لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “إيكونوميست” تعليقا على أحداث تونس الأخيرة، وقرارات الرئيس قيس سعيد بتنحية رئيس الوزراء هشام المشيشي وتجميد البرلمان، بأن “منارة الديمقراطية تخفت” وأن الديمقراطية التونسية تترنح.
وقالت المجلة إن مستقبل الديمقراطية في العالم العربي لم يعد واضحا بعد سيطرة سعيد على السلطة وسط ترحيب الحشود الجماهيرية. وأضافت أن البعض رحّب بتدخله على أنه ضروري لإنقاذ نظام محطم، ولكن الآخرين اعتبروه “انقلابا” ونهاية محتملة للديمقراطية التونسية، لكن أحدا لا يقلل من خطورة قرار سعيد تفعيل المادة 80% من الدستور التي تسمح بتجميد عمل البرلمان لمدة شهر وعزل رئيس الوزراء هشام المشيشي.
كما رفع سعيد الحصانة عن النواب في البرلمان وقال إنه سيتولى لجنة لتوجيه اتهامات لهم. وأعلن الرئيس عن قراره في ليلة 25 تموز/ يوليو من خلال طريقته غير المريحة في الكلام، وجاء بعد أيام من الاحتجاجات التي انتشرت في كل أنحاء تونس. ودعا عشرات الآلاف الذين خرجوا تحت حر الشمس وخرقوا حظر التجول بسبب كوفيد-19 إلى سقوط الحكومة.
وهاجم بعضهم مقرات تابعة لحزب النهضة، وهو أكبر كتلة في البرلمان. وبعد قرار سعيد، خرج المتظاهرون مرة ثانية إلى الشوارع للاحتفال. وتعلق المجلة أن تونس هي الديمقراطية الوحيدة التي خرجت من الربيع العربي في الفترة ما بين 2010-2011، والتي أطاحت بديكتاتوريين في المنطقة، عانت وكافحت للحفاظ على وحدتها خلال العقد الماضي.
وشهدت تونس خلال عشرة أعوام عشر حكومات فشلت كلها منع الفساد وإحياء الاقتصاد، وأضاف كوفيد-19 للضغوط. وأعلنت الحكومة الانتصار على الفيروس في بداية العام الماضي، لكن البلاد تعاني الآن من تزايد في الحالات، وانهار النظام الصحي، ونقصت إمدادات الأكسجين. ويموت كل يوم 200 شخص (من 12 مليون نسمة) بسبب الفيروس.
وأعلنت الحكومة في بداية الشهر الحالي عن فتح مراكز للتطعيم ضد كوفيد-19، وجاءت الحشود لتلقي اللقاحات، ولكنها وجدت فوضى وارتباكا وشائعات عن نقص في اللقاحات. ولم يخفف عزل وزير الصحة من مشاعر الغضب ولا إنكار رئيس الوزراء بعدم علمه بالعملية.
وكنذير للأمور القادمة، طلب سعيد من الجيش التدخل وتولي إدارة الرد على الوباء. وشجبت أحزاب سياسية خطوات سعيد الأخيرة، فيما تعمل جهات سياسية أخرى للرد. فحزب النهضة الذي يعود بجذوره إلى جماعة الإخوان المسلمين ويطلق على نفسه “الديمقراطيون المسلمون” اعتبر أن التحرك “انقلاب على الديمقراطية والدستور في تونس”.
ومُنع زعيم الحزب ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي من دخوله في 26 تموز/يوليو. وفي صباح ذلك اليوم، قام هو ونواب حزبه بالاعتصام أمامه. وفي وقت لاحق من يوم الإثنين، هاجمت قوات الأمن مكتب قناة الجزيرة المتعاطفة مع حركة النهضة.
وترى المجلة أن الساسة في تونس لا فرصة كبيرة لديهم لحرف الرئيس سعيد الذي يتمتع بشعبية وانتخب قبل عامين في عملية احتجاج ضد الطبقة السياسية. وهو أستاذ سابق للقانون الدستوري وبدون خبرة سياسية سابقة وحصل على نسبة 73% من الأصوات في الانتخابات، حيث صوّت له الشباب والآخرون في تونس الذين رأوا فيه شخصية لا يمكن إفسادها.
وأنتجت نفس الانتخابات برلمانا متشرذما بدون حزب أغلبية أو تحالف يزعم الغالبية. وحاول سعيد لعب دور أكبر في السياسة الداخلية والتي تظل من مهمة رئيس الوزراء والحكومة. ورفض منذ كانون الثاني/ يناير المصادقة على 11 وزيرا.
وليس سرا أن سعيد الذي ساعد في كتابة الدستور التونسي ثم انتقده لاحقا، يرغب بتقويض النظام السياسي واستبداله بنظام يتمتع فيه الرئيس بسلطات أوسع وبدون أحزاب أو انتخابات. ويريد من التونسيين انتخاب وفود بناء على كفاءتها وليس أيديولوجيتها. وتتولى الوفود هذه تعيين ممثلين جهويين في المجلس الوطني. وبحسب الدستور، يجب أن يصادق عليه ثلثا أعضاء البرلمان.
وتضيف المجلة أن خطط سعيد القادمة ليست واضحة، فهو يزعم بأن لديه السلطة لتمديد المدة التي يسمح بها الدستور لتعليق البرلمان، وهي شهر حتى “يستقر الوضع”، وحتى ذلك الحين يقول إنه سيتولى السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس وزراء جديد سيعيّنه، حيث عزل يوم 26 تموز/ يوليو، وزير الدفاع والقائم بأعمال وزير العدل.
وعبّر اتحاد الشغل التونسي وهو أكبر الاتحادات العمالية في البلاد عن دعمه لتحركات سعيد طالما أرفقت بضمانات دستورية وعودة مؤسسات الدولة للعمل. لكن البيروقراطية التونسية الواسعة تأخذ توجيهاتها من البرلمان. ولا يعرف كيف سيقوم سعيد الذي لا حزب له بتنفيذ التغيرات التي يريدها. وهو يواجه تحديات مباشرة في إدارة علاقات تونس مع صندوق النقد الدولي. فالحكومة كانت تتفاوض مع الصندوق على قرض عاجل، ولكن التطورات الأخيرة قد تجعل الصندوق يفكر مرتين قبل أن يلتزم بتقديم أموال.