يبدو أن الإنسان يلجأ إلى قديمه ثقافيًّا كما يلجأ لذكرياته شخصيًّا كلما وجد حاضره قفرًا، وهذا يشمل حاضرًا تفرّق فيه الصحاب أو غابوا، وحاضرًا لا يوجد فيه ما يروي العقل والقلب من إبداع جديد.
جائحة كورونا التي حشرتنا في أضيق الزوايا، التي ضعضعت ثقة الأمل بنفسه كما ضعضعت طيبة أحلامنا في يوم لا يوجد فيه موتى ولا مصابون، هذه الجائحة أفقدتنا الثقة بفن السينما على مدار عامين. لقد تسابق صنّاع السينما لتقديم ما لديهم، مفرِّطين بجودة المنتج، واثقين بجوع مشاهدين محاصرين سيلتهمون كل جديد يصل إليهم. وتسابق هؤلاء المنتجون في تقديم صورة لعالم اليوم في قبضة الوباء، وبالغ بعضهم أكثر حين مضى لتقديم أفلام عن الوباء عام 2025 وما بعده، فرُمينا بأفلام شديدة السوء.
لقد ظهرت في الفترة الماضية مجموعة من الأفلام بعنوان «حظر تجوال»، وكأن هناك شُحًّا في العناوين كشحّ المطاعيم الذي تعاني منه كثير من بلاد الله الفقيرة. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا، فقد تسابق نجوم السينما الكبار، ومنهم مخرجون مثل ميل جيبسون، لتقديم أفلام متدنية المستوى، لا تليق بأدوارهم الكبيرة ولا بذائقتهم الإخراجية.
وهكذا وجد الإنسان نفسه يبحث عن أفلام قديمة تركت أثرًا كبيرًا في داخله عندما ظهرت، ولحسن الحظ أن النسيان يساعدنا في رؤية ذلك القديم الرائع كما لو أنه ينتمي لحاضرنا، بسبب امتلاكه خاصية التجدّد وامتلاكنا، إن كنا محظوظين، خاصية تطوّر الأفكار واتساع الخبرة كمشاهدين، بحيث نرى ما رأيناه بطريقة مختلفة.
لكن أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تفقد الأمل تمامًا، وتكتفي بالعيش مع ذكرياتك الجميلة، أو قديمك الجمي، مهما كان مستوى جماله، وتنسى أن حياتك في «الآن» وأمامك، لا خلفك. هكذا يعود النبض لجسد الأمل المُلقى في الزاوية، فتعثر على فيلم حديث يعالج حظر التجوال والعواصف الصغيرة التي تتحوّل إلى أعاصير تضرب أركان الحياة التي كان أصحابها يظنون أنها مستقرّة، إلى أن وجدوا أنفسهم محشورين بين الجدران.
الفيلم الذي يقوم ببطولته شيواتال إيجيوفور، الذي رشح لجائزة الأوسكار عن دوره في «12 عامًا من العبودية» وآن هاثاوي الحائزة على الأوسكار عن فيلم «البؤساء» 2012، يبدأ واعدًا، لكنه ينتهي مثل أي فيلم حركة من المستوى الرابع، سطو ومطاردة، ويضيع الموضوع تمامًا.
.. وتقرأ أن العالم مشغول بالجزء الثاني من فيلم «مكان هادئ»، فتراه، بعد أن كنت رأيت جزأه الأول، فتكتشف أن الفيلم ملفق على مستوى السيناريو المكرر، وعلى مستوى الأحداث، لكن صنّاع الفيلم على ثقة بنجاحه تجاريًا، ولذا يتركون النهاية مفتوحة على جزء ثالث، لأنه الجزء الثاني ترك، أصلًا، كثيرًا من الأحداث المعلقة، أو كأنه نسي العودة إليها، وهذا هو الأمر المرجح.
تلوم نفسك على إضاعة وقتك في الزمن الكوني الضائع، وتقرر العودة إلى قديمك، فتجد عزاءك في فيلم «سيكون هنالك دم» للمخرج المتألق بول توماس أندرسون؛ ملحمة سينمائية استثنائية مكونة من شخص واحد في الحقيقة، هو دانيال بلينفيو، الباحث عن النفط، الذي يلعب دوره الممثل الأيرلندي دانيال داي لويس، والذي يحمل الفيلم بأكمله على كتفيه، بحيث يبدو الآخرون مجرد ظلال تحت شمسه الحارقة. ليس فيلم رعب، ولكنه في الحقيقة كذلك، فحين يصبح الوحش طليقًا، لا يعود الأمر مرهونًا بعدد الأشخاص الذين سيقتلهم، بل يصبح الأمر مرهونًا بحريته المُطلَقة في ممارسة فعل القتل.
ثم تقفز ثانية إلى الماضي، وتشاهد ملحمة المخرج تيم برتون المذهلة «سمكة كبيرة». كل ما في هذا الفيلم مدهش، منذ لحظة ميلاد بطله الذي ينطلق كقذيفة في لحظة خروجه إلى العالم، إلى أن يتشكل إنسانًا شجاعًا مخترقًا ومربكًا جهامة العالم؛ يدقّ باب الساحرة طفلًا، ويصاحب عملاقًا، في شبابه، ويظفر بالسمكة الكبيرة التي اضطر لأن يضع خاتم زواجه طعمًا ليغريها، فيغدو همّه الأكبر العثور على خاتم زواجه داخلها. شخصية فريدة تكبر وتلعب دورًا مذهلًا في سرد حكاياتها التي لا يصدّقها حتى الابن، إلى أن تطل في نهاية الفيلم تلك الجملة الجميلة: «لكثرة ما يروي الإنسان القصص يصبح القصص ذاتها». وينتهي الفيلم تاركًا مشاهده يتساءل: أيهما الأهم، الحقيقة، أم جمال الحكاية حتى لو كانت مخترعة؟
رغم هذا الرحيل إلى الماضي، لم يخلُ العالم من أفلام جديدة جميلة، لكنها لا تسدّ جوع مشاهد عاشق للسينما لأكثر من أسبوع، وسط بحر الحظر والحذر، مثل الفيلم الرائع «الأب» لأنتوني هوبكنز؛ آخر الكبار الذين تجلس أمام أدائهم مذهولًا. والفيلم الدنماركي «جولة أخرى»، بطولة مادس ميكلسن، وفيلم «صوت المعدن» بطولة الصاعد ريز أحمد، و»أرض الرُّحَّل» الذي أبدعت مخرجته في إيجاد توليفة محكمة بين الوثائقي والروائي، وفيلم «الرجل الذي باع ظهره»، عاثر الحظ في الوصول إلى الفوز بالأوسكار، وصولًا إلى الفيلم الفلسطيني القصير الجميل «الهدية» الذي لامس الجائزة لكنه لم يعد بها إلى البيت.
لكن وجود عشرة أفلام أو عشرين فيلمًا جيدًا ليس كافيًا أبدًا لكي تُبدد عزلة البشر وشوقهم للجديد، وضاعف حجم العزلة سينمائياً أن مخرجين كبارًا جاءت أفلامهم أقل مستوى بكثير من أعمالهم السابقة، بدءًا من كرستوفر نولان، مرورًا بديفيد فينشر، وستيفن سودربيرغ في فيلم من بطولة ميريل ستريب عنوانه «دعهنَّ يتحدثن»، وأظن أن وودي ألن كان المخرج الأفضل له، لو حدث ذلك، لأنه ينتمي إلى سينماه أكثر.
في زمن ما قبل الوباء، كان يمكن أن تثق في الممثلين والمخرجين الكبار أكثر، وبالذات بالمخرجين، لكن ذلك تزعزع إلى حدّ بعيد، بحيث توالت خيبات الأمل واحدة بعد أخرى، وكأن بعض الممثلين البارزين كانوا يصرون على انتحارهم الجمالي عملًا بعد آخر، كأنهم على ثقة في نهاية العالم!
هكذا تجد نفسك، مرة أخرى، عائدًا بثقة إلى أعمال مخرجين رائعين، مثل المخرج زانغ ييمو وفيلمه الجميل «زهرات الحرب»، وتفاجأ بفيلم لم يسبق لك أن رأيته، رائع في بساطته وعمقه وحبّه للسينما، اسمه « ثانية واحدة»، حيث براءة العالم وطزاجته وسحر الشاشة الكبيرة في عيون البشر، وحكاية مشوقة لعرض الأفلام في القرى النائية، الأفلام التي ينتظرها القرويون كما ينتظرون الأعياد.
وبعد: لعل أجمل ما حدث لنا كبشر أن لدينا مخزونًا هائلًا من الجمال، سينمائيًا وأدبيًا، وفكريًا.. لا نحتاج شيئًا مثلما نحتاج العودة إليه، لا لنراه وحسب، بل لنتعلّم منه دائمًا، ولندرك أننا لم نكن عابرين!