لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “تايم” الأمريكية تقريرا أعده سايمون سبيكمان كوردال قال فيه إن الرئيس التونسي قيس سعيد قام بما يبدو أنه انقلاب لكن الديمقراطية التونسية لم تمت بعد.
وقال فيه إن تونس أصبحت في السنوات الأخيرة ضحية لسمعتها. ففي العقد منذ الثورة المهمة في 2011 تم اعتبارها “قصة النجاح الديمقراطي الوحيد” للربيع العربي. وتم تعليق هذا الوصف حول عنق البلد مثل طائرة القطرس. وفي الوقت الذي مدح فيه المراقبون عملية “التحول الديمقراطي” إلا أنه لم يلتفتوا للبرلمان الذي كان ينحدر وبشكل منتظم نحو الفوضى وللاقتصاد وهو ينهار.
وأضيف إلى هذا المزيج كوفيد-19 الذي كان الأسوأ الذي يمر على البلاد ورد الحكومة الكارثي عليه، وحادثة يوم الأحد عندما عطل الرئيس قيس سعيد البرلمان مدة شهر وعزل رئيس الوزراء هشام المشيشي.
وقلة توقعت تدخل سعيد، ولكنه تدخل بعد تظاهرات شهدتها البلاد تطالب بحل البرلمان وانتخابات مبكرة. واستند على المادة 80 لتعليق البرلمان مدة 30 يوما وتجريد النواب من حصانتهم. ومع أن قانونية التحرك لا تزال محلا للنقاش إلا أنه حذر أي شخص باللجوء إلى السلاح وأي شخص يطلق رصاصة و”سترد القوات المسلحة بالرصاص”.
وتساءل الكاتب عن سبب تحرك الرئيس بقوله إن الرغبة بتغير تونس تتخمر، فعبر الحكومات العشر التي مرت على تونس في العقد الماضي لم ترتفع الطبقة السياسية لمطالب السكان والواقع اليومي الذي يعانون منه. ففي العام الماضي عندما كشفت دراسة استطلاعية عن حاجة ثلث السكان للطعام، فكر الساسة في تونس بقطع الدعم عن الخبز. وتجاهل الساسة البطالة والأوضاع الاقتصادية الصعبة والجوع ووحشية الشرطة وركزوا على المسرحيات السياسية وتأكيد مواقعهم.
ولهذا فلم تكن الاحتفالات بقرارات الرئيس مفتعلة. ففي تونس ناقشت الجماهير الأخبار وهي تحاول معرفة معناها. وفي شوارع الانطلاقة، الحي الفقير قرب العاصمة التونسية، رحب المواطنون بقرارات الرئيس وتطلعوا لإنشاء مؤسسات جديدة والحكم تحت ديكتاتورية متنورة في قصر قرطاج.
ويوافق بوبكر القسيمي (56 عاما) بهذا الرأي، فهو عاطل عن العمل منذ عشرة أعوام، وكل دخله هو 180 دينارا يحصل عليها من الدولة كل شهر. ومن هذا الدخل وراتب زوجته التي تعمل بوظيفة غير كاملة يقوم بإطعام وإلباس العائلة المكونة من ثلاث بنات. وهو لا يتوقع تحول قيس سعيد إلى ديكتاتور جديد مثل زين العابدين بن علي. وقال إنه لو طلب الآن شيئا من الحكومة فستستجيب له، وقال سعيد إنه سيتولي السلطة التنفيذية بالتعاون مع رئيس الوزراء الجديد.
وتظل المخاوف من الفساد مصدرا لإحباط الكثير من المواطنين في الانطلاقة. وقال أحد سكان الحي “كل الساسة هم فاسدون”. ولا ينسحب هذا على سعيد الذي لا يزال يحظى بشعبية. استطلاع وجد أن ما بين 89- 90% من التونسيين يؤيدونه، وفقط 3% لا تؤيده. وشعبيته ليست جديدة فقد فاز في انتخابات عام 2019 والتي حصلت فيها حركة النهضة “الديمقراطيون المسلمون” على أكبر كتلة في البرلمان. وربما خفت نجمه منذ ذلك الوقت وليس مقارنة بنجم البرلمان الذي انهار.
ومنذ تدخل الرئيس ساد نقاش عبر منصات التواصل الاجتماعي حول إجراءات الرئيس، وفيما إن كانت قانونية أم غصبا للسلطة. واعتبر نقاد الرئيس ما قام به انقلابا وأنه مع أنصاره يتلقون دعما من فرنسا ومصر والإمارات. لكن أنصار سعيد يتهمون الإسلاميين بانتقاده ويؤكدون أن ما قام به كان قانونيا وتصرفا بناء على إرادة “الشعب”. صحيح أن المقاومة لسعيد قادها حزب النهضة لكن هناك أحزابا أخرى انتقدته.
أنصار سعيد يتهمون الإسلاميين بانتقاده ويؤكدون أن ما قام به كان قانونيا وتصرفا بناء على إرادة الشعب
وانتقادات كهذه قد تصعب من تقبل الغرب والولايات المتحدة له، مع أنه بحاجة للدعم الشديد منها، لكن وصم كل نقاد الرئيس بالإسلاميين وسيلة غير مفيدة. فوصف الكثير من التونسيين بالإسلاميين هي بمثابة هجوم على نزاهتهم واقتراح أن لديهم دوافع شريرة. فالنهضة التي تقوم بالدفاع عن الفلسفة الإسلامية في تراجع حاد، ومع أنها أكدت حضورا في كل الحكومات التي شكلت منذ 2011، إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للتحالف مع أحزاب لا تتوافق معها مما قوض من مصداقية النهضة ومن تحالفوا معها.
وربما ساعد الفهم أن حركة النهضة بعيدة عن الواقع اليومي لخروج تظاهرات يوم الأحد الماضي ومهاجمة بعض مقراتها. ويقول محمد (33 عاما) من بلدة بن قردان، الحدودية “لا يهمهم إلا أنفسهم” وهذا “ليس عن السياسة ولكن عن الوظائف”، حيث يتهم مسؤولي النهضة في المناطق بتوزيع الوظائف على عناصرهم وليس السكان المحليين.
ولكن خيبة الأمل بالنهضة سهلت على منافسيهم لتحويلهم إلى كبش فداء، وهم المسؤولون عن تعطيل البرلمان. فعبير موسي، من الحزب الدستوري الحر، الذي أنشأه أعضاء من الحزب السابق على الثورة والمدافعين عن بن علي، سارعت باتهام حركة النهضة وحزب الكرامة. وفعلت الكثير لتعطيل عمل البرلمان أكثر من أي سياسي. وضمت تقليعاتها في البرلمان دخولا بخوذة ولباس واق من الرصاص، واستخدمت الميكرفون للحديث مع النواب والاعتصام احتجاجا على وجود النواب الإسلاميين. وسارعت للتعبير عن دعمها لتحركات سعيد وتمنت له النجاح “في تحقيق أماني المواطنين وإعادة بناء الدولة”.
ولو أراد سعيد الحفاظ على الموقف الأخلاقي العالي فيجب أن لا يعطل البرلمان مدة أطول من المدة التي حددها، كما أن تفويضه ديمقراطي ولا يختلف عن تفويض النواب الذين انتخبهم الشعب. ومهما كان أداء البرلمان سيئا فأحسن طريقة لمحاسبة أعضائه هي عبر صناديق الاقتراع.
وتظل حركة سعيد خطرة على الديمقراطية التونسية، لكنها قائمة من خلال منظمات المجتمع المدني والاستثمار الطويل فيها. ولو انحرف سعيد عن المسار الدستوري الذي يزعم أنه بنى خطواته عليه، فإنه سيخسر دعم النقابات والاتحادات له والدولي أيضا.