مراقبون: غياب نتنياهو فرصة لاستعادة العلاقات الحميمية بين حكومة الاحتلال والبيت الأبيض

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: سارع الرئيس الأمريكي جو بايدن للاتصال برئيس حكومة الاحتلال الجديد نفتالي بينيت وهنأه بنجاحه في تشكيل إئتلاف حاكم بحرارة “باسم الشعب الأمريكي”، مؤكدا حرصه على متانة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى دفع مسيرة السلام والأمن للإسرائيليين والفلسطينيين للأمام، وعلى استمرار التشاور في كل القضايا المتصلة بالأمن الإقليمي بما في ذلك بالملف الإيراني.

ويتساءل مراقبون هل تشهد العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وبين دولة الاحتلال تعديلا إيجابيا بعدما شابها بعض التوتر في الشهور الأخيرة من حكومة بنيامين نتنياهو صاحب العلاقات الوثيقة مع الحزب الجمهوري ورئيسه الاسبق دونالد ترامب.

ويرى المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن هناك علامات توافق في تقاطع المواقف الأمريكية والإسرائيلية وتقاربها بشأن مختلف الملفات، ومن بينها الالتزام الأمريكي الدائم بدعم إسرائيل ودعم أمنها وتفوقها العسكري بالإضافة إلى دعم مسيرة التطبيع، منوها إلى أنه في الملفين الخلافيين الرئيسيين، وهما الملف الإيراني الذي تبدو الإدارة الأمريكية مصممة فيه على المضي قدما لتوقيع اتفاق جديد بشأن النشاط النووي الإيراني، وملف القضية الفلسطينية الأكثر تعقيدا، يتضح فيه أن إدارة بايدن ليست معنية بالانقلاب على ما قدمه ترامب لإسرائيل، ولكنها قد تعيد النظر في موضوعات أقل إثارة بحيث تجدد للدور الأمريكي حيويته وفاعليته من دون أن تصطدم بشكل حاد مع إسرائيل مثل موضوع إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، واستئناف المساعدات المالية للفلسطينيين بما فيها الالتزام تجاه وكالة الغوث، وضرورة استنئاف المفاوضات، وإن كانت التوقعات بشأن نتائج استئنافها ليست عالية لدى أي طرف من الأطراف المعنية.

وسبق أن توقف تقرير (مدار) الاستراتيجي عن العام 2020 أمام الفروق بين إدارتي ترامب وبايدن، ورأى أنه حتى لو أعلن بايدن نيته عدم المضي في خطى ترامب تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، فإنه لن يسعى للتراجع عن قرارات ترامب فيما يخص الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو إعادة السفارة لتل ابيب، أو سحب الاعتراف بضم الجولان السوري المحتل. ولخّص التقرير أسباب التخوف الإسرائيلي من إدارة بايدن من أنه لا يتعلق بسحب الدعم الأمريكي لإسرائيل، وإنما من “وقف مسار التماهي بين مواقف الإدارة الأمريكية ومواقف اليمين الإسرائيلي”، وبالتالي من وقف مسار الدعم الذي بدأه ترامب لإنهاء القضية الفلسطينية وفرض مخطط الضم وتشريع الاستيطان.

مطالب بدون ضغوط على إسرائيل

وفي الملف الأكثر إشكالية وإثارة وهو موضوع الاستيطان الذي يحتل مكانة مركزية في برنامج وتوجهات رئيس الحكومة نفتالي بينيت وشركائه اليمينيين، اكتفت الإدارة الأمريكية بمطالبة إسرائيل بعدم توسيع الاستيطان في الضفة والامتناع عن اتخاذ أية خطوات أحادية الجانب في الأغوار وفي القدس، وهي مطالبات تبقى نظرية وغير مقترنة بفرض أي نوع من الضغوط بحيث يمكن للحكومة الإسرائيلية الحالية التعايش معها بدون الوصول إلى صدام مع إدارة بايدن، تماما كما فعلت كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مع الإدارات الأمريكية على امتداد العقود الثلاثة الماضية.

حتى الآن وكما هو متوقع ما زال بينيت قليل الكلام في القضايا الإشكالية والمثيرة، لكن شركاءه في الحكومة يفعلون ذلك، فالتصريحات المتكررة لكل من رئيس الحكومة المناوب ووزير الخارجية يائير لبيد، ووزير الأمن بيني غانتس الذي قال مرارا إن على إسرائيل دعم السلطة الفلسطينية وسائر القوى المعتدلة في المنطقة. وهذا ما أوصى به تقرير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في الأسبوع الماضي.

وتتساوق هذه التوجهات مع تصريحات المسؤولين الأمريكيين خاصة المبعوث للشرق الأوسط هادي عمرو، وجوهرها “تحريك” الجمود في العملية السياسية، والعمل من المداخل الإنسانية والاقتصادية لتحسين حياة الفلسطينيين سواء في غزة أو الضفة، ومنع تدهور الأوضاع والحيلولة دون “اشتعال الغابة الجافة”. أما الوصول إلى حل سياسي وتحديدا حل الدولتين، فليس مطروحا على بساط البحث العملي لا من قبل الإدارة الأمريكية التي ما زالت مقتنعة به نظريا، دونما أية فرصة واقعية لتجسيده في المدى القريب، ولا من قبل حكومة بينيت – لبيد ولا أي من أطرافها حتى تلك التي تصنف نفسها أنها وسطية ومعتدلة، والتي تؤيد حل الدولتين نظريا ولكنها لا ترى أي إمكانية لتطبيقه، بل تحمل الفلسطينيين مسؤولية فشل وتعطيل جهود التسوية كما يفعل دائما عرّاب هذه الحكومة ومهندس تشكيلها يائير لبيد.

يخصص تقرير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي المذكور أعلاه مساحة لاقتراح أولويات السياسة الخارجية لإسرائيل والمهام الملحة لهذه السياسة، وبموجبها على القيادة الإسرائيلية أن تتعامل مع عالم تتنافس فيه الأقطاب الكبرى والقوى العظمى، وهو ما يفترض التعامل مع جميع هذه الأقطاب وليس مع الولايات المتحدة فقط. كما يلاحظ التقرير أن مجيء إدارة بايدن حمل متغيرات مهمة في ما يخص الأجندات الأمريكية تجاه العالم كما في القيم والأساليب المتبعة، وأن هذا التغيير سيدفع الإدارة الجديدة إلى العمل على استعادة النظام الليبرالي والتنسيق عبر الأطلسي. كما يقترح التقرير إعادة توثيق العلاقات مع الإدارة الجديدة والحزب الديمقراطي ومع يهود الولايات المتحدة مع الحفاظ على العلاقات الجيدة مع الحزب الجمهوري.

المهم رحيل نتنياهو

فُهم الترحيب الحار بالحكومة الإسرائيلية الجديدة، لدى كثير من المراقبين المحليين بأنه تعبير عن احتفاء الإدارة الأمريكية الديمقراطية بأفول حكم نتنياهو الذي تميّز عن جميع رؤساء حكومات إسرائيل ممن سبقوه، بأنه الوحيد الذي خرق الأعراف والتقاليد السياسية والدبلوماسية بما في ذلك أعراف العلاقات الخاصة والمميزة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فأعلن انحيازه السافر والصريح للرئيس السابق دونالد ترامب. وقبل ذلك اصطدم بإدارة الرئيس باراك أوباما، حين كان بايدن نفسه نائبا للرئيس، في محطات متعددة أبرزها الموقف من الاتفاق النووي مع إيران، ولجوء نتنياهو إلى تحريض قوى الضغط الأمريكية على الاتفاق، وتمادى في الأمر إلى درجة إلقاء خطاب أمام الكونغرس في آذار 2015 دون أدنى تنسيق مع إدارة الرئيس أوباما.

على خلفية ذلك تأخر بايدن بعد تنصيبه الرسمي في الاتصال بنتنياهو لأكثر من ثلاثة أسابيع، وقد أرجأ هذا الاتصال البروتوكولي إلى ما بعد أكثر من عشرة زعماء آخرين من أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء بمن فيهم رؤساء روسيا والصين والمكسيك، على غير عادة الرؤساء الأمريكيين الذين يسارعون فور تنصيبهم للاتصال برئيس الحكومة الإسرائيلية الذي لم يتحمس هو الآخر لتهنئة بايدن في إثر تنصيبه، وتأخر في الأمر أكثر من 12 ساعة على إعلان بايدن حسم النتيجة، خلافا لزعماء الدول الصديقة والمهتمة بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، بينما سبق نتنياهو في التهنئة وزير  الامن بيني غانتس. كما تأخرت الإدانة الإسرائيلية لأحداث الشغب والفوضى التي رافقت اقتحام أنصار ترامب للكونغرس الأمريكي في الوقت الذي سارع قادة العالم لإدانة هذه الأحداث.

ومهما كانت توقعات الإدارة الأمريكية بشأن بقاء حكومة بينيت- لبيد أو فرص انهيارها السريع، وهو أمر يعود بالطبع للتفاعلات والتطورات الداخلية الإسرائيلية، فإن مجرد نجاح هذه الحكومة في امتحان الثقة، حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة جدا، يحمل مجموعة من الدلالات المهمة. من بين هذه الدلائل أنه يوجد في إسرائيل بدائل لنتنياهو يمكن التعاطي معها بسلاسة من دون أن تتأثر العلاقات المميزة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأن السياسات الأمريكية تحدّدها القيادة الأمريكية بناء على مصالح الولايات المتحدة وحساباتها الكونية وليس بناء على مصالح إسرائيل أو أي طرف آخر. كما أن مرحلة ترامب التي شهدت تماهيا مطلقا بين مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال تبني ترامب لمواقف اليمين الإسرائيلي الحرفية والتفصيلية، ليست سوى مرحلة استثنائية وعابرة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

قضايا الاحتكاك مؤجلة

وهناك عوامل تؤدي إلى قلة الاحتكاك، وبالتالي التعايش والتفاهم بين إدارة بايدن وحكومة بينيت- لبيد منها أن الاهتمامات الداخلية تقف على رأس أولويات كل من الطرفين، فإدارة بايدن معنية أولا بترميم وإصلاح ما خربه ترامب سواء عبر بث وتعميم أجواء الكراهية والعنصرية التي غذّتها إدارته بين مكونات المجتمع الأمريكي، أو في علاقات الولايات المتحدة مع جيرانها وأصدقائها وخصومها. وبالمثل فإن حكومة بينيت- لبيد معنية بالحفاظ على تماسكها ووحدتها أولا، وإصلاح الأضرار التي لحقت بمؤسسات الدولة، والعلاقات بين الحكومة والسلطة القضائية والإعلام وأجهزة الأمن، فضلا عما لحق ببعض القطاعات والشرائح من أضرار بسبب غياب الموازنة العامة، لكل ذلك لا تحتل المبادرات السياسية الخارجية تجاه قضية الشرق الأوسط تحديدا أولوية تذكر لدى الطرفين.

ولعل اختيار إدارة بايدن موظفا بمستوى هادي عمرو (نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، بينما في عهد إدارة أوباما تولى إدارة الملف بنفسه وزير الخارجية جون كيري معززا بفريق من المختصين والخبراء) لمتابعة ملف الشرق الأوسط يدل على تراجع أهمية هذا الملف في نظر الإدارة، حاليا على الأقل. وهكذا لا توجد في الأفق أية دلائل على نية الإدارة الأمريكية طرح مبادرات جديدة، أو الانغماس العميق في الملف، ومن المرجح أن يقتصر دور الإدارة على كسر الجمود وتحريك المفاوضات ليس إلا، مع ما يتطلبه ذلك من ضرورات إطفاء الحرائق عند اندلاعها، ونزع الفتائل ما أمكن، كما جرى خلال المواجهات الأخيرة والحرب الرابعة على غزة. يضاف لذلك أن معظم مكونات حكومة بينيت ترفض تسوية الدولتين.

ورغم جميع الظروف والتقلبات التي مرت بها العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية في ظل قيادتي أوباما ونتنياهو، ظلت العلاقات بين مؤسسات الدولتين على حالها بما في ذلك حجم المساعدات المالية والعسكرية وخاصة الأخيرة التي تصل إلى نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار في العام، واستمر التعاون والتشاور في كافة المجالات السياسية والدبلوماسية والأمنية وذلك لأن شبكة المصالح العليا تكاد لا تتأثر بجودة العلاقات الشخصية بين القادة في الطرفين.

فرصة لجسر الهوّة

مع ذلك شهدت هذه العلاقات توترات ملحوظة خاصة بين نتنياهو والحزب الديمقراطي الأمريكي، وهو ما أثّر على العلاقة مع يهود الولايات المتحدة الذين يميلون في غالبيتهم لتأييد الحزب الديمقراطي حيث يصوت أكثر من 70% من يهود أمريكا لصالح الحزب الديمقراطي ومرشحه للرئاسة وفقا لاستطلاع صحيفة غلوبس العبرية في 2020.

ويميل معظم المراقبين الإسرائيليين إلى تحميل نتنياهو مسؤولية هذه التوترات التي ظهرت سواء في عهد إدارة أوباما، وخلال الانتخابات الأمريكية، كما في الشهور القليلة التي تلت انتخاب بايدن وتنصيبه حتى مجيء حكومة بينيت- لبيد في حزيران الماضي، مع أن أزمة العلاقة مع يهود الولايات المتحدة تعود ايضا إلى أسباب خاصة باليهود أنفسهم واتساع نفوذ التيارات الإصلاحية في صفوفهم في حين أن نتنياهو فضل دائما التحالف مع التيارات الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل.

ويرى الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس يادلين، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، أن الزمن الذي كانت واشنطن فيه تؤيد كل ما تفعله إسرائيل، وتفعل كل ما تريده إسرائيل انتهى. وقال خلال مقابلة لصحيفة “معاريف” في ابريل/ نيسان الماضي، إن الفجوة بين إسرائيل والولايات المتحدة اتسعت بشكل لا سابق له. مشيرا على سبيل المثال إلى أن واشنطن تحت إدارة بايدن تعارض امتلاك إيران لقنبلة نووية، كما تعارض قيادة هذه الدولة لمنطقة الشرق الأوسط، ولن تسمح بازدياد نفوذ “داعش” في المنطقة، ولكنها لن تؤيد فرض عقوبات على المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا كما فعلت إدارة ترامب بناء على تطابق مواقفه مع مواقف اليمين الإسرائيلي.

عاد يادلين نفسه وأكد خلال مقال نشره موقع القناة العبرية 12 أن مجيء حكومة برئاسة بينيت- لبيد يمثل فرصة لترميم وإصلاح العلاقات مع الإدارة الأمريكية والحزب الديمقراطي كما مع يهود الولايات المتحدة، ويقترح سلسلة من الخطوات التي يمكن لها أن تستوعب التباينات مع الإدارة من خلال العلاقة الوثيقة والاتصالات الدائمة، كما يقترح تشكيل طواقم مهنية متخصصة لتنظيم العلاقة وتطويرها مع يهود أمريكا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية