تفاقم الفساد في لبنان ناقوس خطر يهدد مستقبل التنمية

عبد معروف
حجم الخط
0

لعب الفساد داخل مؤسسات الدولة اللبنانية وفي القطاع الخاص، دورا بارزا في الانهيار العام الذي يضرب البلاد، وفقدان الثقة بين المواطن والسلطة، وشكل الفساد ظاهرة عمت المؤسسات العامة والخاصة وتحولت إلى ظاهرة خطيرة تهدد مستقبل البلاد والشعب، ما أدى إلى الانفجار الشعبي العارم الذي عم المناطق اللبنانية خلال الأشهر الماضية.
والفساد هو استغلال الموظف للسلطة أو الوظيفة أو العمل بهدف تحقيق مكاسب أو منافع غير متوجبة قانونًا.
والفساد مصطلح متداول في كل الدول، وهو «استغلال سلطة لمنفعة خاصة» وفق تعريف منظمة الشفافية الدولية. هذه السلطة قد تكون في القطاعين العام أو الخاص، والمنفعة الخاصة ممكن أن تكون لمنفعة الفاسد أو لأصدقائه أو زبائنه.
يشكل الفساد عائقًا أمام تقدم الوطن ونهوضه إذ إنه يسبب الفقر وينتهك حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية والعدالة ويقوّض الديمقراطية ويعوّق النمو الاقتصادي ويلحق الضرر بالبيئة والصحة العامة، ويعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر، وهو يعتبر إحدى أدوات الجريمة المنظمة.
ويعاني لبنان آفة الفساد التي تنخر كل مؤسساته في القطاعين العام والخاص، وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2020 الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية احتل لبنان المرتبة 149 عالمياً من أصل 180 دولة يقيسها المؤشر، وهذا يشير إلى عجز الدولة ومؤسساتها المتفاقم على الرغم من الدعوات والخطابات المنادية بالإصلاح ومكافحة الفساد.
فقد أوضحت «الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد» الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية، ان مؤشر مدركات الفساد هو مؤشر يقيس مدى إدراك المجتمع للفساد في القطاع العام بناء على 13 مؤشرا مختلفا تعتمدها منظمة الشفافية الدولية، ويمنح المؤشر درجة تتراوح من صفر إلى 100 نقطة، فكلما اقتربت الدولة من درجة صفر عكس ذلك ارتفاعا في مستوى الفساد لديها والعكس صحيح.

الواقع الاقتصادي والمالي

وأوضح عضو مجلس إدارة جمعية «لا فساد» مصباح مجذوب ان تصنيف لبنان 100/28 هي درجة الرسوب التي لا يزال لبنان يستحوذ عليها للعام السابع على التوالي، على الرغم من البرامج الإصلاحية التي تعهدت الأحزاب السياسية بتنفيذها من خلال برامجها الانتخابية النيابية في العام 2018 من مكافحة الفساد وتطوير النظام الإداري، إلا أن هذه البرامج لم تترجم فعليا، الأمر الذي انعكس على الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي، الذي بدأ من التأخير في تشكيل الحكومة، وتعطيلها أكثر من مرة نتيجة الخلافات السياسية، وتخلف لبنان في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تعهدت الحكومة بتنفيذها، بدءا من إقرار سلة تشريعية تتضمن قوانين تساهم في تعزيز الشفافية والنزاهة، فضلا عن التأخر في إقرار الموازنة العامة. كل ذلك أدى إلى إضعاف الثقة ما بين المواطن والسلطة، وإبقاء درجة لبنان 100/28 وإلى المساهمة في انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019.

الرشى والواسطة

فقد كشف تقرير «الشفافية الدولية» الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر الماضي بأن لبنان الأول عربيا في دفع الرشى والواسطة. وأكد التقرير على أن أكثر من ثلث المواطنين، يقومون باستغلال العلاقات الشخصية، أو ما يعرف بالواسطة، للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، و41 في المئة من الأشخاص دفعوا رشاوي لتسيير معاملاتهم، فيما لجأ 54 في المئة منهم إلى الواسطة من أجل الحصول على الخدمات العامة. وتضمن التقرير استطلاعا للرأي أكد على أن 68 في المئة من العيّنة المستطلعة اعتبرت أن الفساد قد تفاقم. وأن معظم العاملين في الإدارات والمؤسسات العامة متورطون في الفساد، يليهم النواب بنسبة 64 في المئة.
اللافت في هذا الاستطلاع، هو اعتبار 54 في المئة من المستطلعين أن المصرفيين متورطين في الفساد، علما أنه جرى قبل انتفاضة الشعب اللبناني في 17 تشرين الأول/اكتوبر، وما تلاها من إجراءات تعسفية قامت ولا تزال تقوم بها المصارف اللبنانية بحق المودعين، يلي المصرفيين في هذا الاستطلاع القضاة والموظفين القضائيين بنسبة 53 في المئة ومديرو الأعمال بنسبة 53 في المئة.
وللمنظمات غير الحكومية حصتها من الفساد، خصوصا فيما يتعلق بالهبات والتمويل الضخم الذي تحصل عليه المنظمات وهو بمعظمه مخصص لتنفيذ مشاريع في مخيمات اللاجئين السوريين وسواها. وقد نالت هذه المنظمات نسبة 47 بالمئة من الفساد برأي المستطلَعين، ولم يكن مستغربا حصول رجال الدين على نسبة 46 بالمئة بفعل الفساد في المحاكم الدينية حيث يخضع المواطنون في لبنان لقوانين الأحوال الشخصية الطائفية.
أما الموظفون الحكوميون في الإدارات المحلية، أي موظفي البلديات بشكل رئيسي، فنالوا نسبة 46 بالمئة من الاستطلاع، بينما كان مستغربا أن ينال عناصر الشرطة 44 بالمئة فقط من آراء المستطلعين.
على صعيد آخر، فقد بلغ معدل الرشوة في الإدارات العامة اللبنانية 41 في المئة، فيما بلغت نسبة الواسطة 54 في المئة، وذلك بالاستناد إلى الأشخاص الذين تلقوا خدمات من مصالح حكومية خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة.
أما النسبة الأكبر لمعدلات الرشوة فكانت من حصة القضاء اللبناني بنسبة 48 في المئة، فيما كان معدلات الواسطة 65 في المئة، وهي نسبة تدل بشكل فاضح على حجم التدخل في عمل القضاء والحاجة الفعلية لإقرار قانون استقلالية القضاء الذي يتم مناقشته في هذه الفترة في لجنة الإدارة والعدل النيابية.
إلى ذلك، أثبتت الأرقام التي أصدرها البنك الدولي أخيرا، بلوغ نسبة الفساد في لبنان درجة عالية، إذ أفاد المسح عن بلوغ الرشاوى التي دفعتها الشركات في المؤسسات والإدارات العامة أكثر من 19 في المئة.
ويواجه اللبنانيون طلب دفع رشوة واحدة على الأقل عند التقدم للحصول على رخصة كهرباء، أو اشتراك في شبكة المياه، أو رخصة تتعلق بالبناء، أو على تراخيص للاستيراد أو التشغيل، أو خلال اجتماع الشركات بمحصلي الضرائب. وتشكّل نسبة الشركات التي تواجه طلب دفع رشوة في لبنان النسبة الـ50 الأعلى بين 135 دولة في العالم والمرتبة الخامسة الأعلى بين 11 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وأشار المسح إلى أن 61.4 في المئة من الشركات التي شملها المسح في لبنان حددت الفساد كعائق رئيسي لأعمالها، مقارنة بنسبة 35.2 في المئة من الشركات عالميًا و53.2 في المئة من الشركات في منطقة الشرق الأوسط التي لديها الرأي ذاته.

هدايا ومدفوعات غير رسمية

أفاد البنك الدولي أن الرشوة تحصل عندما يتطلب من الشركات تقديم المدفوعات غير الرسمية أو الهدايا لإنجاز أمورها. وتستند النتائج على دراسات استقصائيّة لأصحاب الأعمال وكبار المديرين في أكثر من 130.000 شركة في جميع أنحاء العالم. وقد شمل المسح في لبنان عينة من 561 شركة والتي تشمل 264 شركات متناهية الصغر والصغيرة الحجم، و207 شركات متوسطة الحجم و90 مؤسسة كبيرة. أيضاً، كانت 42.6 في المئة من الشركات المشمولة في المسح تعمل في القطاع الصناعي، و18.7 في المئة منها تعمل في القطاع التجاري، و 38.7 في المئة منها تعمل في القطاعات الأخرى.
إلى ذلك، أظهر المسح أن 14.6 في المئة من الشركات العاملة في لبنان تتوقع أن تقدم الهدايا أو المدفوعات غير الرسمية خلال اجتماعهم بموظفي الضرائب، النسبة الـ48 الأعلى عالميًا والسادسة الأعلى إقليمياً. وعلاوة على ذلك، أشار المسح إلى أن 20.9 في المئة من الشركات في لبنان تقدم الهدايا أو المدفوعات غير الرسمية للموظفين في الدوائر والمؤسسات العامة لإنجاز أمورهم في ما يتعلق بالجمارك والضرائب والتراخيص والخدمات، مقارنة بنسبة 19.7 في المئة من الشركات عالميًا و 18.7 في المئة من الشركات إقليمياً.
أيضًا، أشار المسح إلى أن 30.2 في المئة من الشركات في لبنان تقدم الهدايا أو المدفوعات غير الرسمية إلى المسؤولين الحكوميين لتوقيع عقد في القطاع العام، أي النسبة الـ62 الأعلى عالمياً.
تفشّي الفساد في لبنان وبحسب منظمة الشفافية الدولية يعود إلى فقدان الثقة في النظام اللبناني وإلى عدم التمكّن من بسط سلطة القانون، لأنّ شرعية الدولة مهدّدة. وإنّ تقاسم السلطات يروّج لفاعلية النخب السياسية الطائفية التي تعمل بحسب أجندة مصالحها الخاصة. كما أنّ تفشي ظاهرة الفساد أدّى إلى إضعاف الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً أنه لا توجد أيّة سياسات اقتصادية تعتمدها الحكومات لتخفيض الضرائب وتشجيع الاستثمارات.
وقسّمت منظمة الشفافية الدولية أسباب الفساد في لبنان إلى عامة وخاصة. وجاءت الأسباب العامة للفساد مقرونة بالصعوبات المالية والمادية والهدر التاريخي للثروات الوطنية، بالإضافة إلى وجود منظومات قانونية، الجيد منها غير مطبق بفاعلية والسيّئ لا توجد حوله إرادة سياسية لتغييره وتطويره.
أما الأسباب الخاصة بالفساد، فهي مرتبطة بالممارسات التي تقوم بها القيادات والموظفون العامون مثل عدم مراعاة أحكام القوانين، حيث يتصرّف المسؤول انطلاقاً من اعتبارات الوجاهة والمحسوبية والكيل بالمكيالين، وعدم احترام الإجراءات التأديبية.
وفي رأي أستاذة العلوم السياسية والإدارية الدكتورة لور أبي خليل، وهي باحثة وخبيرة في شؤون التنمية الاجتماعية ومكافحة الفساد، فإنّ النظام السياسي اللبناني يخضع لحالة انتشار الفساد السياسي الذي قاد إلى إضعاف فاعلية الدولة وكفاءة أجهزتها في التصدي لهذه الظاهرة. كلّ ذلك بسبب ضعف وتفكك مؤسسات الدولة وغياب التنسيق والإدارة وإمكانية المحاسبة فيها، واختراق تلك المؤسسات من جهات تناقض بمصالحها الخاصة المصلحة العامة. كما انّ ضعف الثقافة المؤسسية والبنى الاجتماعية الحديثة وهيمنة البنى التقليدية مع كلّ ما تتطلبه من تضامنات عشائرية أو مناطقية أو طائفية ومن شخصنة العمل السياسي والمؤسّسي يؤثر على ضعف أداء أو كفاءة آليات الضبط والموازنة. ويتمّ كلّ ذلك في ظلّ ضعف الشعور الوطني والهوية الوطنية وسهولة انقياد السياسيين لخدمة مصالح وقوى وجهات خارجية.
وبما أنّ حالة الفساد قد استشرت في لبنان وضربت الأرقام القياسية، فقد انغمس فيها رجال الدولة، فطالت المجالات كافة مثل قطاع استثمار الأبنية والأراضي والبنية التحتية كالطرقات وقطاع الاتصالات، وقطاع البنوك وتهريب الأموال إلى الخارج، وتجارة المخدرات والدعارة، بالإضافة إلى طرائق الاستيراد، وطرائق توزيع المساعدات، وطال الفساد الصحافة ومؤسساتها، ومؤسسة قوى الأمن الداخلي، والتعليم الرسمي، أيّ إبقاء هذا النظام غير فعّال وذلك لمصلحة القطاع الخاص، وفساد الموظفين في القطاع العام، والفساد القضائي.
وعليه، يمكن القول إنّ الفساد قد استشرى في لبنان واتسعت مجالاته وأصبح يهدّد بنية المجتمع. فهذه الظاهرة تجتاح لبنان وتتسارع وتنمو بخطوات سريعة، بحيث أصبحت تمثل ناقوس الخطر أمام التنمية.
مكافحة الفساد تبدأ أولًا بكشفه وإثبات حصوله وتوفير أدلّة تمكن من إلقاء القبض على الفاسدين والتحقيق معهم ومعاقبتهم، إلا أن كثيرا من الأشخاص يحجمون عن الإبلاغ عن فساد ما خوفًا من أضرار مادية أو معنوية قد تصيبهم في حال قيامهم بالإبلاغ عن أي فساد أو فاسد. لهذا كان لا بد من وضع تشريعات تعاقب على الفساد من ناحية أولى، وتحمي كاشفيه من ناحية ثانية، فضلًا عن وضع آلية محكمة للاستقصاء عنه والتحقيق فيه وإثباته ومتابعة إجراءات المحاكمة والحكم والعقاب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية