تبدو الحاجة ملحة اليوم، مع تردي الواقع الفكري والثقافي والجهل الصريح بالتراث العربي والإسلامي بمناحيه المختلفة، ومنها العلمي والفلسفي، إلى استنهاض همم المفكرين والباحثين، وحثهم على تأصيل موقع الفلسفة الإسلامية في الدراسات الفلسفية المعاصرة، وبيان أثرها في تطور الفكر البشري ودورها في معالجة المشكلات الحضارية والقضايا الفكرية والعلمية.
وهو فهم يستدعي مطلب تجديد العقل الفلسفي العربي الإسلامي وتحديثه، والاستدلال من خلال المضمون الفكري لهذا الموروث على قدرة الأنموذج الثقافي والحضاري في أن يستأنف دوره ضمن المشترك الإنساني من جهة المنحى الغالب على إنتاج المعرفة ومسالك تنظيمها ووظائف أسسها النظرية والعملية.
فقد شهد التاريخ العربي الإسلامي نموذجا موحدا ومتناهيا للمجتمع المدني والسياسي، حين ظهر التعدد الديني، حيث تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود والأجناس والأعراق المتنوعة، ومارس الجميع عقائدهم بكل حرية والتزام. وهذا الاختلاف في أشكال الإدارة والقوانين والأعراف ضمن المجتمع الإسلامي كان مشمولا برعاية الشريعة، التي وحدت الثقافة الجامعة، وساهم في ذلك بدرجة أولى العلماء، فقد كانوا قادة المجتمع الإسلامي وليس الحكام والأمراء، في تواصــــل فعال بين العالم ورجل الدولة.
وأفضى التكامل بين الفكري والسياسي إلى غلبة مفهوم الجماعة ـ الأمة على مفهوم الدولة (الحاكم بأمره). وقد أعاد العرب من خلال الحضارة الإسلامية التي عالجت القضايا التي تهم الإنسانية كلها النظر بمعايير ترتيب البشر، فأصبحت التقوى هي المعيار الوحيد بدل العرق والنسب والثراء الاجتماعي، وما يفضي إليه ذلك من تراتبية اجتماعية. هكذا اعتبرت الرسالة الإسلامية أن كل البشر إخوة وهذا الإخاء الإنساني هو أساس العقد السياسي والاجتماعي.
وإننا نستمد من التراث جدواه في تنظيم التفكير، وفي تأسيس مقومات الفهم ومطالبه تجديدا للعقل الفلسفي العربي الإسلامي وعملا على تحديثه، ونشر الفهم القائم على القول بقدرة أنموذجنا الثقافي والحضاري على أن يستأنف دوره الممكن والمتحقق تاريخيا ووثائقيا، من حاصل إنتاج المعرفة التي تنازعها منحى المثالية ومنحى العقلانية ومنحى الشــــكلانية ومنحى النظامية، وأحالت على عقلية في التأطير وعلى نظام في التركــــيب، وعلى بنية في التنظيم ارتقت إلى مرتبة الأنموذج في كثير من الأحيان، عن طريق فعل الإبداع المعرفي وتمثيلية البناء الثقافي .
كان حينئذ الدافع التكويني والأساسي في طور مبكر من التئام عناصر الثقافة العربية الإسلامية، الذي انحكم بممارسة الجدل، متصلا بتحصيل المعرفة والتوجه الى روح المناقشة والمجادلة، ولا يكون ذلك إلا بتدارس قضايا المعرفة وضبط وجوه المقارنة بينها وتوسيع أفق الفهم وتنويع المصادر والمراجع نقلا وعقلا ونظرا واجتهادا .
يتضح حينئذ أن طبيعة الفكر الفلسفي موصولة وصلا صميما بأنماط السلوك وبوجوه التفكر والتعقل، بحثا عن الحكم الصائب والسلوك القويم، والعلم النافع والحكمة العملية، تدبيرا للمدينة وطلبا لاستقامة الدولة والمجتمع، وتثبيتا لمنزلة التفكير الفلسفي داخل المجتمعات. وهو فهم تطلب تعدد مسالك البحث ومساعي استحصال الحقيقة ومنحاها منهجا وفهما وتبصرا واستدلالا بضرب من الفهم المجدي والفعال والمخصب معنويا وماديا.
لقد أتاح لنا الفلاسفة والعلماء العرب والمسلمون بلوغ درجة الوعي بشرط وجودنا وبالعالم وبالكون وبالألوهية، وأناروا درب حياتنا باتجاه «الكل»، في ما وراء جميع الأهداف الجزئية، وإنهم ليختنقون في «المسائل المحدودة» ويطلبون «الرحابة القصوى»، حين يصوغ الفيلسوف والعالم تصورا عقليا عن بنية الكيان الإنساني وأبعاده وقواه ونزوعه لتحديد ما يستطيع أن يناله الإنسان من السعادة. وفي ذلك تأكيد على معنى الحياة وقيمة التفكير الإنساني في الوجود بالوصول إلى وضع أسس وقواعد للنظريات التي تؤثر في حياة الأمم والأفراد، وتكشف الحجب عن أسرار الكون وما فيه من إبداع . وهو ضرب من وعي الفيلسوف المسلم الذي عالج الصلة بين الله ومخلوقاته وعنى بمشكلة الوجود والوحدة والكثرة، وتكلم في العقل والنفس والمادة والحياة والمكان والحركة والسكون، وفصل القول في الفضيلة والسعادة، وحاول التوفيق بين العقيدة والحكمة، بين الوحي والعقل، بين الدين والفلسفة، إلى حد جواز الحديث عن ترسيم مسلكية العقل مرجعا أساسيا في سلم التنظيم والشرح والتفسير والتعليل والافتراض والاستدلال والاستنتاج.
٭ باحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي