أنطاكيا – إدلب – «القدس العربي» : يزداد انتشار ظاهرة عمالة الأطفال والتسول بشكل كبير في ريف محافظتي إدلب وحلب، بسبب الفقر وتردي الاحوال المعيشية، حيث أنهكت الحرب السكان على مدى عشرة أعوام وخفّضت مستوى الدخل الشهري للأسرة، وقللت من حضور الطلاب في المدارس وزادت من تسربهم.
الكثير من الأسر السورية فقدت الأب المعيل خلال الحرب، فبقيت الأم مع أطفالها اليتامى من دون معيل، وهو ما دفع الأطفال إلى ممارسة بعض الأعمال أو التسول لتأمين الخبز اليومي للعائلة، وتفاقم الأمر مع غياب مؤسسات كفالة الأيتام أو الرعاية الاجتماعية، كما أن النزوح والتهجير إلى مخيمات الشمال السوري حول آلاف العائلات للعيش تحت رحمة مساعدات المنظمات الإغاثية المتقطعة والتي قد لا تغني العائلات النازحة عن البحث عن مصدر دخل آخر.
عبد الرحمن، طفل من حلب، هدم بيته جراء سقوط برميل متفجر عليه قبل 4 سنوات، ليقتل والده، ويبقى معه أربعة أخوة هو أكبرهم، عبد الرحمن وجد نفسه مضطرًا للعمل من أجل أسرته في ورشة لتصليح السيارات في أعزاز في ريف حلب، ما يكسبه عبد الرحمن من المال يتراوح بين 20 و25 ليرة تركية في اليوم الواحد.
وتتنوع الأعمال التي يقوم بها الأطفال رغم صغر سنهم وقلة خبراتهم بين العمل في المعامل والمخابز ومحلات تصليح السيارات وغسيلها، بالإضافة لمن يعمل كبائع متجول يبيع الشيبس والبسكويت» والمشروبات الغازية.
وتعد المنطقة الصناعية في جرابلس مكاناً لآلاف الأطفال السوريين للعمل في مختلف أنواع المهن،
وتبرز في هذا الصدد مشكلة تسرب الأطفال عن المدارس وتوجههم لهذه المعامل مع غياب المساعي لحلها، ويستخدم الأطفال في أعمال شاقة مقابل أجور زهيدة، كنوعٍ من أنواع الاستغلال الذي يمارسه أرباب العمل لحاجة الأطفال وفقر أسرهم.
الطفل حسن عمره 13 عاماً، نازح من مدينة حلب في منطقة جرابلس، يعمل لمدة 10 ساعات يومياً في ورشة في منطقة جرابلس الصناعية، يقول إن والده عاجز عن العمل بسبب إصابة تعرض لها قبل نزوحهم من حلب ولجوئهم إلى جرابلس، وبسبب نقص المساعدات الإنسانية من قبل المنظمات والجهات الداعمة، وتردي أوضاعهم المعيشية، اضطر حسن إلى البحث عن عمل يؤمن منه الحد الأدنى من الدخل لعائلته، وهو ما دفعه للذهاب للمنطقة الصناعية رغم أجورها المنخفضة.
الصحافي السوري همام عيسى الذي يعمل ايضاً كناشط في ريف ادلب يقول لـ«القدس العربي»: «إننا نشاهد يومياً مئات الأطفال يذهبون صباحاً للعمل في الورش والمعامل والمراكز التجارية، بعضهم يجرون عربات حديدية في الشوارع لبيع الكعك وبعض المأكولات». ولفت عيسى إلى استمرار تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال وأنها حتماً تشكل خطراً كبيراً على مستقبل آلاف الأطفال شمال سوريا وأن «ذلك ينذر أيضاً بجيل جاهل مستقبلاً لا يعرف حتى كتابة اسمه أو قراءة أي كلمة». وبالرغم من أن قضية عمالة الأطفال ليست بجديدة في المجتمع السوري، إلا أن الحرب فاقمت منها وجعلتها مشهداً يومياً.
محاربة ظاهرة عمالة الأطفال، تتطلب تكثيف برامج التوعية، مع ضرورة وجود ضمان اجتماعي للأسر الفقيرة لمساعدتها معيشياً والحد من دفع أطفالها إلى سوق العمل مبكرًا، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر هذه الظاهرة التي ستترك آثاراً وخيمة على المجتمع في شمال سوريا لسنوات مقبلة.