يرى الناشط والأكاديمي العراقي فارس حرّام أن اغتيال كثير من قادة الحركة الاحتجاجية ورموزها جعلهم يتعاملون مع التهديدات بشكل جدي، لكن ذلك لم يرهب الساحات بل على العكس زادها قوة وكانت تنتفض في ذروة التهديد بالقتل، متوقعاً أن تشهد هذه الساحات عودة غير مسبوقة بعد الانتخابات البرلمانية التي يقاطعها غالبية “التشرينيين”.
في رأيه أن وجود دولة محطمة تُقاد بواسطة السلاح ومنهارة في بناها التحتية وقطاعاتها وتهدد كل أشكال الحياة المدنية يجعل العراقيين غير صبورين كفاية لخيار التغيير التدريجي، لكنه يرى أن اسقاط النظام قد يؤدي إلى حرب أهلية أو عنفية تمسك بزمام السلطة. من هنا يدعو إلى أن يكون خيار استمرار الاحتجاج المنظم أداة من أجل فرض شروط التغيير على السلطة من أجل واقع جديد يمكن أن يكون انتقالياً.
لم يقنعه كثيراً إعلان رئيس الحكومة عن توقيف قاتل الناشط هشام الهاشمي، معرباً عن اعتقاده أن الحكومة لديها خطوط حمراء لا تستطيع تجاوزها خوفاً من خروج الوضع الأمني عن السيطرة، وأن الخطورة تكمن في التعبئة الاجتماعية والتحريف المبني على سبب ديني للقتل، لافتاً أن الناشطين يحصل تحت يافطة «أننا أعداء الله». وإذ يثمن دور المرجع الأعلى في النجف أية الله السيستاني، فإنه يدعو كمدنيين إلى التعامل بحذر مع الدعوات التي تطالب السيستاني بالتدخل لتصحيح الدولة، لأنها قد تخدمنا على المستوى القريب، ولكن ستضر على المستوى البعيد بالدولة المدنية. يقول إن ثمة حاجة لحوار إمريكي- إيراني- عراقي من أجل إخراج العراق من مأزق الصراع عليه، لكن ذلك يتطلب حكومة قوية غير متوفرة.
وفي ما يأتي نص الحوار.
وفي ما يأتي نص الحوار.
○ أين ثورة تشرين وأين الثوار في العراق؟
• هناك مساحتان كانت تظهر فيهما ثورة تشرين 2019 والاحتجاجات التي سبقتها: الأولى، هي ساحات الاحتجاج في الشارع، والثانية هي وسائل التواصل الاجتماعي وتعبئة الرأي العام ضد السلطة. المساحة الأولى انحسرت بسبب مجموعة من الظروف، أحدها تعليمات الحظر نتيجة تفشي فايروس كورونا، والثاني البدء بالتحضير للانتخابات النيابية، وهذا جعل ساحات الاحتجاج تنتقل إلى العمل السياسي المنظّم عبر تأسيس أحزاب للمشاركة في الانتخابات، وإن كان بعضها قد قرر مقاطعتها. أما مساحة التواصل الاجتماعي، فألاحظ كمراقب، أنها تكبر يومياً، حتى لو لم تكن هوية هذه المعارضة «تشرينية» بشكل خاص، وإنما رغبة التغيير موجودة عند كثير من قوى التغيير، وهي واضحة الآن في المجسّات الموجودة لدى وسائل التواصل الاجتماعي. من هنا أقول إن ثورة تشرين ما زالت موجودة، وستُعيد بعض العوامل المقبلة خروج الجماهير إلى الشارع بصورة غير مسبوقة. سيلعب انحسار فايروس كورونا دوراً أساسياً، وكذلك نتائج الانتخابات، لأن مؤشرات التحوّلات الكبيرة غير موجودة في الانتخابات، فلا توجد مؤشرات تدل على مشاركة واسعة، ولا يوجد مرشحون مهمّون في محافظاتهم. هؤلاء في غالبيتهم امتنعوا عن المشاركة في الانتخابات، إما اعتراضاً أو بسبب التهديد والخوف من الاغتيال وغادروا محافظاتهم طلباً للأمان رغم أن كثيراً منهم نتوقع الفوز لهم في مناطقهم.
○ لماذا قوى التغيير والثورة تذهب إلى انتخابات غير مؤمل منها، تحت وطأة السلاح، لماذا لا تقاطع؟
• هناك رأيان داخل ثورة تشرين حيال الانتخابات، رأي مع المشاركة وآخر مع المقاطعة. الأول يتوخى أن تكون نقطة بداية لتغيير تدريجي في العراق، وهذا أمر طبيعي وممكن من الناحية المبدئية، بحيث يُشكّل الرابحون وإن كان عددهم ضئيل نواة لمعارضة داخل البرلمان ومن ثم يوسّعون حلقة هذه المعارضة عبر تقديم نموذج برلماني تغييري أمام الجمهور، فتتسع ثقة الجمهور بهذا المشروع، ثم في الانتخابات الأخرى التي تليها بعد 4 سنوات سيزداد عدد هؤلاء ليصل ربما إلى ضعفين أو ثلاثة أو عشرة أضعاف. هذه وجهة نظر الجهة التي تريد المشاركة.
أما الجهة المعارضة التي تريد المقاطعة، وأنا جزء منها، فهي تعتقد أن انهيار البنية التحتية في العراق، وجيوش البطالة التي تزيد كل سنة بسبب تخرّج عشرات الآلاف من الطلاب الباحثين عن عمل، وانعدام سوق عمل لهم، إضافة إلى انهيار قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة، وانهيار البنية التحتية من مستشفيات ومدارس ونظافة وإعمار وسكن، إضافة إلى ارتفاع مستوى الفقر، كل ذلك لن يجعل العراقيين صبورين كفاية لخيار التغيير التدريجي. من الممكن أن أتبنى أنا التغيير التدريجي لو كانت لدينا مشكلة فساد محصورة في بعض القطاعات في ظل بنية تحتية جيدة وتعليم لا بأس به وخدمات صحية. المشكلة في العراق هي أن كل الخدمات شبه معدومة في ظل بنى تحتية منهارة وكل أشكال الحياة المدنية مهددة، وهناك دولة محطمة تُقاد بواسطة السلاح، فإزاء هذا الخراب لا أعتقد أن الجمهور سيصبر 4 سنوات أخرى لكي تتوسّع دائرة المعارضة في برلمان سيأتي الآن إلى برلمان آخر يأتي بعد 4 سنوات.
لذلك أعتقد أن هيمنة الغضب الشعبي على الجمهور وانخفاض مستوى التربية والتعليم عند ملايين العراقيين، سيدفع الجماهير إلى القيام بانتفاضة قوية بعد الانتخابات المقبلة، بغض النظر عن النتائج. فالانتخابات المقبلة، مهما كانت نتائجها، لن تأتي بحلول سريعة وسحرية، وأنا أرى أن العراقيين فقدوا صبرهم.
○ نحن نتحدث عن ترهيب وإقصاء لمنع التغيير عبر صناديق الاقتراع. بالاستنتاج، هل يمكن القول إن ثورة تشرين جرى تقويضها من قبل قوى السلاح المهيمنة على الأرض؟
• الترهيب لم يُخفف من زخم الساحات، لأنه شاهدنا في كثير من الأوقات أن الجماهير تنتفض حتى في ذروة التهديد بالقتل، هم ينتفضون ويخرجون إلى الشارع، نحن نتحدث عن استهداف القادة والمنسقين الأساسيين لهذه الساحات لأنهم مهددون باستمرار. ويخرج دائماً قادة جدد إلى الميدان ويطلبون قيادتهم الميدانية على الأرض. أنا أعتقد أنهم لم يقوّضوا الحراك إنما هددوا بعضاً من رموزه، وطبعاً على هذه الرموز أن تتعامل بجدية مع هذه التهديدات لأن الكثير من قادة الاحتجاجات تم اغتيالهم.
○ في الانتخابات الماضية، تحالفت قوى من الحراك الشعبي مع مقتدى الصدر وفازت «سائرون» بكتلة وازنة إنما لم تستطع القيام بشيء، هل لأنها اتكلت على قوة الدفع التي شكّلها الصدر، وإلى أي مدى قوَّض الصدر الحراك الشعبي على الأرض من الداخل؟
• لم أكن جزءاً من تلك التجربة، لا مؤيداً ولا مناهضاً، وإن كنت أعتقد أنها تجربة على من يريد خوضها أن يختبرها. أنا ممن كانوا يعتقدون نظرياً أن التقارب بين التوجّه المدني والتوجه الإسلامي في مجتمعاتنا صعب، ولا أقول مستحيلاً. الآن أثبتت الوقائع أنه صعب، وأحد هذه الإثباتات هو فشل مشروع «سائرون» لأنه كان يحاول الجمع بين توجهين، أحدهما إسلامي والآخر مدني. طبعاً أنا كنت ممن أرسلوا رسالة مفتوحة إلى مقتدى الصدر ونُشرت في وسائل الإعلام عندما كنت في الصين، وهذه الرسالة المفتوحة قلت له فيها إن مشروع «سائرون» قد فشل، وهذا كان في بدايات الـ2019 أي قبل الثورة بنحو 6 أشهر أو أقل من سنة. وبيّنت أن الخلل بات واضحاً عندما رأينا أن كثيراً من القوانين التي كان ينبغي لها أن تؤسس لمسار تغييري في الدولة العراقية لم تقم بها «سائرون»، بل دعموا المحاصصة في الوزارات، ودخلوا فيها. كنا نريد ظهور تيار سياسي في العراق يتجاوز المحاصصة لكن عندما سقطت «سائرون» فيها عرفنا أن الفشل سيتكرر.
وعليه أعتقد أن تجربة «سائرون» لا يجب تكرارها مستقبلاً، وأن التقارب بين التوجهين المدني والإسلامي في إطار تحالف انتخابي موحد هو أمر صعب جداً. من الممكن أن يكون هناك تقارب أو تناغم أشبه بالتكتيك، بين كتلتين إحداهما مدنية وأخرى إسلامية داخل البرلمان بعد الفوز في الانتخابات، كالتصويت على بعض القوانين، أو قيادة بعض المفاصل في الدولة، ولكن التحالف الانتخابي أعتقد أنه سيكون صعباً.
النقطة الثانية، هي أن الصدر أو جمهور الصدر انسحب من الاحتجاجات التشرينية، وهذا يعني من الناحية العملية انفصاله عن الحركة الاحتجاجية التي استمرت لاحقاً، ويعني أيضاً أن كل التمثل السياسي لهذه الحركة الاحتجاجية أصبح من الصعب أن يعود إلى الوراء ويدخل مع الصدر أو مع غيره.
○ مقتدى الصدر أعلن عن عدم رغبته بالمشاركة في الانتخابات النيابية، برأيك هل هي خطوة تكتيكية أو مناورة، كيف تقرأ هذا الإعلان؟
• ليس لدي معطيات خاصة، أستطيع قراءة قرار مقتدى الصدر بالاحتكام إلى الماضي. وعندها سنجد أنه سبق أن اتّخذ أكثر من مرة قرارات ثم تراجع عنها لاحقاً. أعتقد أن التيار الصدري وكثير من كوادره، وأنا أشدد على تعبير «الكثير من كوادره» مكبّل بالفساد، وقلت هذا لقادة التيار الصدري في أكثر من مناسبة، ونشرتُ كثيراً من هذه الأمور عبر صفحتي على الفايسبوك، وهذا التكبيل سيجعل من قرار مقتدى الصدر أشبه بالتكتيك بناء على معطيات الماضي.
○ مشهدا الساحات في العراق ولبنان تصدّرا معاً وخفتا معاً، برأيك هل ذلك يعود إلى أن الجهات التي تتحكم بموازين القوى في هذين البلدين هي نفسها، وأعني هنا محور إيران؟
• ضمور الساحات يعود إلى سببين: الأول هو تغيير الحكومات. استقالة حكومة سعد الحريري في لبنان، وعادل عبد المهدي في العراق كان لها مهمة واحدة. القرار باستقالة الحكومة يُهدئ كثيراً من الأوضاع، بالنسبة للذين ينظرون للمدى القريب ويعتبره أنه حل. أما للذين ينظرون إلى المدى الأبعد، فيعتقدون أنه غير كاف، ولا بدَّ تالياً من تغيير الطبقة السياسية وتغيير قواعد الإدارة السياسية للدولة. والثاني فايروس كورونا الذي كان لها دور كبير في تقويض الحركة الميدانية للمحتجين، لأن كثيراً من الناس يخشونه.
باعتقادي أن المساحة الشعبية تزيد لمن ينظرون إلى الحلول على أنها أبعد من استقالة حكومة أو تغيير حكومة. وأتوقع ان الاحتجاجات المقبلة، حتى في لبنان، ستكون أكثر جذرية من أي احتجاجات سابقة.
○ ألم يلعب ترهيب الساحات دوراً في إطفائها؟
• ترهيب الساحات زاد في عددها، وزاد في عوامل نجاح الحركة الاحتجاجية، لكن هناك عامل عملت عليه القوى الممسكة بالسلطة في العراق، وهو قضية الحرب الإعلامية التي تحرق الاحتجاجات، مثلاً إلصاق الحركة الاحتجاجية بمشاريع مؤامراتية، أميركية أو خليجية، أو الإيحاء بأن الحركة الاحتجاجية تستهدف إيران بالذات كنظام سياسي وكشعب وكحضور لإيران كجمهورية، وإلصاق بُعد أخلاقي معيّن بالحركة الاحتجاجية على اعتبار أنها تدعو للانحلالية وللتهتك ولتمرد النساء على المستوى الاجتماعي وغيرها من الأمور. لقد عانينا من هذه التعبئة الاجتماعية، وإذا راجعتم منشورات الناشطين والمروّجين للرأي العام الاحتجاجي في العراق تجدون أن قسماً كبيراً من جهدهم صرفوه في الدفاع عن الحركة الاحتجاجية، ولكن للأسف نالت هذه الحرب كثيراً من البُعد الاجتماعي. أيضاً هناك ممارسات حدثت خلال الاحتجاجات، البعض منها نتج عن سوء تقدير، والبعض الآخر كان امتداداً لأيادي الأحزاب الحاكمة داخل ساحات الاحتجاج، منها مثلاً عملية إغلاق المدارس بالقوة، وبعض حالات الاعتداء التي حصلت على المعلمين، وهذا كان له ترويج واسع في الإعلام، واتهمت الحركة الاحتجاجية من خلاله بأنها حركة تخريبية وصرفنا وقتاً وجهداً للتصدي لتلك الحملات. كما كنا نشاهد بعض الخيم التابعة للأحزاب ونعرفها جيداً، ولكن لم نكن نريد إحداث انشقاق في الساحات لأن ذلك سينعكس سلباً على الحركة الاحتجاجية.
○ هل أقنعك إعلان الكاظمي عن توقيف قاتل هشام الهاشمي؟
• لا، لم يقنعني. هي خطوة في الاتجاه الصحيح. ولكن نحن نتساءل: هل هذا النقص في المعلومات هو لأمر يتعلق بالتحقيقات المقبلة؟ أنا أشك في ذلك، وأعتقد أن الحكومة لديها خطوط حمراء لا تستطيع تجاوزها لكثير من الاعتبارات. يعني النقص في المعلومات يُقصد به مثلاً عدم إعلان الجهة التي دفعت هذا الشاب إلى قتل هشام الهاشمي وعدم الإعلان عن الدافع، أي ما هو الدافع؟ وبالتالي لم يتم الحديث عن الدافع السياسي! نريد معرفة لماذا تمَّ قتل هشام، وهذا معناه معرفة لماذا تم قتل الكثير من الناشطين. هذا النقص في المعلومات، البعض من المحللين قالوا عبر الإعلام أنه ربما لأسباب تتعلق بالتحقيقات، لكن أنا اقول إنه لا يتعلق بالتحقيقات وإنما يتعلق ببعض الخطوط الحمراء التي لا تستطيع الحكومة تجاوزها الآن، بسبب بعض الاعتبارات الواقعية. الكاظمي يتحدث دائماً عن أن العراق ربما يذهب إلى حرب أهلية، لا قدّر الله، إذا لم تتم السيطرة على الوضع وما إلى غير ذلك. أعتقد ان الحكومة لا تريد التصعيد في هذا المجال لأنها لا تستطيع تحمّل تكلفة عودته.
○ في تغريدة لك، اعتبرت أن الاغتيال هو في العمق تصفية دينية لكن أليس ببعد سياسي..
• أكيد هو اغتيال له بعده السياسي، ولكن في الأخير هناك رأي يستند إلى موقف فقهي. مثلاً، هناك جزء من النظرة الدينية إلى الحكم العراقي يرى أنه حكم يمثل الشيعة، وعليه فإن معارضته معناها معارضة الشيعة. هذا الامتداد يصبح خطيراً إذا انتقلنا من هذه العبارة إلى عبارة أن معارضة الشيعة تعني معارضة الله.
هذا الانتقال بالاستنباط الفقهي يسوّق للعنف. توجد حسابات حقيقية على مواقع التواصل الاجتماعي تتشفّى ضمناً أو صراحة بقتل المتظاهرين، ويتباهى أصحابها بالتديّن، تارة يظهرون أنفسهم أنهم يقرأون القرآن، أو يدلون الناس على قارئ عظيم للقرآن، وتارة يشيدون بموقف لفقيه أو لرجل دين، وتارة يشيدون برمز إسلامي تاريخي. يوم تظاهرة 25 أيار التي خرجت بعيد مطالبة عائلة الناشط إيهاب الوزني بمعرفة من قتل ابنها تحت شعار: «أنا الشهيد من قتلني؟» لاحظنا رداً على هذا الشعار ظهور شعار في هذه الصفحات، يقول: «أنت قتلتني» أو «أنتم قتلتموني» أو «تشرين قتلني» بمعنى أن هناك رؤية في جهاز السلطة في العراق تُشير إلى أن إخراج الشباب للاحتجاج في هذا الوضع الملتبس، حيث يواجه العراق «داعش» يُعرّض أمن البلد للخطر، ووضع هؤلاء الشباب أنفسهم في مواجهة فساد الأحزاب وفساد القوى الأمنية وستقتلهم. وعليه، فإن كل من يدعو للاحتجاج هو مجرم بحق الشباب الذين سيُقتلون. هذا استنتاج سمعناه كثيراً، ودخلت في حوارات كثيرة على صفحات «الفيسبوك» مع أناس وهميين وغير وهميين يتكلمون عن أنك وأمثالك مسؤولون عن قتل هؤلاء. هذا يعني تحريفاً، وهناك تحريف مبني على سبب ديني، وأنا أعتقد في التحليل الأخير حول قتل هشام وغيره من الناشطين- وكلنا معرضون لهذا الخطر- أنه حصل تحت لافتة أننا أعداء الله.
○ الحراك الشعبي يأتي من ضمن البيئة الشيعية ولكن النتائج كانت مأسوية إذا صح التعبير، كيف يمكن إحداث التغيير، وعلى ماذا يمكن أن تراهنوا؟
• كل الأشياء التي نُراهن عليها هي خيارات صعبة. مثلاً البعض يُراهن على فكرة إسقاط النظام، على أن يتصاعد الغليان الشعبي ويصل إلى مرحلة لا تستطيع عمليات القتل أن تصدّه، فيسقط النظام. هذا واحد من السيناريوهات ولكن أعتقد أنه سيناريو مخيف وغير واقعي، لأن بعض القوى اللاعبة في العراق ستتُرجم هذا الإسقاط إلى حرب أهلية أو إلى عنفية تمسك بزمام السلطة، والسيناريوان خطران. البعض يرى أن الاستمرار في الاحتجاج، وهذا رأيي أيضاً، هو استمرار للضغط، وجعل الحركة الاحتجاجية مسيطراً عليها من أجل فرض شروط جديدة وتغيير بعض قواعد اللعبة، نحن لا نتحدث عن صورة مثالية التي تقول بإزاحة كلية أو غيرها، وإنما تغيير بعض عناصر المشهد لإفساح الطريق أمام قوى التغيير لأن تبدأ بالعمل. أنا أعتقد إذا وصلنا إلى هذه المرحلة يمكن أن نقول إن المسار بدأ بالتغيّر في العراق، وهذا لا يتم عن طريق انتخابات فيها مشاركة خجولة مثل الانتخابات المقبلة، وإنما بانتخابات تتغير ظروفها وتصبح فيها المشاركة الواسعة ممكنة للجميع ويصبح لقوى التغيير القدرة على أن تترجم نفسها عبر عدد ممتاز من مقاعد البرلمان قادرة على التغيير من داخل البرلمان.
إذا الجمهور شاهد مشاركة واسعة وفوزاً كبيراً لقوى التغيير، مع العلم أن نسبة 80 بالمئة من الشعب العراقي لم تشارك في الانتخابات الماضية، نحن نتحدث عن الناخبين، وعليه لو نصف هؤلاء الـ80 بالمئة أعطوا أصواتهم للتغيير، هذا يعني أن ضعف البرلمان الحالي سيكون لصالح قوى التغيير، وعليه ستكون النتائج كبيرة. الشعب إذا شاهد مثل هذا التغيير الكبير يمكن أن يثق بأن الأمور ستعود إلى نصابها، وشاهدنا كثيراً من التجارب في بعض الدول التي تعرضت لهزات عنيفة مثل العراق، واستطاعت العملية الديمقراطية عبر الاحتجاج المنظم والمسيطر عليه أن تُغيّر.
لذلك أعتقد أن تشكيل قيادة احتجاجية أصبح أمراً ملحاً الآن، بعدما كنا لا نشجع قيام قيادة للاحتجاج في السنوات السابقة. فمع تأسيس أحزاب جديدة وترسيخ أسماء واضحة لبعض الفاعلين في الحركة الاحتجاجية، أعتقد أن قيام قيادة احتجاجية أصبح أمراً مهماً جداً لفرض بعض الشروط والتفاوض مع قوى السلطة من أجل واقع جديد، يمكن أن يكون انتقالياً.
○ المرجعية في النجف لها تأثيرها في البيئة الشيعية، هل مرجعية السيستاني قادرة على الدفع باتجاه بناء دولة القانون والعدالة، وتقديم دعم فعلي لقوى التغيير وحمايتها من الاستهداف، باسم الدين؟
• مرجعية السيستاني كانت لها مواقف إيجابية كثيرة، وأتفق مع بعض الباحثين الذين يعتبرون أن السيستاني لعب دوراً مهماً بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لقد سد ثغرة كانت موجودة في المجتمع العراقي قبل تشكّل المجتمع المدني. كان دعمه لقيام دولة مدنية واضحاً في كثير من التصريحات الصادرة عن مكتبه. هو يرفض الدولة الدينية ويؤيد الدولة المدنية، لكن حجم الإسهام المباشر للسيستاني هو الذي يُختلف عليه، أنا باعتقادي هنالك فائدة كبيرة من التدخل القوي للسيستاني لإعادة النصاب إلى بناء الدولة، ولكن ايضاً هنالك خطورة كبيرة تتمثل في أنه عندما تتكئ عملية تصحيح البناء على فقيه ديني فهذا يعني أننا مستقبلاً قد نشهد تدخلات لفقهاء آخرين يخلفون السيستاني بدعوى تصحيح الوضع. فإذا كان دخول السيستاني الآن هو أمر لصالح الدولة ونيته طيبة، فنحن لا نضمن نوايا الفقهاء من بعده، فربما يريدون بناء دولة دينية ويتخذون من تدخل السيستاني ذريعة للتدخل من جديد بحجة وجود خطر لا يقل عن الخطر الذي دفع بالسيستاني إلى التدخل. لذلك علينا كمدنيين أن نتعامل بحذر مع الدعوات التي تطالب السيستاني بالتدخل. صحيح أنها تخدمنا على المستوى القريب، ولكن أعتقد أنها ستضر على المستوى البعيد بالدولة المدنية.
○ إلى مَ يمكن أن يفضي الصراع الأمريكي – الإيراني في العراق والذي يأخذ منحى عسكرياً تحت يافطة مقاومة الاحتلال الأمريكي؟
• لا بد من حوار واضح مباشر أو غير مباشر إيراني – عراقي – أمريكي، لحل مشكلة وقوع العراق في مأزق الصراع الإيراني – الأمريكي فوق أرضه. هذا الحوار لن يتسنى له أن يحصل ما لم تكن لدينا حكومة قوية، وأعتقد أن الحكومة الحالية ليست بتلك القوة، كي تقود مثل هذا الحوار، الذي يمكن أن يشارك فيه ناشطون يمثلون الحركة الاحتجاجية لأن هناك خطأ فادحاً وقعت فيه إيران بتعاملها مع هذه الاحتجاجات، وهذا الخطأ يتشارك فيه منظوران، الأول هو المنظور التوسعي الذي يرى أن على إيران أن تتوسع ويكون لها تأثير على الأرض في الدول الأخرى. هذا المنظور الإيراني يتصادم بشكل جذري مع الحركة الاحتجاجية التي تستهدف بعضاً من عناصر التوسع الإيراني في العراق التي تتمثل بأحزاب السلطة.
أما المنظور الإيراني الآخر، فيعتبر أن على إيران أن تدير مصالحها مع الدول الأخرى بطريقة تؤمن فيها على نفسها، فهو أكثر واقعية وعقلانية من المنظور الأول. بالنسبة لنا، نحن مع المنظور الثاني الذي يتحدث عن مصالح إيران، وعليهم أن يعرفوا أن الحركة الاحتجاجية في العراق لا تستهدف المصالح الإيرانية السيادية التي تتعلق بالنظام السياسي لإيران. نحن لسنا دعاة تغيير أنظمة، إنما نريد إصلاح نظامنا السياسي، لا أكثر ولا أقل. نحن نتحدث عن فاسدين في العراق تحميهم إيران، هذا الأمر باختصار.
أنا أقول إنه يمكن أن تلتقي المصالح مع إيران كما تلتقي مع السعودية وتركيا، في إطار المصالح العادية التي بين الدول، فإذا كانت هناك مصالح مشتركة في التعامل مع العراق، في أي قطاع من القطاعات، يجب أن يتم التعامل بشكل يحفظ المصلحة العراقية، أي الأقل كلفة للاقتصاد العراقي، فالمعيار يجب أن يحفظ مصالح بلدنا. أما الهيمنة فمرفوضة.
○ هل نحن أمام عودة استخدام ورقة تنظيم «داعش» في الساحة العراقية؟
• أنا من الذين يشككون بأن تنظيم «داعش» هو ورقة سياسية بين اللاعبين على الأرض في العراق وبغض النظر عمن أنتج «داعش»، ولكني أعتقد أن عدم القضاء عليه بشكل تام هو أمر منوط بتصاعد الوضع في العراق، وأنه موضوع في الثلاجة بشكل مقصود.
لا أملك أدلة ولا معطيات، ولكن أفسّر الأحداث التي تلت إعلان العراق النصر على «داعش» في العام 2017. منذ ذلك اليوم ولغاية الآن، نحن نعرف أن المناطق السنية رفضت لاحقاً وجود «داعش» لأنها خُرّبت تماماً، وتم إلقاء القبض على الكثير منهم وقُتل الكثير منهم، وكان من المفروض ألاَّ يكون هناك سوى بعض الجيوب من التنظيم التي تُعالج بوسائل أمنية وليس عسكرية، أي وسائل استخبارية، لكنه يظهر بين آونة وأخرى ويحتل بعض القرى أحياناً، ولا سيما في الآونة الأخيرة، ودائماً يأتي تحركه قبل الانتخابات فتزداد عمليات التفجير التي يتبناها. هناك كثير من الأقاويل التي نسمعها عن تبادل مصالح بين «داعش» وبعض القوى السياسية، التي تحكم في العراق، ولكن ليس لدينا دليل على ذلك، والسنوات المقبلة كفيلة بكشف هذه الأمور.