يبدو النظر للتحرك الذي قام به رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم الأحد 25 تموز/يوليو الماضي محكوما إلى حد كبير بالزاوية التي يتم النظر منها لهذا الحدث. وغالبا ما يجد المرء نفسه «مخيرا» بين زاويتي نظر يتحددان بالموقف الذي سيتخذه من إقدام سعيد على تفعيل العمل بالفصل 80 من دستور «الجمهورية الثانية» يوم الاحتفال بذكرى الإعلان عن تأسيس الجمهورية الأولى سنة 1957. والزاويتان تؤديان إلى تبني ما أقدم عليه رئيس الجمهورية أو رفضه.
ولكن هذه المساهمة لن «تخضع» لهذا التحديد المسبق الذي يؤدي في النهاية إلى تبني موقف، بل ستحاول تبني مقاربة «تفهمية» تحاول أن تقف على السياق الذي تنزلت فيه الخطوة التي أقدم عليها سعيد وأن تقدم توقعا موضوعيا للخطوات التي قد تتلوها. والمقاربة التفهمية يمكن أن تبعدنا عن الصخب الذي تثيره حاليا القراءات القانونية التي تقوم على معرفة مدى دستورية تفعيل رئيس الجمهورية للفصل الثمانين من دستور الجمهورية الثانية خاصة وأن هذا الدستور يفتقد للتناسق الداخلي بين فصوله ويمثل «بدعة» في تاريخ الدساتير التي وضعت في العادة لتسهيل عمل المؤسسات وتوفير مناخ من السلم الأهلي، في حين يمثل الدستور التونسي أفضل عصا يمكن أن توضع في عجلة سير مؤسسات الدولة.
السياق المجتمعي
ولا يمكن تفهم الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التونسي دون الإشارة إلى السياق المجتمعي الذي تنزلت فيه ثم إلى الركح السياسي الذي نفذت فوق خشبته. في مستوى السياق المجتمعي لم يسبق أن شهدت تونس منذ استقلالها تساوق أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية كالذي شهدته في الأشهر الأخيرة، وشكل التخبط في التعاطي مع وباء كورونا حبة «الكرز» فوق قطعة المرطبات كما يقول المثل الفرنسي ليلقي أغلب التونسيين والتونسيات في حالة من الخوف المعمم وانتظار خلاص أصبح ضروريا. ولكن في المقابل كانت الطبقة السياسية خاصة الحاكمة تزداد يوما بعد يوم غرقا في صراعات أغلبها ذاتي ويمثل استجابة لتضخم الشعور بالأنا ويساهم في تغذي تورمها وتحول مجلس نواب الشعب إلى عبء ثقيل على الجميع وأصبح رئيس الجمهورية في نظر عدد كبير من المتابعين بما في ذلك قطاعات واسعة من أنصاره أشبه ما يكون بشخص لا يملك في جرابه إلا الظهور من حين لآخر وتوجيه بعض الاتهامات والتحذيرات نحو بعض خصومه السياسيين وخاصة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي. من هذه الزاوية فإن الخطوة التي أقدم عليها سعيد تمثل منعرجا سمح من الناحية النفسية باستعادة عدد كبير من التونسيين والتونسيات للشعور بالأمل وبالقطع – ولو إلى حين – مع الإحباط والشعور بانسداد الأفق وخلق من الناحية السياسية «منعرجا» هاما لأنه أصاب منظومة ما بعد 14 كانون الثاني/يناير بشرخ كبير يصعب رتقه بسهولة، ولا يمكن أن تكون مبادرة سعيد مجرد قوس يمكن إغلاقه في حيز زمني وجيز لا يتجاوز الشهر حسب ما ينص عليه الفصل 80 من الدستور، إذ يبدو أن صفحة مجلس نواب الشعب في وضعيته الحالية قد طويت إلى الأبد إذ يصعب أن نرى في صورة عودته للنشاط راشد الغنوشي رئيسا له أو أن يحتفظ بعض أعضائه الذين تلاحقهم قضايا عدلية بمكانهم فيه علاوة على ما أصاب عددا من الأحزاب السياسية القريبة من سعيد أو المعارضة له من خلافات في الأسبوع الماضي من خلافات حادة ستنعكس على كتلها البرلمانية.
مقاومة الفساد
حاليا يبدو سعيد في صدارة المشهد السياسي والقادر على «فرض» خياراته خاصة وأنه يحظى حاليا بدعم شعبي قد لا يكون نشيطا ولكنه مهم، خاصة وأن تركيزه على مقاومة الفساد والصورة «الطهورية» التي يحرص على الظهور بها تجعله أقرب بكثير للمواطنين من رموز طبقة سياسية لم تقدم على امتداد عشرية منجزا ذي بال للمواطن بل راكمت مشاكله وعمقتها. ولكن المقبولية الواسعة لدى قطاعات واسعة من الرأي العام يقابلها تحفظ أوساط ضخمة من النخب الوازنة والفاعلة من «نوايا» سعيد وأهدافه الحقيقية، وهو الذي يضع نفسه نموذجا مناهضا للنخب وخاصة للأحزاب السياسية والذي يبشر بديمقراطية مباشرة تقطع مع الديمقراطية التمثيلية وتحيي أمام الداعين لها والمحذرين منها شبح النظام الجماهيري الذي عرفته ليبيا زمن معمر القذافي. السؤال الذي يفرض نفسه هو هل أن قيس سعيد يملك امكانيات سياساته وتطلعاته من حيث القدرة على:
-إعطاء إشارات إيجابية في المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إذ بقدر ما يدرك الجميع أن إصلاح الوضع الحالي يحتاج إلى وقت كبير بقدر ما تمثل الإجراءات العاجلة رسالة حول توجهات قيس سعيد وخاصة قدرته على إدارة المرحلة الحالية.
– طمأنة النخب حول ما يمكن أن يصيبها من مخاوف من نزوع سعيد إلى الحكم الفردي أو «نسف النموذج الجمهوري» واستبداله بنظام جماهيري خاصة وأن النضال من أجل الحريات والديمقراطية يمثل مسارا انخرطت فيه أجيال متلاحقة ويمثل حجر الزاوية في رؤية أهم المنظمات الفاعلة وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي لا يمكن أن يمنح قيس سعيد أو غيره صكا على بياض.
– إدارة أنجع للشأن العام تصلح ما أصاب الإدارة التونسية من ترهل ولكن عدم تعيين رئيس حكومة المرحلة أياما بعد تفعيل الفصل 80 لا يمثل رسالة طمأنة في هذا الإطار.
– الإعلان عن خريطة طريق للمرحلة المقبلة لأن الضبابية تفتح الباب أمام الارتجال والفوضى والإحباط وتسلل الانتهازيين.
– قراءة جيدة للعلاقات الدولية لأن بعض الحلفاء الحاليين قد تكون لهم حسابات وقراءات داخلية تؤثر على موقفهم من تونس، تكفي الإشارة هنا إلى تحفظ الجزائر منذ عقود من دور متقدم لمصر في ليبيا أو تونس إذ تعتبر ذلك تهديدا للأمن القومي الجزائري.
– ما هو دور المؤسسة العسكرية في ما يقوم به سعيد حاليا وكيف يمكن أن يكون هذا الدور حماية لمدنية الدولة أو تهديدا لها.
هذه في تقديري الإشكاليات التي ستحدد طريقة تفاعل سعيد من سيهزم الآخر المخاوف أم الآمال.