من حرائق موغلا قبل أيام
إسطنبول – “القدس العربي”: يطلق على ولاية موغلا “جنة تركيا” لما تتمتع به من طبيعة خلابة تتمثل في تداخل اليابسة بالبحر والمساحات الشاسعة من الغابات الكثيفة التي تكتسي بها جبالها المتلاحمة بمياه البحر النقية في مشهد ساحر جعل من المنطقة أحد أبرز أماكن اجتذاب السياح من حول العالم ومركزاً ليخوت أثرياء العالم، فيما تحولت غاباتها المميزة إلى ممر لرحلات السفاري وقراها مزاراً للراغبين في الاطلاع على حياة القرية وأشجارها مسكناً لإنتاج أحد أفضل أنواع العسل الطبيعي المميز، حيث يعتاش معظم سكان الولاية على الخدمات السياحية وإنتاج العسل.
لكن “جنة تركيا” تحولت إلى ما يشبه “كومة رماد” تفوح منها رائحة النار بعدما أتت الحرائق المتواصلة منذ أكثر من 5 أيام على عشرات آلاف الهكتارات من غاباتها، فيما لا تزال فرق الإطفاء تعمل ليلا نهارا وبراً وجواً وبحراً في محاولة لوقف امتداد الحرائق وابتلاعها ما تبقى من غابات الولاية الساحرة التي تغير شكلها تماماً بعدما تحولت خلال ساعات من اللون الأخضر إلى اللون الأسود.
ومنذ نحو 6 أيام، بدأت حرائق غابات مهولة في مناطق مختلفة من ولاية أنطاليا التركية، قبل أن تمتد إلى ولاية موغلا المجاورة وتطال العديد من الأقضية فيها لا سيما مرمريس وبودروم وكويجاز وغيرها من المناطق التي تضم أشهر المنتجعات السياحية في الأقضية التي تحتل مواقع خلابة على سواحل المنطقة التي تقع بين بحري إيجه والأبيض المتوسط.
سكان القرى كانوا يعتمدون على السياحة وإنتاج العسل الذي سيتوقف لعقود
وأظهرت مقاطع فيديو مختلفة التقطت من الجو والبر والبحر مشاهد وصفت بـ”الجحيم” لكتل نار تلتهم جبالا كاملة وألسنة لهب ترتفع في السماء، في حين فشلت عشرات الطائرات والمروحيات إلى جانب مئات عربات الإطفاء من السيطرة على الحرائق مبكراً حيث التهمت مساحات شاسعة ولم يوقفها سوى الفراغات الطبيعية كالطرق الكبرى والمناطق غير المشجرة وهو ما حول جبالا كاملة كانت تظهر على شكل كتلة خضراء إلى ما يشبه كومة رماد سوداء اللون.
وعلى الرغم من أن النيران لم تصل إلى عمق المناطق السكنية والمنتجعات السياحية، إلا أن المشهد العام للولاية السياحية بات مخيفاً ولم تعد الولاية بذات الجمال الساحر الذي كانت عليه قبيل الحرائق التي ما زالت متواصلة في أكثر من نقطة بالمحافظة ويخشى أن تأتي على مزيد من الغابات المتبقية.
إلا أن حجم الكارثة لا يتوقف على المشهد العام، فالعديد من القرى قد اختفت بالفعل بعد أن أتت النيران على جميع مساكنها ومساجدها وأماكن تربية الحيوانات فيها والأراضي الزراعية والجرارات الزراعية وبات آلاف القرويين بلا مسكن. وعلى الرغم من تعهد الحكومة بتوفير سكن مرحلي والبدء فوراً في بناء مساكن بطراز قروي وتسليمها خلال أقل من عام، إلا أن السكان ما زالوا في حالة صدمة من حجم الكارثة التي لحقت بهم.
يقول السكان إن حياتهم بعد اليوم لن تكون كما قبله، لا شيء يمكن إصلاحه وإعادته على ما كان عليه سابقاً، فالأمر بنظرهم لا يتعلق ببناء مساكن لهم، وإنما بالسبب الذي كانوا يعيشون لأجله هنا والذي كان يربطهم بالمكان، وهو الزراعة ورعاية الحيوانات والعمل في الغابات لا سيما في إنتاج العسل الذي يعتبر مصدر دخل كثير من عائلات قرى موغلا، في مشهد تجمع التقديرات على أنه يحتاج إلى عقود لكي تعود الحياة في المنطقة إلى ما كانت عليه سابقاً.
تنتج ولاية موغلا جزءا مهما جدا من العسل في تركيا، وجزء أكبر من عسل نخبوي “تشام باغلي” الذي تشتهر به المنطقة، وبعدما أتت الحرائق على غابات المنطقة يقول السكان الذي يعملون في هذه المهنة منذ عقود طويلة جداً وورثوها عن أجدادهم إن عودة الغابة إلى ما كانت عليه يحتاج إلى عقود طويلة جداً، يقول أحد السكان: “أنا لن أرى مرة أخرى الغابة كما كانت عليه، ولا حتى أبنائي، ربما أحفادي يستطيعون رؤية الغابة مجدداً والعمل في إنتاج العسل.. ربما يستغرق الأمر 100 عام”.
وتقول الحكومة إنها لن تسمح بتحويل أي جزء من الغابات التي احترقت إلى مناطق للإعمار “يسمح فيها بناء المنازل والفنادق”، وذلك رداً على تشكيك المعارضة، وتؤكد أنها ستعمل فوراً على تشجير الغابات المحروقة وبث الحياة بها من جديد وعمل كل ما يتوجب من أجل إعادة الحياة البرية إلى المنطقة.
ويقول السكان أيضاً، إن الأمر لا يتعلق بإعادة زراعة المنطقة، فعلى الرغم من أن ذلك بحاجة إلى جهد كبير وسنوات طويلة جداً من العناية إلا أن الحياة البرية ربما لن تعود مجدداً إلى المنطقة، حيث قتلت النيران وشردت كل الكائنات التي كانت تستوطن الغابات من طيور وزواحف ومواش إلى جانب النحل الذي كان مصدراً لدخل كثير من سكان القرى وهو ما يدفع بعضهم للتفكير بالانتقال للمدينة باعتبار أن تواجدهم بالقرية لم يعد له جدوى بعد الكارثة التي تعرضوا لها.