ssزيـد أبـو العـلاssspp في كل مرة يأسرني كتاب أو نص مشوّق، أعود إلى السؤال: ما هي الكتابة، ومن هو الكاتب؟ وفي كل مرة أحصل على إجابة تبتعد عن سابقتها في أمور وتقترب منها في أمور أخرى، لكنها نادرا ما تكون نقيضا لها، والواقع أن مشكلتي لا تكمن في العثور أو عدم العثور على إجابة شافية لهذين السؤالين، بل في التخلص من قيد الكتاب الذي يكبل يدي، استعدادا للوقوع في أسر الكتاب الذي يليه، ويعيدني إلى السؤالين السابقين من جديد.pppومن المعروف أن هذه الكتب والنصوص، قد اتخذت أسماء وتصنيفات وأجناسا متعددة (ديوان شعر، كتباً مقدسة، أدباً سياسياً، رواية، قصة، مجموعة قصصية، مقالات صحافية،… إلخ) كما أتخذ كتابها أقنعة أكثر اختلافا و تنوعا منذ أن كانت الكتابة حتى الآن، وإذا كان من السهل تصنيف هذا النص أو ذاك، فإن الصعوبة تكمن في تلمس قناع الكاتب لكشف المغزى، وتقدير المدى الذي وصلته جرأة الكاتب، ومصداقيته في تناول الموضوع الذي يطرحه، ومدى مساهمته في جعل الحياة مفهومة بشكل أوضح قليلا، سواء كان قناعه شافا، أو شفافا أو راسما للصور بقدر ما هو كاتم للصوت. وبين هذه الكتب والنصوص، بدأت التأرجح على إيقاع الكلمات التي أودعها الكاتب زياد خداش في كتابه ‘شتاء ثقيل وامرأة خفيفة’. فبعد وعود استمرت قرابة نصف عام للحصول على مكرمة من هذا الكاتب الذي توحي ابتسامته الدائمة ببراءة الأطفال وإقبال اليافعين على الحياة، وبعد تهديد مجازي مفعم بالضحك والوعود، أفرج زياد عن مكرمته (الأدبية) وألقى بين يديّ شتاءه الثقيل، فأقبلت على التهام المئة وخمسين صفحة الأولى منه إقبال التائه في الصحراء على قربة ماء ألقاها في حجره نسر العظام الصحراوي، ولم أكد أرفع نظارتي عن سطور تلك الصفحات حتى بدأت الأسئلة تلح علي لإزاحة قناع الكاتب عن صفحاته، وبهذا أخذت القراءة منحى متقطعا، واستمرت لفترة أجبرتني في النهاية على تحدي القلق للإجهاز على الكتاب، وإطلاق زفرة طويلة علها تبعد ذلك الشتاء الثقيل، أو تمنحني فرصة للعثور على امرأته الخفيفة، بغض النظر عن سخرية اللهاث خلف ذاك النوع من النساء.تداخلت فترة التخلص مما تبقى في جعبة الشتاء الثقيل، مع قراءة كتاب في جريدة للكاتب السعودي د. عبد الله محمد الغذامي ‘حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية’ الذي استمتعت بقراءته وجذبتني حكاية منع استخدام كلمة ‘حداثة’ قبل أن تتغاضى سلطات المنع عن الالتزام بقرارها خلال المعركة التي احتدمت حول كتاب الغذامي ‘الخطيئة والتكفير’ وأعجبني قبوله آراء بعض المثقفين السعوديين لاستخدام عبارة ‘الواقعية التخيلية’ بدل كلمة ‘الحداثة’ وقفز السؤال ما إذا كانت عبارة ‘الواقعية التخيلية’ تنطبق على شتاء خداش الثقيل، وهل سيكون استخدامها أفضل من استخدام كلمة ‘حداثة’ التي عرفها الشاعر الراحل محمود درويش بقوله ‘ … الحداثة هي إعادة النظر بالتراث والتاريخ ونقد الذات وفهم العالم الجديد’. لم أتردد كثيرا في الانحياز إلى استخدام كلمة أيقونة فلسطين وشاعرها الراحل، ويبدو أن زياد خداش يطمح إلى أن يكون الكاتب الحداثي الأول بين كتاب القصة القصيرة من الفلسطينيين، بعزفه المنفرد على كلمات هذا الكتاب، فتراه يمسك همومه الذاتية الصغيرة بيد ويطلق يده الأخرى لمعالجة قضايا عامة، تمتد من الاهتمام بمشاعر تلاميذه واحتجاجهم على خدش أفكارهم، إلى تناول أسماء زملائه وزميلاته الكتاب في قطاع غزة، إلى السياحة في القدس مع محمود درويش، إلى استرجاع ذكرى المعلم خليل السكاكيني، وإبداء الملاحظات الدمثة حول القاص محمود شقير، وتقديم رؤيا غامضة حول المسرح والممثلين المسرحيين في رام الله، كل ذلك عبر تجاوز لكل ما يقيد كتابة القصة القصيرة من عادات وتقاليد وضوابط تاريخية فرضها مجتمع محافظ على الكتّاب خلال فترات طويلة.ويبدو أنه يريح القارئ مقدما حيث يعرّف كتابه سلفا، بأنه ‘نصوص، مقالات، تأملات، قصص.’ ولا أدري لم أكل أحرف العطف بين هذه الكلمات، ولم يترك لنا فرصة القول بأن كتابه ينتمي بالمجمل إلى كتابة المقالات الصحافية، والتي تمكن الكاتب من حجز حيز لها خارج مملكة الشاعر غسان زقطان الثقافية في جريدة الأيام، ‘وهي المملكة التي لم يتمكن الشاعر زقطان من توسيع حدودها لتقترب من الحيز المتاح لصفحات الرياضة في نفس الصحيفة’. وبغض النظر عن التصنيفات، أو الأسلوب المتبع في الكتابة، يبقى المهم بالنسبة لي، هو المضمون الذي ينطوي عليه النص، أي نص أدبي، لأن الشكل في رأيي هو الوعاء المغلق على سيل العبارات المشوقة حينا، أو شذرات من الذهب التي تزين لوحات تشكيلية تتحدى القارئ وتفرض عليه استخراج ذرات التبر من كومة التبن حينا آخر، وباحتوائها على المضمون، تمثل وحدة متكاملة يفرض المضمون شكلها، وتمثل من الممارسة والاستمرار في الكتابة، أسلوب الكاتب الذي يميزه عن الآخرين، وهنا تختلف نظرة القراء حول هذه المجموعة، بحسب أمزجتهم وتفضيلهم لأسلوب على آخر، ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى دليل على هذا الاستنتاج. ولهذا فإن ما يهمني في هذا الكتاب، هو الصراحة والجرأة على تناول مواضيع مشوّقة حول الأدب والموسيقى والمرأة، بأسلوب خاص بالكاتب قلما قرأت مثيلا له في الجزء من الأدب العربي الذي يساهم الكتاب الفلسطينيون فيه، وبالتأكيد فإن هذا الحكم مرتبط بقراءاتي المحدودة في هذا المجال. كمثال على ذلك، نجد في قصة ‘اعتذاراتي المتأخرة’، محاولة لطرح الموضوع الأقدم والأكثر صعوبة في تاريخ الأدب والفلسفة في آن معا: ‘الموت’ وتبقى كيفية إيصال الفكرة إلى القراء أو جرهم لاستنتاجها، كما جرني زياد خداش هي الأهم. واعترف بأن أسلوب الكاتب وتعدد المواضيع التي يتناولها، قد أعجبني، ورأيت في انطلاقه من تفاصيل الحياة اليومية، إلى محاكمة مسرحية، أو نقد مقال لزميل له، أو كتابة قصة قصيرة، أسلوبا مشوّقاً يعتمد على لغة خاصة به تشكل تمايزا نوعيا عن المألوف في كتابة القصة القصيرة، والمقالة الصحافية، وتكاد تنسيني التذكير بأن عنوان الكتاب مأخوذ من عنوان قصته القصيرة التي يبدأها بالسؤال ‘لماذا أتكسر بداية كل شتاء؟’ وأعادني إلى التذكير بأن كتابه الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، يحتوي على ثلاثة وخمسين عنوانا تمتد على مدى مئتين وخمسين صفحة من القطع المتوسط بطباعة جيدة، وقد نفى في عنوان إحداها وجود الصعاليك في فلسطين، وأكد على حاجة الثقافة الفلسطينية إلى هذا الصعلوك، ومضى أبعد من ذلك حين حدد مواصفاته وأعاد التذكير بثيمة الصعاليك الذين خرجوا عن قيود زعماء قبائلهم، كما أعاد التذكير بالشاعر المقدسي فوزي البكري، وعرض المثالب التي تعاني منها ثقافتنا، فهل يعمل على أن يكون!! أم يبحث عن الصعلوك الغائب.’كاتب من فلسطين