
ودلل ارباب على فضل تجارب الدمج في القوالت المسلحة بالإشارة إلى تجربة الـ»انانيا ون» زعامة جوزيف لاقو وقال: «نصت اتفاقية 1972 على دمج القوات في الجيش في خمس مراحل على خمس سنوات، لكن عدم ثقة الجنوبيون أسهم بشكل كبير في فشل التجربة التي سميت وقتها بتجربة الانصهار» منوها إلى أن ذلك سبب من أسباب اندلاع التمرد مرة أخرى في انانيا وارباب أعتبر أن ثمة دائل أخرى للاندماج في الجيش من ضمنها التمييز الإيجابي للحركات وتوفير فرص عمل لمنسوبيها أو إعطائهم مشاريع زراعية، وأضاف «أنا لست مع حرمانهم من العيش الكريم، لكن وجودهم في الجيش السوداني ستنتج عنه مشكلة كبيرة ولن يؤدي واجبه بالصورة المطلوبة» وأضاف: «العسكرية السودانية ظلت متماسكة وقومية وموحدة، لكنها الآن تمر بمنعطف خطير، بفعل الهجمة عليها، والمطالبات بإعادة الهيكلة والتنظيم بدعوى الدمج». من جانبه يذهب نائب رئيس هيئة الأركان السودانية الأسبق الفريق ركن عثمان بلية بحسب تقارير إعلامية سابقة إلى أن أبرز التحديات التي تواجه تكوين جيش وطني موحد تتمثل في كيفية الدمج وتصنيف الرتب وفق أسس وقواعد القوات المسلحة وأيضا تصنيف الأفراد وتوظيفهم بحسب تخصصاتهم. وأوضح بلية أن القوات المسلحة لا تقبل بالأميين ولا بالخارجين عن سلوكيات القانون، مشددا على ضرورة الإلمام ببنود القانون العسكري والمدني وكذلك القابلية للتطور في القوات المسلحة. وأضاف: «إن الترقي والتدرج سيحسمان وفقا لأسس الكفاءة وستمنح الرتب بناءً على معايير توظيفية دقيقة».
القوات المسلحة السودانية
أنشئت في عام 1925 وشاركت وحدات منها في الحرب العالمية الثانية، وتمتاز بعقيدة قتالية تقوم على أساس الدفاع عن الوطن والحفاظ على سيادته ووحدته الوطنية، كما أن لها نظام انضباط عسكري صارم وتقوم بمهام مدنية تتمثل في تقديم المساعدات أثناء الكوارث الطبيعية وحفظ الأمن في حالة الأوضاع الأمنية المضطربة.
وتأسست نواة الجيش السوداني الحديت قبل عام 1955 وقد عرفت آنذاك بقوة دفاع السودان وكانت تتكون من عدد من الجنود السودانيين تحت إمرة الجيش البريطاني المحتل، وبعد العام 1954عندما استقل السودان عن الحكم الثنائي الإنكليزي المصري تم تكوين جيش وطني جديد بكافة فرقه البرية والبحرية والجوية . سن الخدمة العسكرية 18 عاما وقد خاضت معارك تزيد عن الـ50 سنة، من قبل أن ينال السودان استقلاله بعام وتوقفت بعد توقيع اتفاقية نيفاشا في العام2005 بجنوبه لتستمر في الاستعار بدارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وتتكون البنية التحتية للقوات المسلحة السودانية من قوة عسكرية كبيرة تتمثل في الذخائر والمدرعات والآليات الثقيلة ومصانع للأسلحة بجانب موارد بشرية تشمل أفرادا مدربين في عدة مجالات ذات صلة بالنشاط العسكري والحربي.
وقد أتت ثورة ديسمبر المجيدة لتعيد للقوات المسلحة تربيتها الوطنية وتزيل تمكين الإسلاميين بتربيتهم الجهادية بعد 30 عاما، ليبرز ملف تكوين جيش وطني موحد يضم القوات المسلحة والحركات والميليشات كترتيب أمني يسبق عملية توقيع السلام الشامل للجهات المتقاتلة.