لم تنج أي مؤسسة فلسطينية في مدينة القدس، من الاقتحام، أو الإغلاق، أو المصادرة لمحتوياتها، أو المنع من مزاولة نشاطاتها، أو اعتقال القائمين عليها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
أعاد وزير الداخلية الإسرائيلي تجديد عملية إغلاق مجموعة من المؤسسات الفلسطينية في مدينة القدس المحتلة للمرة الأربعين، وتوقيع تجديد الإغلاق أصبح عملية روتينية تحدث مرة كل ستة أشهر، وهو أمر يجعلنا نصل إلى بداية مسار الانعطاف الكبير في سياسة إغلاق المؤسسات في مدينة القدس المحتلة أي قبل أكثر من 20 عاما.
20 عاما من سياسة إغلاق المؤسسات أو تجفيف المدينة المقدسة وقص كل الأذرع والأدوات التي كان يمكن لها أن تلعب دورا مهما في تمكين المقدسي وتعزيز صموده، وهي العملية التي بدأت منذ اللحظة الأولى لاحتلال المدينة عام 1967.
وحسب الباحث يعقوب عودة، مراقب حقوق الإنسان والمسكن في القدس لدى مركز أبحاث الأراضي، فإن إجراء إغلاق المؤسسات كان تعبيرا عن خطة بدأها الاحتلال منذ أيامه الأولى التي سيطر فيها على المدينة، حيث حل بلدية القدس العربية (ما يعرف بأمانة القدس) وحل المحاكم العربية الرسمية، وكان هذا ما يمكن تسميته بالمرحلة الأولى.
أما المرحلة الثانية فتمثلت في سياسة عزل مدينة القدس بالحواجز العسكرية منذ عام 1993 مع بداية إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي الذي وقع في 13 ايلول/سبتمبر 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن الأمريكية، حيث شكلت سلطات الاحتلال عام 1994 لجنة لتحديد المؤسّسات الفلسطينيّة العاملة في القدس حيث أغلقت خمسين مؤسّسة، ووضعت 49 أخرى على قائمة المؤسسات المهدَّدة بالإغلاق.
أما المرحلة الثالثة فكانت مع إقامة جدار العزل والفصل العنصري الذي راكم على عملية عزل المدينة ديموغرافيا وجغرافيا عن امتدادها الفلسطيني.
استهداف الوجود الفلسطيني
وزير شؤون القدس فادي الهدمي، أدان تمديد الاحتلال الإسرائيلي إغلاق مؤسسات فلسطينية بمدينة القدس وعلى رأسها «مؤسسة بيت الشرق». واعتبر، في بيان وصل «القدس العربي» نسخة منه، أن هذا التمديد يأتي في سياق الهجمة الإسرائيلية المستمرة على مدينة القدس ومؤسساتها ومقدساتها. وهو استهداف للوجود الفلسطيني الأصيل في المدينة.
وشمل قرار تمديد الإغلاق الصادر عن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الاستمرار في إغلاق كل من: بيت الشرق والغرفة التجارية ونادي الأسير والمجلس الأعلى للسياحة وغيرها العشرات من المؤسسات الحيوية.
وتتذرع أوامر الإغلاق غالبا بتعبيرات مثل «تنفيذ نشاطات معادية» أو «غير مشروعة» أو القيام بـ»نشاطات مؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية» أو «حماية أمن الجمهور».
الوزير الهدمي رأى في قرار تجديد الإغلاق الذي بدأ عام 2001 في سياق عمليات الإخلاء القسري والهدم في الشيخ جرّاح وسلوان وبيت حنينا وغيرها من الأحياء المقدسية. كما اعتبر الإجراءات الإسرائيلية «انتهاكا سافرا وفاضحا لتعهدات والتزامات الحكومة الإسرائيلية في فترة شمعون بيرس إلى وزير الخارجية النرويجي يوهان هولست عام 1993 حول عدم التعرض للمؤسسات الفلسطينية بالقدس الشرقية».
وتشير المعلومات أن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي عومر بارليف، قد أصدر قرارا بإغلاق مبنى بيت الشرق ومقر الغرفة التجارية وجمعية الدراسات العربية ومؤسسات مقدسية أخرى لستة أشهر أخرى، وجرى تعليق القرار على بوابات تلك المؤسسات المغلقة منذ عام 2001 وهو ما زال مستمرا حتى اللحظة.
بدورها طالبت وزارة الخارجية الفلسطينية والمغتربين في بيان صحافي إسرائيل بتنفيذ «الرسالة التي تلقتها القيادة الفلسطينية من الجانب الإسرائيلي، والتي تعهد فيها الالتزام بالاتفاقيات الموقعة». حيث اعتبرت أن قرار تجديد الإغلاق يندرج في إطار الإجراءات أحادية الجانب، ويشكل إخلالا فاضحا بالاتفاقيات الموقعة، وعدم وفاء بالالتزامات المترتبة على إسرائيل كقوة احتلال في الحفاظ على حياة وخدمات السكان المدنيين الرازحين تحت الاحتلال ومؤسساتهم في المدينة المقدسة، واخلالا أيضا بالوضع القائم التاريخي والقانوني في القدس المحتلة».
مطلب بناء الثقة
وكانت وسائل إعلام فلسطينية وعربية قد نشرت قبل أيام أن السلطة الفلسطينية طلبت من الإدارة الأمريكية الجديدة العمل على فتح «بيت الشرق» (أي عدم تجديد إغلاقه) في محاولة لإعادة بناء الثقة وليكون إحدى الخطوات باتجاه استئناف المفاوضات، وهو الأمر الذي يراه مراقبون بمثابة عدم إعطاء أي إشارة إيجابية من قبل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
بدوره، توقع رئيس مجلس إدارة مؤسسة فيصل الحسيني، عبد القادر الحسيني في تصريحات صحافية أن يحقق التوجه الأمريكي الجديد إمكانية إعادة فتح «بيت الشرق» في حال استمر الضغط المحلي والدولي الذي قد يتمكن من التغلب على القرار الإسرائيلي القاضي باستمرار إغلاقه.
وأضاف أنه يأمل ان يكون فتح «بيت الشرق» شرطا وليس مجرد مطلب أو مقترحا فلسطينيا على الإدارة الأمريكية، فالأمر لا يحتاج الى إجراءات كثيرة من أجل بناء الثقة، بل يبدأ من امتناع الطرف الإسرائيلي عن اتخاذ إجراء تمديد الإغلاق.
المقدسي وحيدا
وأمام كم الاعتداءات التي تمارسها قوات الشرطة الاحتلالية في مدينة القدس يتم تفريغ المدينة من مؤسساتها ليبدو المشهد ان المقدسي يقاوم وحيدا بحسب الناشط الشبابي المقدسي أسامة برهم.
وتساءل برهم: «كيف يمكن توفير مقومات الصمود للمقدسيين في ضوء تفريغ المدينة من مؤسساتها من خلال سياسة إغلاق مستمرة بدأت منذ الأيام الأولى لاحتلالها 1967 وحتى اللحظة؟».
وتعاني مدينة القدس من غياب شبه كامل للمؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، في ضوء أن المدينة تواجه ملفات صعبة ومعقدة ومن أبرزها مسألة التطهير العرقي وطرد السكان من حي الشيخ جراح، وهدم المنازل في أحياء القدس المختلفة، وبيع الأراضي والهجمة الاستيطانية التي ظهرت في أقوى مظاهرها من خلال مسيرات الأعلام التي تقودها جماعات المتطرفين.
وتشير الأرقام التي نشرها مركز المعلومات الفلسطيني أنه منذ عام 1995 وحتى مطلع عام 2020 أغلقت شرطة الاحتلال أكثر من 70 مؤسسة فلسطينية في المدينة، فيما التدقيق في قائمة المؤسسات المغلقة تكشف أنها تتنوع ما بين مؤسسات إعلامية وبحثية وصحية ورياضية وشبابية وفنية وتعليمية.
وبحسب المركز فإنه لم تنج أي مؤسسة من المؤسسات الفلسطينية في مدينة القدس، على اختلاف أنواعها وتسمياتها، من الاقتحام، أو الإغلاق، أو المصادرة، لمحتوياتها، أو المنع من مزاولة العديد من نشاطاتها، أو اعتقال القائمين عليها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وتشير الأرقام أنه منذ عام 1967 وحتى اللحظة أغلقت سلطات الاحتلال في إطار سياستها الساعية إلى تهويد مدينة القدس والتضييق على سكانها، أكثر من مئة مؤسسة فلسطينية؛ استنادًا إلى قانون الطوارئ الذي سنته سلطات الانتداب البريطاني عام 1945م من جهة، والأوامر العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى؛ فيما أجبرت عشرات المؤسسات على نقل مكاتبها ونشاطاتها إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية.
وعن أنواع المؤسسات الفلسطينية التي تم إغلاقها نجد انها تتوزع على محاور ثلاثة الأول: المؤسسات النقابية والاتحادات والروابط المهنية التي تضم نقابات العمال والطلاب والمهنيين والحرفيين والصحافيين والكتاب. وثانيا: المؤسسات الإعلامية والأهلية، وتشمل مؤسسات مستقلة وغير حكومية وتضم الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات والدوريات والمكاتب الصحافية والمؤسسات الثقافية والفنية. وثالثا: المؤسسات الخدماتية والجمعيات التي تقدم خدمات طبية وإنسانية مباشرة.
أما الانتهاكات بحق المؤسسات فتتنوع بدورها ما بين الاقتحام والمداهمة والإغلاق المؤقت أو الدائم، ومنع الفعاليات والأنشطة الشعبية، والتفتيش والمصادرة، واعتقال العاملين في المؤسسات والمسؤولين عنها وإغلاقها لفترات متفاوتة ومتجددة، والإغلاق المستمر والمتواصل للمؤسسات من خلال سحب التراخيص.
وقال الباحث يعقوب عودة، مراقب حقوق الإنسان والمسكن في مركز أبحاث الأراضي، في ورقة قدمت في مؤتمر «القدس: تاريخ المستقبل» ونشرت في مجلة «حوليات القدس» إن إغلاق المؤسسات الفلسطينية أحد برز المخططات الرامية لتغيير وجه القدس وهويتها الثقافية والسياسية الفلسطينية، وهي مخططات تهدف إلى خنق صوت القدس، وتشويه صورتها الحضارية، وتهجير مؤسساتها ودفعها لفتح مقرات بديلة في مناطق أخرى في الضفة الغربية.
ويختم في بحثه قائلا: «الحرب الإسرائيلية ترفضها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 فهي لا تجيز للاحتلال أي تغييرات في الوضع القانوني والإداري للمناطق الخاضعة للاحتلال، وهو ما يجعلها إجراءات لاغية بلا سند قانوني سوى قانون القوة، قانون الاحتلال».